هل يمهد الاتفاق السعودي – الإيراني لشرق أوسط جديد؟

هل يمهد الاتفاق السعودي – الإيراني لشرق أوسط جديد؟

أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الانفراج في العلاقات بين السعودية وإيران والمتحقق بوساطة صينية إنما يسرع “إعادة التموضع الإستراتيجي” الذي يشهده الشرق الأوسط، إذ تنحسر المنافسات التي نشأت خلال الربيع العربي مع سعي قوى من خارج المنطقة إلى اكتساب نفوذ فيها إلى جانب الولايات المتحدة.

وأضافت الصحيفة أن “إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، وفق إعلان صدر الجمعة الماضي في بكين بعد سنوات من العداء بين العاصمتين، إنما يعكس واقعاً جديداً وهو أنه مع انشغال واشنطن المتزايد في أوكرانيا وآسيا تحاول المنطقة تجاوز انقساماتها القديمة وحل النزاعات وتخفيف التوترات”.

ولفتت الصحيفة إلى أن تركيا بدورها تقوم بتطبيع علاقاتها مع الرياض، وأن قطر قامت “برأب الصدع” مع البلدان الخليجية، وكذلك تقوم إسرائيل “بتعميق” علاقاتها العربية، وأن حكومات عربية رئيسة تعاود التواصل مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد. “ويحصل كثير من هذه المصالحات في غياب مشاركة أميركية في تناقض حاد مع مجريات العقود الأخيرة، فواشنطن إذ أضرت بها حرباها في العراق وأفغانستان، تنسحب من دورها المهيمن في المنطقة وتولد شكوكاً لدى حلفائها القدامى في ضماناتها الأمنية”.

وأشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن الحاجة الروسية إلى السلاح لحربها في أوكرانيا عمق علاقاتها العسكرية مع إيران، في حين برزت الصين كأكثر البلدان استيراداً للنفط مما يجعل لها مصلحة في طلب الاستقرار في الشرق الأوسط حيث تكثر النزاعات”.

أما الصين فترى الصحيفة أنه وبعد سنوات من أداء دور البلد المستهلك للنفط المقترن بالابتعاد من نزاعات المنطقة، ها هي عازمة اليوم على إظهار أن ما تقدمه مختلف مقارنة بالولايات المتحدة، وهو القدرة على التحدث إلى الأطراف جميعها، فهي بعكس الولايات المتحدة التي لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إيران، تربطها علاقات دبلوماسية واقتصادية وثيقة مع كل من الرياض وطهران، فهي أكبر شريك تجاري لإيران ومن المشترين البارزين للنفط السعودي، مما يعطيها حظوة لدى الطرفين”.

وقال سنام وكيل، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى “تشاتام هاوس” المؤسسة البحثية اللندنية، للصحيفة “لا تملك الصين القدرة على أداء دور أمني أكبر في المنطقة”، لكن وساطتها في الاتفاق السعودي – الإيراني “ينذر بقدرتها المحتملة على أن تكون بديلاً لواشنطن”.

ونقلت المقالة عن محللين لم تسمهم قولهم إن الصين تخشى بشكل متزايد محاولات واشنطن لعزلها، مما يفاقم مخاوفها القديمة في شأن الوصول إلى مصادر الطاقة، وهذا ما يدفعها إلى أداء دور أكثر نشاطاً في الشرق الأوسط.

وبحسب الصحيفة الأميركية فإن إيران ترى في الصين قوة خارجية تساعدها في التخفيف من مشكلاتها الاقتصادية واضطراباتها الداخلية، ويشكل اتفاقها مع السعودية عاملاً إضافياً ينظر فيه حكامها قبل أن يقرروا إن كانوا سيصنعون أسلحة نووية، أما السعودية فتريد التخلص من التهديد الإيراني لكي تتفرغ لتطبيق خططها الخاصة بالتنويع الاقتصادي بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين لم تسمهم ترحيبهم بالاتفاق بوصفه “تطوراً إيجابياً” قد يسهم في تحقيق هدف واشنطن المتمثل في منع إيران من صنع أسلحة نووية، ولم يبدوا قلقاً من تنامي الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط. المسؤولون أشاروا أيضاً إلى أن الدور الأميركي في المنطقة لن يتراجع، مشيرين إلى إعلان صندوق الاستثمارات العامة، وهو الصندوق السيادي السعودي، عزمه شراء طائرات من طراز “بوينغ” لمصلحة شركة خطوط جوية سعودية جديدة. وقال محللون لم تسمهم الصحيفة أيضاً أنه وعلى رغم تراجع الحضور العسكري الأميركي في المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلا أن دوره يبقى أكبر من أي نفوذ قد تمتلكه الصين.

وقال تشونغ جا إيان، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة سنغافورة الوطنية، للصحيفة “تدرك بكين أن عليها الإسراع في إيجاد خطة لمواجهة ما تعتبره محاولات احتوائها، وإن كان ما يحدث هو احتواء فعلاً فقد لا تتمكن بكين من الثقة في المرحلة المقبلة بالنموذج المعتمد والذي تتكل فيه على الولايات المتحدة للحفاظ على استقرار الشرق الأوسط”.

ولفتت “وول ستريت جورنال” إلى أن الرئيس الصيني شي جينبينغ تمكن من الفوز بولاية ثالثة غير مسبوقة في بلاده على رأس الدولة، بعدما صوت أكثر من 2900 مشرع بالإجماع على إعادة تعيينه، كما أنه لم يزر إيران حين جال في الخليج في ديسمبر (كانون الأول) الماضي مما أثار امتعاض المسؤولين في طهران.

وعن القمة الصينية – الخليجية في الرياض صدر بيان حض إيران على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتفاوض مع دولة الإمارات العربية المتحدة في شأن الجزر الثلاث، لكن شي ما لبث أن استضاف الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في بكين الشهر الماضي مما عزز العلاقات بين البلدين ومهد الطريق أمام الوساطة الصينية التي أفضت إلى الاتفاق السعودي – الإيراني.

ووفق الصحيفة، يتناقض دور الصين السري الذي مهد للاتفاق مع دورها العلني في أوكرانيا، فقبل شهر أصدرت ورقة من 12 نقطة قدمتها بوصفها مبادرة لوقف إطلاق النار هناك والتمهيد لمحادثات، لكن مسؤولين أميركيين وأوروبيين انتقدوا الورقة واصفين إياها بأنها أقرب مما ينبغي إلى الموقف الروسي بما لا يجعلها منطلقاً مناسباً للتفاوض، وكان وزير الخارجية الصيني تشين غانغ حذر خلال مؤتمر صحافي في بكين، قبل إعلان إبرام الاتفاق السعودي -الإيراني، الولايات المتحدة من أن نهجها إزاء بلاده يهدد بالصدام والنزاع، لكنه قدم بلاده بوصفها عاملاً دبلوماسياً إيجابياً في الشرق الأوسط، وقال “ستواصل الصين تأييد العدل ودعم بلدان المنطقة في السعي إلى تسوية سياسية للمسائل الساخنة من خلال الحوار والتشاور، وتحترم الصين تماماً بلدان الشرق الأوسط بوصفها سيدة شؤونها، ولا ننوي ملء ما يسمى فراغاً ولن نبني دوائر حصرية”.

اندبندت عربي