تركيا والصراع الروسي الفرنسي على سوريا

تركيا والصراع الروسي الفرنسي على سوريا

poutine_hollande

كانت فرنسا قبل تفجيرات باريس بتاريخ 13 نوفمبر2015 من كبرى الدول الغربية المؤيدة للثورة السورية، وكانت من أكبر المعارضين للدور الروسي في سوريا، حيث أن فرنسا كانت من أولى الدول التي أمدت الثورة السورية بالأسلحة ووسائل الاتصال والتنصت والتصوير الحديثة، وقد عرضت على وفود الثورة السورية التي زارت باريس مؤخراً أسلحة نوعية ومنظومة أسلحة، مع مستشارين عسكريين فرنسيين للعمل داخل سوريا شريطة حماية المستشارين الفرنسيين هناك، أو أن يتم تدريب جنود وضباط من الجيش السوري الحر على استعمال هذه الأسلحة في فرنسا، وقد تركت فرنسا لفصائل الثورة السورية أن تختار الكيفية المناسبة لها لتحديد كيفية التعاون العسكري بينهما، كل ذلك وغيره كان قبل هجمات باريس الأخيرة بنحو عشرة أيام فقط، والتي أثرت جداً على مجريات السياسة الفرنسية واستراتيجيتها العسكرية في سوريا.

هذا الدعم الفرنسي المتطور للثورة السورية وفصائلها المعارضة وقبل تفجيرات باريس جاء بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا؛ لأن فرنسا تدرك أن سيطرة روسيا على سوريا عسكرياً وسياسياً يعني سيطرة روسيا على لبنان أيضاً، وبالتالي فهو تهديد لمنطقة النفوذ الفرنسي لأن فرنسا تعتبر لبنان ربيبتها في الشرق الأوسط، ولا تسمح الدولة الفرنسية لأي دولة عالمية أن تأخذ منها نفوذها، ولذلك فإن تفجيرات باريس وبغض النظر عن الجهة التي خططت لها، إن كانت تنظيم “الدولة الإسلامية” داعش، أم كان دورها التنفيذ، وكان التخطيط لعقول استخباراتية فرنسية أو إيرانية أو غيرها، فإن السياسة الفرنسية تعمل لاستثمار هذه التفجيرات لتعبئة الرأي العام الفرنسي والأوروبي والعالمي بأن من واجبها الدخول في حرب مع “الدولة الإسلامية” داعش لحماية شعبها ودولتها والشعوب الأوروبية، ولذلك عمدت السياسة الفرنسية إلى اعتبار التفجيرات ضربة لفرنسا وبلجيكا وألمانيا، ولا تزال الأجواء الأوروبية تثير الرعب في قلوب الأوروبيين كنوع من التعبئة الأوروبية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، والتوجه للانتقام منها في سوريا، ولذلك جاء إعلان الرئيس الفرنسي هولاند بإعلان الحرب في فرنسا بعد ساعات من التفجيرات الإرهابية، كما توجه زعماء الدول الأوروبية إلى باريس وعلى رأسهم رئيس الوزراء البريطاني كاميرون، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، وقد كان التأييد البريطاني لفرنسا كاملاً وقاطعاً بأن بريطانيا سوف تشارك فرنسا ضرباتها العسكرية ضد تنظيم الدولة في سوريا، وهذا تأكيد على موافقة الدول الأوروبية الرئيسة للسياسة الفرنسية التي دخلت الحرب على تنظيم الدولة في سوريا.

هذا التدخل الفرنسي الكبير لن يكون ضد الدولة الإسلامية داعش فقط، وإنما ضد التدخل الروسي في سوريا أيضاً، فالهدف من التفجيرات في باريس ليس دخول فرنسا الحرب ضد الدولة الإسلامية؛ لأنها جزء من التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية الذي تقوده أمريكا، بل كانت باريس هي عاصمة إعلان التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية بتاريخ 5 أيلول/سبتمبر 2014، ولكنها أي الحكومة الفرنسية تريد منع روسيا من إنهاء نفوذها في سوريا ولبنان، بل إن فرنسا تواقة لإنهاء دور بشار الأسد الذي عارض نفوذها مراراً منذ استلامه السلطة عام 2000، فالسياسة الفرنسية أخذت بتبني الثورة السورية أكثر منذ التدخل الروسي، وأخذت تهيىء نفسها لمحاربتها روسيا بأيدي المعارضة السورية والجيش السوري الحر، الذين انتظروا هذا الدعم النوعي العسكري كثيراً دون أن يجدوا جواباً من قبل.

روسيا تدرك الاستعدادات الفرنسية للمواجهة معها في سوريا؛ لأنها تحاول أخذ منطقة نفوذها منها، وتحاول أن تخفي هذا الصراع الذي لم يعلن عنه الفرنسيون أنفسهم، ولكن الروس يدركون أن فرنسا وهي تدعم المعارضة السورية المعتدلة والجيش السوري الحر سوف تمنع روسيا من السيطرة على سوريا، وهذا الموقف أعلنته فرنسا مع الدول السبع التي أصدرت أول بيان على الغزو الروسي بتاريخ 2015/10/1، وطالب روسيا بعدم ضرب المعارضة السورية المعتدلة ولا الجيش السوري الحر ، ولكن عدم تجاوب روسيا مع الغرب ومع تركيا والسعودية وقطر التي شاركت في إصدار ذلك البيان، دفع فرنسا إلى اتخاذ قرار دعم الثورة السورية بالأسلحة النوعية التي سبقت تفجيرات باريس بعشرة أيام، ولذلك فإن الصراع الفرنسي الروسي آخذ بالوضوح والزيادة يوماً بعد يوم.

روسيا تحاول إخفاء هذا الصراع مع فرنسا على النفوذ في سوريا ولبنان، والرئيس الروسي بوتين وجه أوامره للسفن الحربية الروسية في البحر المتوسط بالتنسيق مع البارجة الفرنسية “ديغول” بعد إعلان الرئيس الفرنسي توجهها إلى المشاركة في الحرب على سوريا، ولو باسم حربها ضد “الدولة الإسلامية” داعش؛ لأن روسيا لا تستطيع الدخول في حرب مع فرنسا خارج حدودها، والشعب الروسي لا يمكن أن يوافق أو يؤيد حرباً روسية ضد أوروبا، بل كان سقوط الاتحاد السوفيتي لأنه لم يستطع إقناع الشعب الروسي بنموذج الحياة الاشتراكية مقابل نموذج الحياة الغربية، فالشعب الروسي لا ولن يوافق على حرب ضد فرنسا، ولا ضد أوروبا، ولو حصلت مثل هذه الحروب فإنها لن تجد تأييد الشعب الروسي ولا الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية.

تركيا تدرك أن الصراع الفرنسي الروسي هو لصالحها؛ لأن التدخل الروسي في سوريا ضد الرؤية التركية، وتركيا ضد تأهيل بشار الأسد، وضد أن يكون الحل في سوريا على الطريقة الروسية، ولذلك فإن تركيا استنكرت التدخل الروسي، ونددت كثيراً بالقتل الروسي للشعب السوري، بل إن أردوغان اعتبر الوجود الروسي وجوداً احتلالياً، وقال: إن الشعب السوري يخوض الآن حرب تحرير من الاحتلال وليس إسقاط دكتاتور فقط، وذلك بعد التدخل الروسي بأيام.

وقد قامت السياسة التركية بتنسيق مواقفها قبل مؤتمر فيينا مع فرنسا ومع السعودية وقطر وفصائل المعارضة السورية المعتدلة، ورفضت الحل الروسي تحت تهديد السلاح، فكانت السياسة التركية صريحة وواضحة ضد السياسة والتدخل والغزو الروسي في سوريا، وكثيراً ما حذرت روسيا بعدم انتهاك أراضيها، وقد أعلمت الخارجية التركية روسيا قبل أيام بأن قواعد الاشتباك التي سوف تتعامل بها مع الانتهاكات الروسية للأراضي التركية قد تغيرت، وأصدر رئيس الوزراء التركي بلاغاً للقادة العسكريين باتخاذ التدابير اللازمة فوراً على الحدود السورية بما يتوجبه الموقف، وكان ذلك يوم 2015/11/23، وقد نفذت الطائرات التركية هذا التحذير التركي في اليوم التالي مباشرة فأسقطت الطائرة الروسية من نوع سوخوي 24، بعد انتهاكها للأجواء التركية يوم 2015/11/24، وقد قامت الطائرات التركية من نوع ف16 بتحذير الطائرة الروسية لعشر مرات خلال خمس دقائق، لمغادرة الأراضي التركية، ولكن زمن خمسة دقائق مع طائرة حربية مثل سوخوي 24 يعتبر زمناً طويلاً، يتيح للطائرات التركية إسقاطها وفق القانون الدولي المتعلق بهذا الشأن.

لذلك ينبغي على السياسة الروسية أن تدرك أنها أخطأت طريقها في التدخل االعسكري في سوريا، وأن تدرك أن أمريكا قد خدعتها عندما فتحت لها الباب السوري، لأن أمريكا تريد توريط روسيا في سوريا، وقد فعلت ذلك بالقيادة الإيرانية الطائفية لابتزازها في سوريا وقد نجحت أمريكا في ذلك، حتى أدركت إيران خطأها وطالبت روسيا بمشاركتها في الحرب في سوريا، ولذلك فإن روسيا كانت مخطئة أيضاً في قبولها الدعوة الإيرانية للتدخل في سوريا، لأن الإيرانيين دعوها إلى حيث لم يستطيعوا هم القضاء على الثورة السورية، ولذلك فإن روسيا مطالبة بمحاسبة الإيرانيين الذين خدعوها مع الأمريكيين للتورط العسكري في سوريا.

إن تركيا غير معنية بالتدخل العسكري في سوريا، ولا محاربة روسيا على الأراضي السورية، لأن هذا شأن المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولكن من حق تركيا أن تمنع أي انتهاك لحدودها وأمنها بغض النظر عن الجهة التي تهدد الحدود التركية، فإسقاط الطائرة الروسية ليست ضربة في الظهر لبوتين ولا لروسيا وإنما هو موقف مبدئي ضد كل من يعتدي على الحدود التركية، فإسقاط الطائرة الروسية تم بعد إنذار متكرر لهذه الطائرة وغيرها من الطائرات من قبل، وصدرت الإعلانات التركية والبيانات العسكرية التركية السابقة تنذر الروس من انتهاك الحدود التركية عشرات المرات من قبل، ولذلك فإن على الرئيس الروسي الإجابة عن سؤال: لماذا لم تسمع القيادة الروسية والطائرات الروسية لهذه التحذيرات التركية المتكررة؟

إن إصرار الطائرات الروسية على انتهاك الحدود التركية هو دليل على أن في مهمات هذه الطائرات ما فيه تهديد للأمن القومي التركي، فبحسب بيان الرئيس الروسي في اجتماعه مع ملك الأردن اعترف الرئيس الروسي بأن الطائرة الروسية عندما أسقطت كانت على بعد كيلومتر واحد عن الحدود التركية، وهذا الكيلومتر الواحد مخالف لقواعد الاشتباك الدولية، التي تسمح باستهداف الطائرة الحربية بعد تحذيرها على بعد خمس (5) كم، هذا على فرض صحة قول بوتين، في حين أن بيان قيادة الأركان التركية يثبت دخول الطائرة الروسية الحدود التركية، وأنها بمثابة طائرة معتدية بعد كل التحذيرات السابقة لمدة خمسين يوماً متواصلة.

إن طلب تركيا اجتماعاً طارئاً لحلف الناتو بعد إسقاط الطائرة الروسية المعتدية على الحدود التركية ليس لأن تركيا تريد توظيف الناتو لدعم تركيا فقط، وإنما لإرسال رسالة إلى روسيا بأن الحدود التركية لها من يدافع عنها، وليست مثل الحدود السورية حيث استغلت روسيا أكذوبة حربها على الإرهاب لتوسيع نفوذها، وبناء أمجاد قيصر يعاني من فشل الاقتصاد الروسي في الداخل، ويظن أنه باعتماده على المرتزقة الإيرانيين يستطيع صناعة إمبراطورية روسية بجنود طائفيين على الأرض وسيطرة روسية على الجو، فالسيطرة على الأرض السورية لجنود مرتزقة إيرانيين طائفين هو أمر مستحيل، والسيطرة على الأجواء السورية لطائرات تائهة روسية أمر مستحيل أيضاً، والصعوبة الحقيقية القادمة على الطائرات الروسية إذا نفذت فرنسا وعودها للشعب السوري بالأسلحة النوعية، فسوريا ليست أرضاً مستباحة للاستعمار القديم ولا للجديد.

إن اتهام بوتين لتركيا بدعمها للإرهاب في لحظة انفعال على إسقاط الطائرة الروسية يفضحه التعاون العسكري الروسي مع تنظيم داعش، فالطائرات الروسية تغطي العمليات العسكرية البرية لقوات داعش وهي تهاجم مواقع المعارضة السورية ومواقع الجيش السوري الحر، فهذا وحده يؤكد أن روسيا بوتين وجيشها يقومان بحرب مشتركة مع داعش ضد الشعب السوري، وأما عمليات القصف الجوي الروسي التي استهدفت مواقع وهمية لداعش فهي لا تربو على 10% من مجموع الطلعات الجوية التي قام بها الجيش الروسي في سوريا، فهل هناك بعد ذلك أدلة على تعاون بوتين مع تنظيم داعش!!

إن إسقاط الطائرة الروسية درس حقيقي لبوتين للتراجع عن سياسة الاحتلال الخارجي، وعلى روسيا أن تدرك أن أمريكا وأوروبا تنصب لها المصيدة في سوريا، حيث رفضت الكنائس المسيحية الشرقية والغربية الحرب بينهما على الأرض الأوكرانية.

محمد زاهد جول

موقع الخليج أونلاين