زيارة بايدن في المنظور الاستراتيجي

زيارة بايدن في المنظور الاستراتيجي

تبدأ اليوم الأربعاء زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لحلفاء أمريكا التقليديين في منطقة الشرق الأوسط. ولا يُخفى على أحد أن دافع الزيارة الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، يتعلّق باحتداد المواجهة بين الغرب بزعامة الولايات المتحدة، وكل من روسيا والصين اللتين تتعاونان بدون أن يصل الأمر بينهما حتى الآن إلى مستوى الحلف العسكري. تندرج الزيارة بالتالي في سلسلة التغيّرات التي أحدثها غزو روسيا لأوكرانيا، الذي شكّل هديّة عظيمة قدّمها فلاديمير بوتين لأمريكا، إذ أتاح لها تجديد سطوتها على حلفائها الأوروبيين بما فاق أي وقت مضى منذ نهاية الاتحاد السوفييتي، بل أدّى علاوة على ذلك إلى توسيع دائرة السطوة تلك إلى السويد وفنلندا اللتين طلبتا الانضمام إلى الحلف الأطلسي.
وقد انتعشت استراتيجية الهيمنة التي تعمل بها واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة والتي تقوم على تسعير شعور أوروبا وشرقي آسيا والمحيط الهادئ بالحاجة إلى الحماية الأمريكية من خلال تأجيج مخاوف دول تلك المناطق إزاء روسيا والصين. فقد رأينا الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي تتخذ تدابير استفزازية حيال موسكو وبكين، متوخية ردوداً من الطرفين من شأنها أن تعزّز مخاوف جيرانهما. وقد نجحت هذه الاستراتيجية إزاء موسكو بما تعدّى الأماني الأمريكية من خلال غزو بوتين لأوكرانيا، الذي شبّهناه على هذه الصفحات قبل بداية تنفيذه بيومين («صدّام حسين وفلاديمير بوتين»، 22/2/2022) بغزو صدّام حسين للكويت من حيث كونهما قرارين أرعنين.
هذا وقد رأينا واشنطن منذ بدء الغزو تتحرّك على الجبهتين، جبهة أوروبا وجبهة آسيا والمحيط الهادئ، وتجهد لتصوير بكين وكأنها متواطئة مع الغزو الروسي وساعية وراء القيام بالمثل بغزوها تايوان. والحال أن إحدى النتائج الهامة لتغيّر الأوضاع العالمية إنما هي عودة واشنطن إلى توحيد استراتيجية هيمنتها على النطاق العالمي. فقد أخذت أمريكا خلال رئاسة باراك أوباما تقلّل تدريجياً من اهتمامها بالساحة الأوروبية لتركّز على الساحة الآسيوية في ضوء الفارق العظيم بين نمو الصين إلى قوة اقتصادية باتت تضاهي القوة الأمريكية بينما غدت روسيا دولة ما دون المرتبة العاشرة في الاقتصاد العالمي، تضاهي بالكاد كوريا الجنوبية (واقتصاد هذه الأخيرة صناعي بامتياز بينما الاقتصاد الروسي ريعي إلى حد بعيد). جاء هذا «الانعطاف إلى آسيا» على خلفية إخفاق المشروع الأمريكي في العراق وإتمام الانسحاب منه في نهاية عام 2011، والتحوّل في سوق النفط العالمي بفضل تقدّم تقنيات استخراج النفط الصخري، وهو متوفر بكثرة في أمريكا بما قلّل من أهمية الشرق الأوسط والخليج بالنسبة لها.

تعلن الإدارة الأمريكية عشية زيارة بايدن للمنطقة أن طهران تنوي بيع طائرات مسيّرة لموسكو (بينما تبيع تركيا طائرات مسيّرة لأوكرانيا)، بما يجعل طهران حليفة لموسكو في غزوها

بيد أن الحساب كان خاطئاً من أساسه إذ إن إيلاء الأولوية الاستراتيجية لمواجهة الصين يقتضي الاهتمام بمنطقة الخليج التي تشكّل أحد المصادر الرئيسية التي تستورد منها الصين محروقاتها، وقد كانت المملكة السعودية مورّد الصين الرئيسي قبل أن تحيلها روسيا إلى المرتبة الثانية، كما تضمّ قائمة المورّدين سلطنة عمان والعراق وإيران. وهذا ما أدركه دونالد ترامب وقد مضى بعيداً في اتجاه «الانعطاف إلى آسيا»، مُبدياً ازدراءه من الأوروبيين وتودّده لبوتين بينما تعامل مع الصين بطريقة عدائية فجّة. لكنّه منح الخليج أهمية بالغة، مخصّصاً رحلته الرئاسية الأولى لزيارة الرياض، وبقي ملتزماً بموقفه حيال المملكة السعودية بوجه خاص بالرغم من العاصفة التي شهدتها علاقة هذه الأخيرة بالدول الغربية خلال رئاسته.
وعندما خلفه بايدن في البيت الأبيض، بدأ بالعودة إلى نهج أوباما فأرسى جفافاً في علاقاته مع الدول الخليجية، باستثناء قطَر التي كان سلفه ترامب قد بارك مقاطعتها، والحال أن تلك المقاطعة انتهت مع انتهاء رئاسته. هذا وقد رفع الغزو الروسي لأوكرانيا سعر أسهم الخليج في بورصة الاستراتيجية الأمريكية بصورة عظيمة، إذ أدّى إلى بحث أوروبا عن مصادر بديلة عن روسيا لنفطها وغازها علماً أن الخليج أهم البدائل في هذا الشأن. فكانت الخطوة الأمريكية الأولى في ضوء المستجدّات الدولية رفع إدارة بايدن لقطَر إلى مكانة «حليف رئيسي من خارج الناتو»، وتلتها الآن زيارة بايدن للمنطقة بما فيها المملكة السعودية، مع إبداء إدارته استعدادها لمنح ضوئها الأخضر لاستيراد المملكة لأصناف من الأسلحة كانت حتى الآن محرّمة عليها.
وبعد أن كانت إدارة بايدن قد بذلت مساع حثيثة من أجل إعادة الولايات المتحدة إلى إطار الاتفاق النووي الذي كانت إدارة أوباما قد أشرفت على إبرامه مع إيران والذي نقض ترامب التزام بلاده به، تعثرت المساعي بعد بدء الغزو الروسي لأوكرانيا. ومن الواضح أنها تحوّلت إلى ورقة يحملها بايدن في زيارته لدولة إسرائيل وللمملكة السعودية، إذ إن الطرفين يتمنّيان عدم عودة واشنطن عن انسحابها من الاتفاق، وبالتالي استمرار التزامها بجملة العقوبات القاسية التي فرضها ترامب على طهران. وليس من الصدفة في هذا الصدد أن تعلن الإدارة الأمريكية عشية زيارة بايدن للمنطقة أن طهران تنوي بيع طائرات مسيّرة لموسكو (بينما تبيع تركيا طائرات مسيّرة لأوكرانيا)، بما يجعل طهران حليفة لموسكو في غزوها ويسلّط الضوء على أن روسيا قد تستفيد اقتصادياً من رفع العقوبات عن إيران، من خلال بيع جزء من محروقاتها بواسطتها على سبيل المثال.

القدس العربي