مجموعة السبعة وبلدان الربيع العربي: شراكة أم مُخاتلة استراتيجية؟

مجموعة السبعة وبلدان الربيع العربي: شراكة أم مُخاتلة استراتيجية؟

20151291147137734_19

ملخص:
أخذت مجموعة البلدان السبعة الأكثر تصنيعًا G7 (الثمانية إذا اعتبرنا روسيا) على عاتقها سلسلة من التعهدات لدعم موجة الربيع العربي على الصعيدين السياسي والاقتصادي. كان ذلك في ختام القمة التي عقدتها في دوفيل بفرنسا في 26-27 مايو/أيار 2011، وهي التعهدات التي باتت تُعرف بـ”شراكة دوفيل”. واحتفت القمة بالثورتين التونسية والمصرية، بعدما كانت غالبية دول المجموعة مناهضة، أو في الأقل متحفظة إزاء الثورات العربية. لكن بعد مرور أكثر من أربع سنوات على إطلاق تلك الشراكة لم تُنفَّذ غالبية التعهدات، بما فيها إعادة الأموال التي هرَّبها الحُكَّام المعزولون إلى الخارج ودعم الإصلاحات الاقتصادية. ويُعزى تخلي السبعة عن تلك التعهدات إلى سببين رئيسين، هما: انتكاس تجارب الانتقال الديمقراطي في معظم البلاد العربية وانشغال البلدان المُصنِّعة نفسها بـ”الحرب على الإرهاب”، التي جعلت الاعتبارات الأمنية تتقدم على الالتزام بدعم الديمقراطية في العالم العربي. كما أن مواقف السبعة من الربيع العربي كانت مختلفة باختلاف مصالح كل دولة في المنطقة العربية.

وقامت الرئاسة الحالية (الألمانية) للمجموعة مؤخرًا بمبادرة لجمع ممثلين من المجتمع المدني العربي من أجل إحياء شراكة دوفيل، إلا أن النتائج أتت هزيلة؛ مما يطرح سؤالًا جوهريًّا عمَّا إذا كان الالتزام بدعم الديمقراطية في العالم العربي نابعًا من رؤية استراتيجية أم هو مُخاتلة وتمويه يُخفيان اعتبارات مصلحية بحت.

مقدمة

مجموعة السبعة G7 (أو الثمانية إذا أضفنا لها روسيا) هي إطار غير رسمي للحوار في شأن التعاون السياسي والاقتصادي، بين الدول السبع الأكثر تصنيعًا في العالم، وهي: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة وكندا. وتعقد دول المجموعة قممًا سنوية تلعب فيها الدولة المضيفة دورًا أساسيًّا في تحديد فحوى اللقاءات؛ إذ لا توجد سكرتارية، كما ليس من تقاليد المجموعة اتخاذ قرارات رسمية، وإنما تتولى الرئاسةُ الدوريةُ متابعةَ ما يُتفق عليه. وربما كان الاستثناء الوحيد هو اجتماع وزراء خارجية دول المجموعة في مارس/آذار 2011 الذي اتخذ قرار التدخل العسكري في ليبيا للإطاحة بنظام معمر القذافي. وفي السنوات التالية لقمة دوفيل أُدرجت في جدول الأعمال أربع قضايا جديدة هي مُجريات الربيع العربي ومسائل الطاقة والصحة والأمن الغذائي(1).

وتنبغي الإشارة هُنا إلى أن الاتحاد الروسي صار يُشارك في قمم مجموعة السبعة الكبار منذ 1998 إلى أن تقرر تعليق عضويته في العام الماضي (قمة بروكسل) بعد إدانته من الدول السبع الأخرى بانتهاك سيادة أوكرانيا. من هنا، يتضح أن هناك اختلافات كبيرة بين مواقف دول المجموعة من الثورات العربية، فإذا كانت روسيا تبذل كل ما في وسعها لإجهاض الربيع العربي منذ انبلاجه، لأنه يُطيحُ بأصدقائها، وخاصة بشار الأسد ومعمر القذافي، فإن الولايات المتحدة دعمت في البداية موجة الثورات قبل أن تُراجع سياستها في أعقاب مقتل سفيرها في ليبيا بيتر ستيفنس في سبتمبر/أيلول 2012. كما أن بريطانيا فضَّلت التريث فكانت أقل اندفاعًا من فرنسا، التي اعتبرت أن الثورات المُندلعة في ثلاثة بلدان إفريقية تقع ضمن “عُمقها” الاستراتيجي، فيما كان الموقفان الياباني والكندي باهتين. أمَّا ألمانيا فسارعت إلى تعويض غيابها الطويل عن المنطقة بنسج روابط قوية مع مُكوِّنات المجتمع المدني في بلدان الربيع، أحزابًا وجمعياتٍ ونقاباتٍ، مُستعينة بالمؤسسات التابعة للأحزاب الألمانية Foundations. ومن هذا المنطلق دفعت ألمانيا عبر استضافتها قمة السبعة الأخيرة يومي 7 و8 يونيو/حزيران في شلوس إلمو Schloss Elmau إلى معاودة الاهتمام بالحوار مع بلدان الربيع العربي، “سعيًا لتحويله إلى شراكة مُثمرة للطرفين”. وهي تعزو هذا الهاجس إلى “رغبة البلدان السبعة في التقريب بين سياساتها إزاء القضايا الدولية الكبرى، والتنسيق الوثيق بينها لبناء خيارات مشتركة وإيجاد أجوبة على أسئلة المستقبل” بحسب ما جاء في بيان القمة(2). ويُعتبر هذا عودة إلى الأسس التي حاولت الدول الأعضاء أن تصوغ من خلالها رؤية موحدة في قمة دوفيل بفرنسا (26-27 مايو/أيار 2011)، لدى انطلاق الربيع العربي، ارتكزت على ثمانية عشر بندًا يمكن تلخيص أهمها في النقاط التالية(3):

أن التغييرات التاريخية الجارية حاليًا في شمال إفريقيا والشرق الأوسط يمكن أن تُعبِّد الطريق لتحولات مماثلة لتلك التي حدثت في أوروبا الوسطى والشرقية، في أعقاب انهيار جدار برلين، فالشعوب أخذت مصائرها بأيديها في عدد متزايد من بلدان المنطقة، مدفوعة بتطلعها للحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وإيجاد الوظائف والمشاركة والكرامة. وتُشكِّل هذه التطلعات صدى للقيم التي نعتنقها وهي تأتي لتعزيزها.
أن أعضاء مجموعة الثمانية يدعمون بقوة أهداف “الربيع العربي” وكذلك تطلعات الشعب الإيراني؛ “فنحن نُنصتُ إلى أصوات المواطنين ونساند مُطالبتهم بالمساواة وندعم دعوتهم الشرعية لإقامة مجتمعات ديمقراطية ومنفتحة ولتنمية اقتصادية يستفيد منها الجميع، ونُحيِّي بشكل خاص الدور الذي يلعبه الشباب والنساء في حركات التحول تلك”.
بناءً على الأهداف التي نتقاسمها من أجل المستقبل أطلقنا اليوم (27 مايو/أيار 2011) “شراكة دوفيل” مع شعوب شمال إفريقيا والشرق الأوسط بحضور رئيسي الوزراء المصري والتونسي(4)، البلدين اللذين كانا في أصل هذه الحركة، ونحن مُستعدون لفتح هذه الشراكة الشاملة وطويلة الأمد لجميع بلدان المنطقة التي تُباشر تحولًا نحو مجتمع حُرٍّ وديمقراطي ومتسامح، بدءًا بمصر وتونس، في تعاون مع البلدان التي ترغب بدعم التحول في المنطقة.
تنهض هذه الشراكة على دعامتين: مسار سياسي يرمي لدعم التحول الديمقراطي وتشجيع الإصلاحات في مجال الحوكمة، ولاسيما مكافحة الفساد وتعزيز المؤسسات الكفيلة بتأمين الشفافية، وإطار اقتصادي مُلائم لنمو مُستدام يستفيد الجميع من ثماره. وترمي هذه الشراكة لمساعدة البلدان الشريكة على إطلاق الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة، وخاصة من أجل إيجاد فرص للعمل وتكريس دولة القانون، مع ضمان الاستقرار الاقتصادي من أجل إعطاء دفعة للانتقال نحو ديمقراطيات مُستقرة.
ندعو المؤسسات المالية الدولية وأجهزة الأمم المتحدة المعنية، وكذلك القطاع الخاص والمجتمع المدني للعمل معنا في إطار هذه المبادرة.

أ‌- الدعم الاقتصادي

في هذا السياق اتخذ زعماء البلدان الثمانية الكبرى في تلك القمة قرارات مهمة ذات طابع اقتصادي، أبرزها: وضع خطة اقتصادية “تُمكِّن الحكومات الإصلاحية من الاستجابة لتطلعات شعوبها وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتحسين الإدماج الاقتصادي والاجتماعي بتوفير الفرص للجميع”. كما شملت أهداف الخطة “تحديث اقتصادات بلدان الربيع العربي ودعم القطاع الخاص، ولاسيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، من أجل المساهمة في إيجاد فرص العمل وتنمية الموارد البشرية والكفاءات المهنية”، وكذلك “تطوير الاندماج الإقليمي والدولي للاستفادة من ثمار العولمة”. وتجسيدًا لهذا التوجه أقرَّت قمة دوفيل على الأمد القصير تشجيع صندوق النقد الدولي على دعم الإصلاحات الاقتصادية وتحسين المناخ الاستثماري في “بلدان الشراكة” (أي بلدان الربيع العربي)، وطلبت من الصندوق المساهمة في ردم الفجوات في التمويل الخارجي. إلا أنها لم تنتظر أن يتحرك صندوق النقد الدولي، فقرَّرت أن يُوسع البنك الأوروبي للإنشاء والتنمية EBRD مجال عملياته ليشمل بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، من دون انتظار تعديل قانونه الأساسي. ومعلوم أن تأسيس هذا البنك تم لهدف مُحدد يتمثَّل بتقديم الدعم للبلدان الخارجة من عباءة المعسكر الاشتراكي السابق في أوروبا الوسطى والشرقية، من أجل معاودة بناء اقتصاداتها وفقًا لمُقتضيات اقتصاد السوق. أكثر من ذلك قرَّرت قمة دوفيل إنشاء صندوق بالتعاون مع البنك الأوروبي للإنشاء والتنمية لتمويل المسارات الانتقالية في بلدان جنوب المتوسط. كما حضت بنوكَ التنمية المُتعددة الأطراف على تقديم “دعم قوي وسريع ومُنسق للبلدان الشريكة، بما يُساهم في التعويض عن تراجع التدفقات المالية الخارجية (إليها) وتسهيل وُلوجها إلى الأسواق العالمية”(5).

ومن الملاحظ أيضًا أن الولايات المتحدة واليابان أطلقتا بدورهما وعودًا مُشابهة في ختام القمة، الأول بالإعلان عن “مبادرة شاملة للشراكة سيتم إطلاقها في وقت وشيك تخص التجارة والاستثمار في المنطقة”، والثاني بتعهده تشجيع التجارة والاستثمار في البلدان العربية، لكن هذا التعهد عام ولا يخص دول الربيع العربي بالذات.

ب‌- الدعم السياسي

كان ذلك أهم ما تعهدت به قمة دوفيل على صعيد الدعم الاقتصادي لدول الربيع العربي، وهي لم تكتف بتلك التعهدات بل وضعت قائمة بالمبادرات السياسية التي قالت: إنها تعتزم اتخاذها “لمساعدة بلدان منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط على إيجاد الفضاء السياسي اللازم لازدهار الديمقراطية والحرية”. وفي مقدمة تلك التعهدات إشراك المجتمع المدني بشكل كامل في شراكة دوفيل بوصفه الطريقة المثلى لأخذ التغييرات التي حدثت في المنطقة في الاعتبار، واستطرادًا تعزيز الحوار بين مجموعة الثمانية وحكومات المنطقة والمجتمع المدني. كما دعا بيان قمة دوفيل المنظمات الدولية “للعمل مع الأحزاب السياسية وأحزاب المعارضة الناشئة للأخذ بيدها لامتلاك الأدوات التي تُمكِّنها من الاستجابة لتطلعات السكان وتعزيز قدرات صُنَّاع القرار؛ مما يُشكِّل السبيل الأضمن إلى الاستقرار في المنطقة”.

ويمكن أن نستجلي في رؤية الدول المُصنِّعة، خلال ذلك الفصل الأول من الربيع العربي، اهتمامًا خاصًّا بمسائل التربية والتدريب المهني؛ إذ تعهَّدت في البيان الختامي لقمة دوفيل بتنزيل هذه المسائل “منزلة مركزية في نشاطها ببلدان المنطقة”. وأكَّدت أنه “من أجل تأمين وجود أيدٍ عاملة مؤهَّلة تسهم في تحديث اقتصادات شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لابد من معالجة النسب المرتفعة للأمية والبطالة، وخاصة في صفوف الشباب، وتوجيه برامج التدريب المهني الوجهة التي تخدم حاجات سوق العمل”، ووعدت في ذلك السياق بتشجيع حركة الطلاب وتعزيز العلاقات في مجالي التربية والبحث العلمي بين الجامعات في الجانبين. كما تعهدت بتعزيز دعمها “لحرية التعبير وخاصة حرية وسائل الإعلام والولوج إلى الشبكة العنكبوتية، التي تساهم مساهمة أساسية في دمقرطة المجتمعات”.

ج‌- آليات تعاون جديدة

وضعت مجموعة السبعة آليات جديدة للتعاون مع بلدان الربيع العربي، لكنها ظلت في مستوى العناوين الكبرى قبل أن تعْهَد لوزراء المالية في الجانبين ببلورتها وإنضاجها في الاجتماع الذي عقدوه في مرسيليا في سبتمبر/أيلول 2011.

وطلبت القمة من كلٍّ من تونس ومصر تقديم خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تندرج في إطار استراتيجيتيهما التنمويتين بُغية تأمين الدعم اللازم لها، “ولاسيما من خلال خطط العمل المشتركة مع البنوك مُتعددة الأطراف الخاصة بكل بلد”. ولم تغرُب شمس السنة الأولى من الربيع العربي حتى توسعت “شراكة دوفيل” لتشمل خمسة بلدان عربية، هي: ليبيا والأردن والمغرب، بالإضافة لمصر وتونس. كما دُعيت تسعة صناديق وبنوك دولية لحضور فعالياتها، إلى جانب خمسة بلدان وُضعت تحت عنوان “قوى إقليمية”، هي: تركيا والسعودية والكويت وقطر والإمارات.

بهذا المعنى يتضح أن مجموعة السبعة لم تتعهد بتقديم مساعدة إلى أي بلد من بلدان الربيع في الإطار الثنائي، بل وضعت جميع المبادرات الاقتصادية في سلة المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي، البنك الأوروبي، البنك الإفريقي، الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، صندوق الأوبك…) لكي تتولى النظر في خطط الاصلاح الاقتصادي المُعتمدة للموافقة على تمويلها أو اقتراح تعديلها(6). لكن استعراض جدول أعمال القمم اللاحقة وقراراتها يُبين أن تلك التعهدات لم تحظَ بأية متابعة، على الأقل في مستوى اجتماعات القادة، كما أن قضايا العرب بدأت تختفي شيئًا فشيئًا من جدول الأعمال في مقابل بروز موضوع مكافحة الإرهاب، اعتبارًا من حادثة اغتيال السفير الأميركي الأسبق في ليبيا، بيتر ستيفنس، في سبتمبر/أيلول 2012. وإذا ما ضربنا مثلًا بالقمة الأخيرة في شلوس إلمو بألمانيا يتضح من البيان الختامي أن جدول الأعمال ركَّز على أربع مسائل، هي: الاقتصاد الشامل والأمن وتغير المناخ والتنمية. وهذا لا يعني أن القمة لم تتطرق إلى الأوضاع في سوريا والعراق وليبيا لكن من خلال البوابة الأمنية وليس السياسية، فضلًا عن أن الوضع في أوكرانيا هو الذي كان مُهيمنًا على بيان القمة(7).

والمُلاحظ أن زعماء من بلدان جنوب الصحراء دُعوا لحضور القمة الأخيرة في ألمانيا؛ حيث تم البحث في مكافحة الإرهاب من خلال ثلاثة مداخل، هي: دعم الخطط الإصلاحية للبلدان الإفريقية، وتعزيز الأمن والسلام في القارة، وكذلك النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية المُستدامة فيها. لكن لم يُدع أحدٌ للحضور من بلدان الربيع العربي! كما كان لافتًا أن المستشارة الألمانية إنغيلا ميركل اجتمعت بوصفها رئيسة مجموعة السبع مع ممثلي النقابات والباحثين والنساء والمجتمع المدني في البلدان السبعة الأعضاء(8)، لكنها لم تدعُ أحدًا من البلدان العربية.

وربما أرادت الرئاسة الألمانية للمجموعة تدارك هذا الوضع فدعت إلى مؤتمر محورُه “الحوكمة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية: ما الدور الذي تلعبُه الجهات الفاعلة في المجتمع المدني؟”، يومي 18 و19 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بمشاركة وفود من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ومصر والأردن واليمن. كما حضر المؤتمر ممثلون من الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بالإضافة لعدة منظمات غير حكومية. وتركزت المناقشات في المؤتمر، الذي احتضنته مؤسسة “كانديد” الألمانية بالاشتراك مع وزارة الخارجية الألمانية، على استعراض مدى التقدم في تكريس الحوكمة والشفافية وتحرير الاقتصادات العربية من القيود. وتطرقت إلى السياسات الإصلاحية التي انتهجها بعض الدول العربية قبل الربيع العربي وبعده، بهدف الانتقال التدريجي إلى اقتصاد السوق وإتاحة الفرص أمام صغار المستثمرين. لكن القسم الأكبر من هؤلاء لم يشعر أن لتلك الاصلاحات أثرًا إيجابيًّا على مساراتهم. وأوضح بعض الخبراء الذين تحدثوا في المؤتمر أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تحظى بهامش عمل كبير في بلدان الخليج ما لم تتدخل في الأمور السياسية، فيما لا تزال تُواجه عقبات كثيرة في بلدان أخرى، مثل: مصر وتونس والجزائر. وكان أحد المطالب الرئيسة التي ترددت على ألسنة أصحاب المشاريع الشباب هو حاجتهم للمساعدة في اكتساب التكنولوجيا المتقدمة، “فنحن لا ينقصنا المهندسون وإنما الوسائل”. واستدلوا على ذلك بأن مُنفذ العملية الإرهابية في المنطقة السياحية القنطاوي بتونس مهندس شاب، لكنه واحد من الذين لم يجدوا فرصة عمل لائقة. في المقابل رأى قسم آخر من المشاركين أن الدولة هي التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية التنمية، مع ضرورة ضمان الرقابة ومكافحة الفساد والتخفيف من عبء الضرائب، الذي تستخدمه السلطات في بعض البلدان سلاحًا للضغط على معارضيها. واعترف ممثل البنك الدولي بأن غالبية المساعدات التي قدمها البنك لبلدان الربيع العربي آلت إلى جهات حكومية، فيما استُخدم قليل منها لإقامة ورش عمل لإصلاح نظام المعاشات والتأمين الصحي.

الخلاصة

إجمالًا، يمكن القول: إن الحماسة الأولى التي أبداها بعض بلدان مجموعة السبع للربيع العربي سرعان ما فترت، خاصة بعد مقتل السفير الأميركي في ليبيا؛ إذ إن كثيرًا من هذه البلدان لم يُسدِّد الحصة التي التزم بدفعها لـ”صندوق التحول” الذي أنشأته قمة دوفيل في 2011 برأس مال حُدِّد بـ200 مليون دولار لدعم دول الربيع العربي. وليس هذا هو المؤشر الوحيد على تراجع اهتمام السبعة الكبار بإنجاح الربيع العربي؛ إذ يمكن أن نُعدِّد أربعة مؤشرات أخرى على الأقل تؤكِّد، انطلاقًا من “بيان دوفيل”، أن المُخاتلة طغت على الرغبة بمُرافقة التجارب الانتقالية العربية. فقد تعهَّد السبعة (كانوا ثمانية آنذاك باعتبار روسيا) بإعادة الأموال والأملاك المسروقة التي هرَّبها الرئيسان المعزولان، زين العابدين بن علي وحسني مبارك، إلى تونس ومصر، لكن لم يحدث شيء من ذلك إلى اليوم(9).

كما تعهدوا بحضِّ بنوك التنمية الدولية على منح بلدان الربيع العربي 20 مليار دولار، بما في ذلك 3.5 مليارات يورو لتونس ومصر من البنك الأوروبي للاستثمار EIB خلال الفترة من 2011 إلى 2013، “من أجل دعم الإصلاحات اللازمة”، لكن الإصلاحات لم تتقدم. وعلاوة على تلك التعهدات الاقتصادية التي اتضح أن أكثرها حبرٌ على ورق، أخذ السبعة على أنفسهم عهدًا آخر بدعم تجارب الانتقال الديمقراطي سياسيًّا، وخاصة في مجال حرية التعبير، وبالأخص حرية الإعلام والإنترنت “اللتين تُقدمان مساهمة جوهرية في دمقرطة البلدان العربية”.

ربما تكون ضآلة ما تحقق من تلك التعهدات الكثيرة في السنوات العجاف الماضية، هي التي حملت ألمانيا على جمع مندوبين من المجتمع المدني العربي مؤخرًا في مؤتمر “الحوكمة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية” لسماع مآخذهم وانتقاداتهم، فقد تم تجميع الاقتراحات في اليوم الأخير للمؤتمر وسُلِّمت لوزير خارجية ألمانيا الذي تتولى بلاده رئاسة مجموعة السبعة. لكن فرص التجاوب مع تلك الاقتراحات تبدو ضئيلة، ليس فقط بسبب انتكاس تجارب الانتقال الديمقراطي في غالبية بلدان الربيع العربي، وإنما أيضًا بسبب طغيان هاجس محاربة الإرهاب على أجندة السبعة الكبار، وهو ما ظهر بشكل واضح في مخرجات القمة الأخيرة للمجموعة في ألمانيا.
__________________________________
رشيد خشانة – باحث في مركز الجزيرة للدراسات

الهوامش
1- Declaration of the G8 on the Arab Springs
http://www.g8.utoronto.ca/summit/2011deauville/2011-arabsprings-en.html
2- IBID.
3- The Deauville Partnership: Supporting change in the Arab world
http://www.auswaertiges-amt.de/EN/Aussenpolitik/G7/Deauville.html
4- Biot, Bénédicte: Le G8 se penche sur les printemps arabes, Deutsche Welle, 26/5/2011
http://www.dw.com/fr/le-g8-se-penche-sur-les-printemps-arabes/a-15109125
5- Declaration of the G8, Op.cit
6- عزا الأوروبيون هذه الخطوة إلى أملهم بأن يُقدِّم البنك للبلدان العربية التي تمر بتجارب انتقالية “خبرته الفريدة في تطوير القطاع الخاص وتجربته في التحولات الاقتصادية”.
7- Leader’s declaration, G7 summit, Germany, 7-8 June 2015
http://www.consilium.europa.eu/en/meetings/international-summit/2015/06/7-8/
8- Annex to the leaders? declaration, G7 Summit, 7-8 June 2015
https://www.google.com/search?q=Annex+to+the+leaders%CA%BC+declaration%2C+G7+Summit%2C+7-8+June+2015&ie=utf-8&oe=utf-8
9- طبقًا لإحصاءات البنك الدولي تمت إعادة حوالي 5 مليارات فرنك سويسري على مستوى العالم من بينها 1.7 مليار فرنك لسويسرا وحدها، وهي ليست عضوًا في مجموعة السبعة، “قصة سويسرا مع أموال الطغاة لم تنته بعدُ..”، سويس إنفو بتاريخ 18 سبتمبر/أيلول 2015، الرابط:
http://www.swissinfo.ch/ara/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%B3%D8%B1%D8%A7-%D9%85%D8%B9-%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%BA%D8%A7%D8%A9-%D9%84%D9%85-%D8%AA%D9%86%D8%AA%D9%87-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-/41661986