سيكولوجيا الخوف الجماعي

سيكولوجيا الخوف الجماعي

C3N2n

تحدث منذ سنوات عن أوهام ووقائع «تحالف الأقليات»، لكننا في الوقت نفسه نعتبر تلك الأَوهام من عمل السياسيين المهتمين بكسْب الشعبية عبر نشر لخوف من الأكثريات. وقد أُثيرت مسألة خوف الأقليات في موجاتها الأخيرة من الظلم والاضطهاد القادمين على أيدي الأكثريات في عام 2011. ووقتها ما كان الأقباط، ولا المسيحيون السوريون واللبنانيون، مهدَّدين. بل كان بعضُهم من أشد أنصار التغيير حماساً. ووقتها، وفي ظل الأنظمة السائدة في سوريا والعراق ومصر، ما كان للمسيحيين ولا للمسلمين صوت مسموع باستثناء لبنان بالطبع. لكنْ ربما كانت الفئات التجارية من المسيحيين مرتاحة. كما أن الحراك بين الفئات المسيحية كان أكثر اندفاعاً وحماسةً في النشاط الاقتصادي، وفي التواصل مع عوالم العلم والأعمال، فنسبة المتعلمين بينهم أكبر منها لدى المسلمين، وهذه تركةٌ عمرها أكثر من 150 عاماً. ومع صعود الأنظمة الأمنية والعسكرية في بلدان المشرق والمغرب قلّت الحقوق وقلّت الحراكات، وما عاد يمكن التمييز في مجال المشاركة أو الافتقار إليها بين المسلم وغيره.

الذين بدأوا يتحدثون عام 2012 ما ذكروا الأقليات بدايةً، لكنهم قالوا إنهم يحدوهُم الخوفُ على مصائر «الدولة المدنية»، كأنما أنظمة الأسد والمالكي وغيرهما هي دولٌ مدنيةٌ وعلمانيةٌ من طرازٍ رفيع! ثم أتى مطارنةٌ من الكنيستين الروسية والغربية إلى لبنان وسوريا وأقاموا المؤتمرات حول مصائر مسيحيي الشرق. وعندما صعد تنظيم «داعش» بدا كأنما الخائفون كانوا محقّين.

وكما سبق القول، فإنّ سياسيين لبنانيين مسيحيين ما انتظروا ظهور «داعش» للحديث عن الذمّية التي يريد فرضَها المسلمون السنة على المسيحيين في لبنان! وعندما كنا نقول لهم: لكننا عشنا معاً دهراً دون أن يكون ذلك مطروحاً، كانوا يجيبون ولا يزالون: لكنّ أسلافكم العثمانيين كانوا يقومون بذلك، وها هم المتطرفون في الجوار يقومون به اليوم!

وعندما تدخل «حزب الله» في سوريا، اكتمل الفيلم: هؤلاء المسلَّحون الذين يقاتلون ضد الأسد الحاكم الشرعي هم جميعاً تكفيريون، يستحلون مزارات ومقامات أهل البيت، ودماء الشيعة. لذلك ينبغي علينا مبادرتهم بالهجوم قبل أن يهاجموا لبنان وحتى النجف وقم. وبالطبع نحن معنيون بأمن الأصدقاء والحلفاء من المسيحيين والعلويين! ودخلت في ذلك جهات كنسية عربية وغربية وروسية. فالمشهور أنّ البطريرك لحّام بطريرك الروم الكاثوليك (وهو سوري الأصل)، اعتبر أنّ الأسد، واستطراداً «حزب الله» وإيران هم حُماةُ المسيحيين. وكذلك فعل سياسيو التيار العوني، ومفكرون مسيحيون وعلمانيون. وقد دخل على هذا الخطّ عشرات المفكرين العرب القوميين. والحجة مختلفة، لكنّ المآل واحد. فحرصاً على آخِر الرؤساء القوميين لابد من الدخول معه في مكافحة الإرهاب. وعلى أي حال فإن العرب سوريين وغير سوريين غير مهيئين للديمقراطية بعد لأنهم لا يملكون ثقافتها! ولأنهم لا يستطيعون تأييد «ولاية الفقيه» نظاماً للحكم، بل يكتفون بعداء إيران للإمبريالية والإرهاب، فقد سُرُّوا – مع اليمين المسيحي – كثيراً للتدخل الروسي، باعتبار روسيا دولة علمانية رغم إعلان كنيستها للحرب المقدسة!

وكنتُ قبل أيام في جلسة علمية تطرق فيها الحديث إلى «مواجهة التطرف على الأرض». وما فهمتُ بدايةً المقصود، فقال أستاذ شيعي (عهدتُه يسارياً)، وآخَر مسيحي: إذا اقترب «داعش» من لبنان فليس له إلاّ «حزب الله»! وما رأيتُ فائدةً في الجدال عن فائدة الجيش اللبناني، وقلت بإيجاز إنه لا شيء يهدّئ الخوف الجماعي الوهمي إلاّ أوهام تحالف الأقليات!

  د.رضوان السيد

صحيفة الاتحاد الإماراتية