البطالة في العراق تتزايد وإغفال الحكومة يفاقم المشكلة

البطالة في العراق تتزايد وإغفال الحكومة يفاقم المشكلة

الباحثة شذى خليل*

منذ 2003 ونسبة البطالة في تزايد مستمر، وأصبحت واقع حال للمواطن العراقي، رغم ان العراق الذي يتميز بثرواته النفطية والموارد الطبيعية، لكن الفساد وغياب التخطيط والرؤية، في موازاة ازدياد أعداد الخريجين، وعدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي في بلاد الرافدين. عمقت الكثير من المشاكل الاقتصادية ومن أهمها البطالة كونها آفة تفتك بنسيج المجتمع العراقي .
تعد مشكلة البطالة التحدي الأصعب للحكومة الجديدة ، حيث تؤكد البيانات أنها في ازدياد، ومعها يرتفع مؤشر الفقر في دولة غنية بالنفط، وذلك ضمن سلسلة مترابطة تنهك بلاد الرافدين منذ ما يقارب عشرين عاماً بعد الغزو الأميركي للبلاد.

من جانب آخر تزايد أعداد خريجي الجامعات الذين لم يتمكّنوا من الحصول على وظائف، بسبب عدم وجود رؤية حقيقية لدى الدولة العراقية، فضلاً عن عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي.
ويقول بعض المواطنين، إن الوضع في العراق أصبح صعباً جداً، فالبلد يفتقر إلى التخطيط والبناء الصحيح، وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار أضر بنا نحن الطبقة الفقيرة وأصحاب الدخل المحدود ودفعنا الى التفكير في الهجرة واللجوء الى دول أكثر استقرارا من الجانب الاقتصادي وحتى الأمني .

مر العراق بظروف صعبة ، لكن الفساد وعدم التخطيط وإهدار الثروة الوطنية هي أساس تعميق الأزمات، ومن المعروف ان الاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي ، يعطي فكرة واضحة بلا تخطيط ولا تنمية ولا استثمار .
والتأثر الكبير والمباشر بتقلبات الأسعار، والانكماش الاقتصادي ولَّد البطالة لدى الشباب، متحدث من “وزارة التخطيط قال “نفذت مسحاً لثلاث محافظات (بغداد والبصرة ونينوى) للوقوف على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وبالتالي رسم السياسات التنموية المناسبة لتوفير الدعم وخلق ظروف أفضل لتلك المؤسسات”، و أن “نسبة البطالة المتوفرة لدى الوزارة لعام 2020 تصل إلى 14 في المئة وتحديداً 13.8 في المئة”.
وأن “وزارة التخطيط تعمل على مسح جديد لمعرفة مؤشرات البطالة، وأهمية المسح تكمن في رسم صورة واقعية ودقيقة عن واقع المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وهذه المؤسسات تعمل فيها أعداد غير قليلة من الشباب ونتحدث عن مليون شاب وشابة”، وذلك يساعدنا في رسم سياساتنا المستقبلية لتوفير الإجراءات والسياسات لوضع الحلول”.

وقال بعض المختصين ، إن مشكلة البطالة هي القنبلة الموقوتة إذ تصل نسبة البطالة في العراق اليوم إلى 40 في المئة، وقال الباحث في الشأن الاقتصادي، عبدالله العبيدي، إن الدراسات العلمية أكدت هذه النسبة ، وأن الحكومة العراقية تحاول تقليل هذه النسبة من أجل التغطية على فشلها في معالجة هذه المشكلة.
وأن محاولة الحكومة العراقية الانفتاح على التوظيف الحكومي هو حل ترقيعي يساهم في تفاقم مشكلة الترهل الوظيفي، بينما يحتاج العراق إلى سوق عمل تنموي يستطيع توفير الفرص الكاملة للحد من مشكلة البطالة.
وللبطالة انعكاس كبير فهي تعني جوع أسر بأكملها، والبطالة تعني ألا يذهب الأبناء إلى المدارس، كما ان عدم التخطيط والإدراك الى تزايد نسب البطالة وإغفال الحكومة لمعدلاتها هو كارثة حقيقية ، بالإضافة الى تزايد معدل نمو السكان والأعداد الهائلة من الخريجين سنوياً تضيف باستمرار آلافاً لجيش البطالة، ولنفترض أن هناك 250 ألف شخص يضافون سنوياً لقوى العمل المتراكمة، وأن ما تطرحه الحكومة من درجات وظيفية لا تتجاوز 5000 في السنوات الأخيرة، هل يعني ذلك أن الحل في توفير درجات وظيفية حكومية؟ الجواب قطعاً كلا ولأسباب عدة، أهمها تخمة دوائر الدولة بالموظفين الحكوميين، إذ فاق العدد الإجمالي خمسة ملايين موظف”.
مستشار رئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح قال عن البطالة “لم تقل البطالة عن مرتبتين عشريتين في بلادنا على مدى السنوات الـ20 الماضية، إذ تقترب نسبة من هم في عمر الشباب من العاملين (أي دون سن 35 عاماً نزولاً لعمر 15 عاماً) قرابة 60 في المئة من سكان البلاد، في وقت يزداد سكان العراق سنوياً بنحو مليون نسمة صعوداً، كما يضاف إلى سوق العمل نحو 450 ألف فرصة عمل سنوياً”، وأضاف صالح، “أكثر المستويات التي انخفضت فيها البطالة في السنوات الماضية، (وأقصد الراغبين بالعمل والقادرين عليه) كان عام 2012، عندما ازداد التوظيف الحكومي بشكل أفقي بسبب تعاظم عائدات النفط، وهبطت البطالة حينها من 16 في المئة إلى قرابة 10 في المئة، وعلى الرغم من ذلك، لم تهبط البطالة إلى حاجز المرتبة العشرية الواحدة (كأن تكون 3 – 6 في المئة من إجمالي قوة العمل)، ولغاية اليوم، تقدر مستويات البطالة الحالية بنحو 23 في المئة”.
ان علاقة البطالة بالفقر علاقة وثيقة إذ ان الدخل الناجم عن العمل مصدر الثروة والرفاهية وعكسه يعني تدني مستويات المعيشة، فمستوى الفقر البالغ 30 في المئة في الوقت الحاضر تقابله مستويات بطالة لم تقل عن 23 في المئة من إجمالي القوة العاملة، وحتى هذه اللحظة، يشكل التكافل العائلي الخط الآمن غير المرئي للدخل البديل، فالرواتب والمعاشات التقاعدية والمنح الشهرية تغطي ثمانية ملايين نسمة (بافتراض أن الراتب الشهري بموجب نظام الإعالة يغطي احتياجات خمسة أفراد من الأسرة الواحدة)، وهذا يعني أن دخلاً بديلاً يساعد من لا دخل لهم، ولكن لوحظ أن مليوني أسرة على الأقل، لا يوجد من بين أفرادها من يحظى بدخل حكومي.

وأشار صالح إلى أن “التوظيف الحكومي أصبح في حالة إشباع ولم يكن بديلاً عن سوق العمل المتنامية التي تضم اليوم قرابة ثمانية ملايين نسمة، والتي تعتمد على دور النشاط الخاص في النمو الاقتصادي، وربما أن أفضل السيناريوهات الاقتصادية المتاحة هو الانفتاح الحكومي في منح القروض الميسرة للقطاع الخاص شرط أن يرتبط القرض بضمان تشغيل عدد من العاملين في سوق العمل، أي استدامة التشغيل والتشغيل الجديد، ولكن هذا الأمر يشترط أيضاً توافر قاعدة بيانات دقيقة عن قوى العرض والطلب في سوق العمل”، وختم قائلاً، “البلاد بحاجة إلى رقم وطني للعاملين لتتبع فرص التشغيل وحصر حالات البطالة وحركة قوة العمل، وهي مهمة إحصائية وتخطيطية مشتركة بين وزارتي التخطيط والعمل والشؤون الاجتماعية تمهيداً لحوكمة سوق العمل والسعي لإيجاد فرص العمل في القطاع الخاص والتقليل من البطالة”.

بعض الخبراء أكدوا ان معالجة مشكلة البطالة ليست بالأمر المستحيل في بلد نفطي غني بالموارد والإمكانات الاقتصادية، لكن الفساد والمحسوبية والجماعات المسلحة والمليشيات والتدخلات الدينية والولاءات الخارجية، كلها تحول دون قيام دولة قوية. وشرط توفر الإرادة الوطنية والتخطيط الصحيح، وهذه العوامل للأسف مفقودة في الحكومات العراقية المتعاقبة، ومع ذلك، قد تدفع الضغوط الأخيرة الحكومة الحالية إلى التفتيش عن حلول جديدة لمعالجة مشكلة البطالة بأبعادها المختلفة، ومن تلك الحلول فتح مكاتب العمل في كل المحافظات، والهدف إحصائيات دقيقة، حتى يكون لدى الحكومة تصور دقيق عن هؤلاء العاطلين عن العمل لمعرفة أي قطاع عمل يجب فتحه، وإعادة النظر بالنظام التعليمي في العراق، ومتطلبات سوق العمل، والحد من تدفق المنتوجات المستوردة التي أدت إلى إقفال كثير من المصانع الوطنية”.

يجب التركيز على مشاريع البنى التحتية لدورها في تعجيل البناء والإعمار، وإيقاف هدر الثروات ، وضبط التدفق الكبير من العمالة الأجنبية من خلال التشريعات القانونية والضوابط الإدارية، ومعالجة قانون الضمان الاجتماعي، والحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، وتفعيل برامج التدريب والتأهيل للعاطلين عن العمل، وتوفير قروض لتأسيس المشاريع المتوسطة والصغيرة، أو منح العاطلين عن العمل قروضاً عبر تفعيل مبادرة البنك المركزي لإقراض الشباب.

وتحتاج إلى جهد وطني كبير، فمعالجة البطالة في العراق لن تجري إلا من خلال تنويع الاقتصاد العراقي، وتحديد الأنشطة الإنتاجية السلعية والخدمية، من خلال استحداث أنشطة جديدة تخلق فرص عمل وتشغيل الشباب، حيث لا يمكن الاستمرار بالحلول والمعالجات الترقيعية المتبعة.

 

وحدة الدراسات الاقتصادية /مكتب شمال امريكا

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية