رفض قانون انتخابي يكرس هيمنة أحزاب السلطة في العراق

رفض قانون انتخابي يكرس هيمنة أحزاب السلطة في العراق

اندلع جدل واسع وخلافات بين القوى السياسية والاجتماعية العراقية، في أعقاب مناقشة البرلمان مشروع تعديل قانون الانتخابات التشريعية ومجالس المحافظات الذي تصر عليه قوى «الإطار التنسيقي» ويهدف إلى استمرار الهيمنة على السلطة والبرلمان، وسط رفض قوى التغيير من النواب المستقلين ونواب تشرين والتيار الصدري، لهذا التعديل الذي يعد إجهاضا لإنجازات حراك تشرين الإصلاحي.

وتسعى قوى الإطار التنسيقي (الشيعية) التي تمثل أغلبية أحزاب السلطة، بقوة وإصرار، لتمرير تعديلات على قانون الانتخابات تضمن لها تحقيق الأغلبية في أي انتخابات مقبلة، حتى ولو كانت مشاركة الشعب ضعيفة جدا، وذلك للتعويض عن خسارتها في الانتخابات الأخيرة معظم مقاعدها لصالح القوى المستقلة ونواب حراك تشرين والتيار الصدري، وما نتج عنه من أزمات دستورية وخلافات سياسية وصلت عام 2022 إلى حد الصدام بين الفصائل المسلحة في قلب المنطقة الخضراء أعقبه انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية وهيمنة قوى الإطار عليها.
وفي أعقاب أنهاء البرلمان العراقي، القراءة الأولى لمشروع قانون انتخابات مجالس المحافظات، الذي يُراد أيضاً استخدامه في الانتخابات التشريعية، ظهر واضحا ان مشروع القانون الجديد، تهدف قوى الإطار من خلاله، للعودة إلى النظام الانتخابي القديم «سانت ليغو» الذي كان إلغاؤه أحد أبرز منجزات التظاهرات الشعبية في العراق في تشرين الأول/اكتوبر 2019 وما ترتب عليها من خسارة أغلب أحزاب وفصائل الإطار التنسيقي الشيعي وصعود قوى التغيير والمستقلين وحركة تشرين في الانتخابات الأخيرة. وتعتمد آلية «سانت ليغو» في توزيع أصوات الناخبين، وفق القاسم الانتخابي 1.9 الذي يجعل حظوظ الكيانات السياسية الكبيرة تتصاعد على حساب المرشحين الأفراد (المستقلين والمدنيين) وكذلك الكيانات الناشئة والصغيرة.

حملة رفض وطنية

وقد أعربت قوى سياسية عديدة، عن رفضها لانفراد أحزاب السلطة بتعديل قانون الانتخابات في البلاد، داعية إلى إشراك جميع الأحزاب والقوى السياسية العراقية في صياغة قانون جديد للانتخابات.
وفي هذا السياق أعلن نواب 14 حزبا وكيانا سياسيا، في مؤتمر صحافي مشترك في مبنى البرلمان معارضتهم للقانون المقترح، وعزمهم على تشكيل تحالف سياسي معارض للطبقة السياسية المهيمنة على السلطة في العراق منذ عام 2003.
وفي المؤتمر الصحافي، دعت تلك الأحزاب في بيان صادر عنها، إلى إشراك جميع الأحزاب، في صياغة قانون الانتخابات، مع التشديد على أن يتصف بالإنصاف، وتكافؤ الفرص، وإعادة ثقة المواطن بالعملية الانتخابية، وان لا يتحيز للأحزاب والتيارات السياسية التي تحكم البلاد، كما طالبوا أيضا بتعديل قانون مفوضية الانتخابات واستبدال إدارتها الحالية.
ودعا البيان إلى ضرورة تفعيل وتطبيق قانون الانتخابات (المعطل) رقم 36 لسنة 2015 قبل الشروع بالانتخابات المبكرة لمنع استخدام المال السياسي والاستغلال الوظيفي والإعلامي، والتهديدات المسلحة، وفق ما ينص عليه قانون الأحزاب النافذ، مؤكدا «إن هذه الأحزاب الـ14 سيكون لها موقف رافض لأي قانون يُسن بعيدا عن الأحزاب المسجلة غير الممثلة برلمانيا» ومحذرا من أن ذلك يؤدي إلى مزيد من الاحتقان والغليان السياسي والشعبي في العراق الرافض لتكرار الوجوه الكالحة والأحزاب الفاسدة.
وتعهدت الحكومة العراقية في برنامجها، إجراء بعض التعديلات على قانون الانتخابات الحالي الذي جرت بموجبه الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وتنظيم انتخابات مجالس المحافظات نهاية العام الحالي.

معارضون للتعديلات

وللاطلاع على مواقف القوى السياسية المختلفة من تعديلات قانون الانتخابات أجرت «القدس العربي» حوارا مع بعض النواب والقيادات السياسية.
النائب عن «حركة امتداد» (التشرينية) أحمد مجيد متعب الشرماني تحدث لـ «القدس العربي» قائلا: «في البدء نحن كحركة امتداد، طالبنا قبل المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2018 بإلغاء مجالس المحافظات وفق السياقات القانونية والدستورية، كونها كانت مجالس للابتزاز والاستثمارات والمساومة ولم تقدم شيئا على المستوى الخدمي والإداري للمواطن العراقي، ولكن لصعوبة إلغاء هذه المجالس نيابيا وكوننا لا نملك الأغلبية، ولأن الدستور العراقي جامد، فعلى الأقل نسعى لعدم تمرير آلية قانون سانت ليغو سيء الصيت، الذي استغلته الأحزاب الحاكمة في الدورات الانتخابية السابقة، لتشديد قبضتها وتعزيز سطوتها وتكريس سيطرتها على القرار السياسي العراقي. وهذا الأمر خلق سخطا شعبيا كبيرا وخطيرا وصل إلى حد اندلاع ثورة عارمة عام 2019 سقط فيها الآلاف من الشهداء والجرحى، وغيرت مجرى التاريخ في العراق». مشددا على ان «أولى ثمار ذلك التغيير كان إلغاء قانون الانتخابات الفردي متعدد الدوائر ونظام سانت ليغو. لذا وبعد كل التضحيات التي قدمها شعبنا رفضا للقانون ومخرجاته، فلن نقبل أبدا بإعادته مجددا، وسيكون لنا موقفا موحدا ككتل ناشئة وحركات فتية ومستقلين تجاهه».
أما القيادي في الحزب الشيوعي جاسم الحلفي، فإنه أكد لـ«القدس العربي» انه «لا يوجد دليل أبلغ على تمسك طغمة الحكم بالسلطة، من لجوئها إلى تغيير قانون الانتخابات قبل كل عملية انتخابية، وذلك لضمان هيمنتها على السلطة، وان عدم ثبات قانون الانتخابات هو مؤشر على عدم استقرار النظام السياسي كما يطبع مزاج المشاركة بالانتخابات باللا جدوى، خاصة حينما نشهد ان مخارج الانتخابات هو تدوير الالغارشية (حكم الأقلية) في السلطة، وترسيخ المحاصصة لحفظ توازن القوى بين المتنفذين، مع ضمان لا غالب بينهم ولا مغلوب، خاصة بعد إقصاء الفائز الأكبر، القائمة الصدرية من الصدارة في انتخابات 2018 كما حصل مع استبعاد القائمة العراقية من تشكيل الحكومة رغم تصدرها نتائج الانتخابات عام 2010».
وأضاف الحلفي، «لم يكن تغيير القوانين وفقا لمصالح المتنفذين عيب العملية الانتخابية الوحيد، فقد رافقت جميعها انتهاكات وتزوير وشراء الأصوات وبذخ المال السياسي والشحن الطائفي، فيما لم تسلم نتائجها من طعون حتى المتنفذين أنفسهم، وهكذا غدت الانتخابات لا معنى لها، بل وكأن هدفها في أحسن الأحوال هو حساب متغيرات نسب القوى المتنفذة في السلطة، كمعيار نسبي لتقسيم المغانم وفق منهج المحاصصة».
وقال «يبدو ان الهدف الأكبر من ذلك هو صناعة الإحباط من الديمقراطية التي لم تكن يوما هدفا في مناهجهم، إذ لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وطغمة الحكم في العراق تسعى لإضفاء الديمقراطية على نظام حكمهم بمجرد إجراء الانتخابات الصورية، حيث المتنفذ هو من يشرع قانونها ويديرها أتباعه، المهم ان تسفر المسرحية المملة في النهاية، على تزيين صورته وتضفي الشرعية على حكمه».
وختم حديثه، «ان تشريع قانون انتخابي لا تسهم فيه قوى المعارضة الحقيقية، قوى الإصلاح والتغيير، هو ليس تشويها للانتخابات وحرفا لهدفها كآلية لحساب توازن القوى السياسية بمعيار عادل ومنصف وحسب، بل هو اعتداء على الديمقراطية وقيمها، ما يتطلب من قوى التغيير التصدي لحكم الأقلية، وان تتحلى باليقظة والاستعداد لطرح مسودة قانون انتخابي يحقق العدالة والانصاف والنزاهة بعيدا عن المال السياسي والأذرع المسلحة».
وحول موقف المكونات ذكر النائب عن كركوك غريب عسكر، لـ«القدس العربي» انه «رغم اتفاق الكتل السياسية المشكلة لحكومة محمد السوداني، على تعديل قانون الانتخابات، فإن الخلافات السياسية حول صيغة القانون قائمة إلى الآن. فهناك رأي يريد الذهاب إلى الدوائر المتعددة ورأي يريد الدائرة الواحدة، إضافة إلى الخلاف حول اعتماد صيغة سانت ليغو، التي يرفضها المستقلون». وأضاف النائب «بالنسبة للمكون التركماني الذي أمثله في مجلس النواب، فنحن نرى أيضا كتركمان ضرورة اقرار قانون يراعي حقوق المكونات كافة، ولا يتحقق ذلك إلا بالتمثيل العادل للمكون التركماني. ولكوني نائبا عن كركوك المتعددة القوميات، وهي محافظة لها خصوصية تستوجب التوافق والتوازن في المناصب، فالحل الأمثل حسب قناعتي والذي تتفق معه أغلب القوى السياسية، هو ان يكون توزيع مقاعد مدينة كركوك بين مكوناته الثلاثة بالتساوي، ولدورة انتخابية واحدة، أي يكون أربعة مقاعد لكل من التركمان والعرب والكرد، على ان يمنح مقعد الكوتا للأخوة المسيحيين في كركوك».

موقف التيار الصدري

ووسط هذه المعمعة، يلاحظ المراقبون أن التيار الصدري الذي حقق التقدم في الانتخابات الأخيرة، وانسحب لاحقا من العملية السياسية، لم يعلن حتى الآن، موقفا رسميا من التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات، عدا تسريبات من بعض الصدريين، أشاروا إلى رفض التعديلات المقترحة، واحتمال إنهاء زعيم التيار الصدري عزلته السياسية وتحريك أنصاره للتصدي للتعديلات الجديدة التي تقف ضد مصالح الشعب.
وكشفت مصادر في التيار الصدري عن محاولات أجرتها بعض قيادات تحالف «الإطار التنسيقي» للاتصال مع زعيم التيار الصدري لإقناعه بالتعديلات المقترحة في قانون الانتخابات الجديد، مؤكدين «ان مقتدى الصدر سبق ورفض أغلب التعديلات المقترحة، مفضلا بقاء القانون الحالي وفق الدوائر المتعددة في كل محافظة». فيما يرى مراقبون أن «إصرار قوى الإطار، على تشريع قانون يخالف توجهات الصدريين وكذلك التشرينيين وقوى التغيير، قد يدفع إلى حراك شعبي لمنع تغيير القانون».
وقد توقع النائب المخضرم محمود المشهداني في لقاء تلفزيوني، عدم مشاركة التيار الصدري في الانتخابات المحلية المقبلة إذا جرت وفق قانون ليغو الذي يصر عليه الإطار، مشيرا إلى «ان الصدر قد يبقى في المعارضة ولا يشارك في العملية السياسية مكتفيا بوجوده المؤثر جماهيريا».

موقف قوى التغيير والمنظمات

وإضافة إلى الأحزاب المستقلة والتيار الصدري، اتسعت دائرة الرفض لقانون الانتخابات «المعدل» حيث أبدت منظمات مجتمع مدني وقانونيون، رفضهم للقانون، محذرين من خطورة المضي بتشريعه.
وعقدت مجموعة من منظمات المجتمع المدني وقوى التغيير الديمقراطية وكتلة وطن النيابية، اجتماعا موسعا في بغداد، من أجل مناقشة السياقات القانونية التي حصلت خلالها القراءة الأولى لمسودة تعديل قانون انتخابات مجالس المحافظات والتي تضمنت ممارسات «لا تنسجم والمبادئ الديمقراطية» وذلك وفق بيان صدر عنها. مؤكدين «ان العودة إلى سانت ليغو، هدفه التحايل على إرادة الشعب، وإبقاء هيمنة قوى السلطة التقليدية التي أثبتت هشاشتها بانتخابات 2022».
وأكد بيان قوى التغيير والديمقراطية والجماعات المتحالفة معها «أن القوى المجتمعة اتخذت قرارا حول ضرورة تشكيل جبهة موحدة تضم كل القوى المؤمنة بالقيم الديمقراطية، تتولى على عاتقها تقديم مسودة تعديلات لقانون انتخابات مجالس المحافظات، بعد إشراك طيف واسع من الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والاتحادات والنقابات، والرأي العام، بما يلبي تطلعاتهم».
وأكدت أن «تمرير القوانين ذات الصلة بالانتخابات والحريات المدنية والسياسية، لا ينبغي أن يمرَّ من دون مشاركة حقيقية للقوى المدنية في صناعة القرار». ورأت أن مسودة التعديل «تتضمن فقرات قانونية خطيرة من شأنها أن تقوّض الديمقراطية، والمشاركة في الانتخابات، وعدالة التنافس، ونزاهة العملية الانتخابية». ويقول رئيس حزب البيت الوطني المعارض، حسين الغرابي، إنه «لا يمكن أن يخضع سن قانون جديد للانتخابات، من قبل القوى الخاسرة في الانتخابات الأخيرة وأقصد الإطار التنسيقي». وأوضح الغرابي، في تصريح صحافي «أن العملية السياسية في العراق فقدت شرعيتها عندما اشترك 20 في المئة من العراقيين فيها ومن ثم انسحبت الكتلة الفائزة الأكبر (التيار الصدري) وعندها فقدت هذه العملية السياسية شرعيتها الشعبية».
وسبق للجنة القانونية في البرلمان العراقي ان أعلنت، يوم 14 من شباط/ فبراير الحالي، تحفظها على قانون الانتخابات «المعدل» مشددة على ضرورة الفصل بين قانون انتخابات مجالس المحافظات والانتخابات النيابية العامة.
يذكر أنه منذ عام 2003 خضع إصدار جميع القوانين أو التعديلات عليها في العراق، إلى مصالح ومنهاج الكتل والأحزاب السياسية المتنفذة، في البرلمان والحكومة، ونادرا ما يتم الاستعانة بآراء المختصين في المجالات الدستورية والقانونية، في إعداد تلك القوانين. مع اتفاق الجميع على ان إعادة اعتماد نظام سانت ليغو والدائرة الانتخابية الواحدة، هدفه إقصاء القوى المعارضة (قوى التغيير الناشئة والمستقلين) من البرلمان. وهو ما يعني عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل تظاهرات تشرين، التي كان إلغاء قانون ليغو أحد أبرز المكاسب العملية القليلة لها، حيث أدى إلى تخفيف الاحتقان، كما مكن القوى المدنية والمستقلين، من الحصول على 47 مقعداً في البرلمان الحالي، فيما يراقب العراقيون نتائج صراع الإرادات الحالي بين دعاة التغيير والإصلاح وبين أحزاب السلطة.

القدس العربي