حلف المأزومين يتوهم حل أزمات أفريقيا

حلف المأزومين يتوهم حل أزمات أفريقيا

القاهرة – تريد الدول المأزومة مثل الجزائر وإثيوبيا ونيجيريا، ومعها جنوب أفريقيا، تقديم حلول وتسويات لصراعات محتدمة في قارة أفريقيا، وجميعها تعج بمشكلات داخلية عميقة وأخفقت في إيجاد حلول ناجزة لأزماتها الخارجية، وذلك بالفرار إلى تقديم مقاربات لمشاكل الآخرين عبر تحالف رباعي أعلن عنه قبل أيام.

وقررت هذه الدول تشكيل حلف أو ما يسمى بـ”مجموعة الأربع” كتحالف يهدف إلى التشاور والتنسيق لإيجاد حلول لمختلف القضايا التي ستواجه القارة الأفريقية مستقبلاً.

وأثار الطموح الكبير ردود أفعال في العديد من الدول الأفريقية لأن الدول الأربع الساعية لحل أزمات القارة لم تستطع إيجاد تسويات لخلافاتها مع دول أخرى، ما يعيق دورها ويقلل من مصداقية أيّ تحرك تقوم به ضمن الهيكل الجديد.

وقللت مصادر مصرية من أهمية هذه المجموعة، واعتبرت محاولة تشكيل تحالف من هذا النوع عملية مكتوب عليها الفشل بسبب التناقضات التي تجمع بين دوله والتباين في الأجندات السياسية والتحالفات الإقليمية والمراوحة في القدرات والإمكانيات.

هند الضاوي: أي تحالف يجب أن يعتمد على قوة سياسية عسكرية واقتصادية تدعمه

وأضافت المصادر ذاتها لـ”العرب” أن الجزائر التي تزعمت مؤخرا عملية نزع صفة المراقب التي حصلت عليها إسرائيل في الاتحاد الأفريقي لا تعلم أن الدولة العبرية حليف كبير لإثيوبيا ودخلت معها في أطر تعاونية متعددة، فكيف ستتمكن من التنسيق مع أديس أبابا بشأن تدخلات إسرائيل في القارة التي تحدث عنها الإعلام الجزائري.

وشددت المصادر على أن دبلوماسية الكيد السياسي الجزائرية يمكن أن تؤدي إلى خسارتها مصر التي تخوض معركة مصيرية ضد إثيوبيا جراء تشييدها مشروع سد النهضة بصورة منفردة ورفضت جميع الطروحات التي قدمتها القاهرة لحل الأزمة.

وحاولت الجزائر تقديم نفسها كوسيط لحل أزمة سد النهضة في أغسطس الماضي، غير أنها اصطدمت بشروط مصرية وسودانية أعاقت رغبتها في التمدد واستعراض دبلوماسيتها على الساحة الأفريقية والإيحاء بأنها قادرة على حل أزماتها.

وأعلنت نيجيريا أن رئيسها محمد بخاري ونظيريه الجزائري عبدالمجيد تبون والجنوب أفريقي سيريل رامافوزا ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد قرروا في العشرين من فبراير، وعلى هامش قمة عقدت في بروكسل بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي، تأسيس مجموعة الأربع بصورة مفاجئة.

وجاءت المبادرة التي انجذب لها رؤساء الدول الثلاث من جانب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الباحث عن دور سياسي يخفف به من وطأة الاتهامات والانتقادات الدولية التي لاحقته بسبب العدوان العسكري على إقليم تيغراي وما تبعه من انتهاكات.

وشدد قادة المجموعة على الحاجة لتعزيز دور هذا التحالف داخل الاتحاد الأفريقي كمنصة للجمع بين دوله، وتنسيق الإجراءات وردود الفعل حول قضايا القارة بطريقة أكثر استباقية، والنظر في كيفية تنفيذ القرارات الصادرة عن الاتحاد بشكل أفضل.

واتفق القادة الأفارقة على عقد قمة رسمية لرسم خارطة طريق لأفريقيا في الأشهر المقبلة، ما يشير إلى أنهم قادرون على التعامل مع الصراعات الساخنة في القارة، وأن خطتهم ماضية في طريقها بقطع النظر عن أيّ اعتراضات إقليمية.

وقالت الخبيرة في الشؤون الإقليمية هند الضاوي إن الجزائر تتدخل منذ سنوات طويلة في أزمة الصحراء، وتعد من أسباب عدم حلها لانحيازها السافر إلى جبهة البوليساريو، وبينها وبين المغرب أزمات متراكمة أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، وإثيوبيا لا تزال تعاني من شبح تداعيات أزمة إقليم تيغراي، ونيجيريا وجنوب أفريقيا تعجان بمشكلات حرمتهما الاستفادة من إمكانياتهما الاقتصادية.

وأضافت لـ”العرب” أن قادة مجموعة الأربع لا يملكون آلية لتنفيذ قراراتهم غير الملزمة أصلا، كما أنهم لا يستطيعون تكوين تحالفات عسكرية واقتصادية وإنشاء منظومة مشروعات تنموية يساعدون بها الدول الأفريقية التي تعج بالنزاعات.

وأكدت أن أيّ تحالف حقيقي من الضروري أن يعتمد على قوة سياسية وعسكرية واقتصادية تدعمه يتمكن بموجبها من فرض قراراته، في حين ظهرت مجموعة الأربع كنوع من الكيد السياسي، لأن التنافر الخفي بين تصورات دولها يضاعف من صعوبة نجاحها في إيجاد تسويات معقولة لأيّ من الأزمات الإقليمية المنتشرة في أفريقيا.

ويريد قادة هذه المجموعة خلق أمر واقع في أفريقيا والاستفادة من التباعد بين دول القارة، ويعيدون للأذهان منافسة محتدمة جرت فصولها منذ سنوات بين مصر ونيجيريا وجنوب أفريقيا للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي وانتهت المعركة بتجميد القضية نفسها وتراجع مناقشتها على أجندة المجتمع الدولي.

وتبدو مجموعة الأربع فكرة طارئة وغير مدروسة سياسيا وكل دولة تريد تحقيق أهداف محددة، فنيجيريا وجنوب أفريقيا تسعيان لتكريس رغبتهما في أنهما الأهم، وعندما تتجدد معركة مجلس الأمن يكون كلاهما ثبّت أقدامه في مفاصل القارة.

وتعمل الجزائر على توسيع هوامش المناورة في مناطق مختلفة، وهو دليل على أن بوصلتها مضطربة فبعد أن فشلت في عقد قمة عربية على أراضيها تعلن خلالها عودة سوريا إلى الجامعة العربية وتحقق نصرا دبلوماسيا بحاجة إليه تبحث الآن عن قناة أخرى لنصر معنوي زائف.

ويعمل رئيس الحكومة الإثيوبية على إزالة الألغام السياسية التي وضعت في طريقه عقب تدخله عسكريا في تيغراي وتجاوز الصعوبات التي يواجهها مشروعه الداخلي بالترويج إلى رشادة إقليمية متجاهلا تحرشه بكل من مصر والسودان.

ولن تستطيع الدول المأزومة حل مشكلات قارة غالبية دولها مأزومة، وربما تؤدي مجموعة الأربع إلى تشكيل تحالفات مضادة، فمصر التي تعمل على استعادة حضورها لن تقبل أن يحقق الآخرون انتصارات رمزية على حساب مصالحها.

وبدلا من أن تصبح المجموعة الجديدة نواة لحل الصراعات يمكن أن تتحول إلى مدخل لتفاقمها في ظل التباعد في الحسابات السياسية لدولها وتعدد الولاءات.

العرب