طالبان أيضا لديها خطط لمحاربة الإرهاب

طالبان أيضا لديها خطط لمحاربة الإرهاب

واشنطن – يشعر جيران أفغانستان بقلق متزايد من أن عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان شجعت الجماعات والشبكات الإرهابية التي تستغل البيئة المواتية لإعادة تشكيل صفوفها وتسليحها وتوسيع تجنيدها.

ويقول الخبير في الشأن الأفغاني نيشانك موتواني إن عودة طالبان منحت الراحة للجماعات الإرهابية، ومن الواضح أنها لا ترى مصلحة في التمسك بالمسؤوليات المنصوص عليها في اتفاق الدوحة المبرم في فبراير 2020. ويحوم السؤال الرئيسي الذي يدور بذهن جيران أفغانستان في المنطقة، والمجتمع الدولي على نطاق أوسع، حول مدى موثوقية ضمانات طالبان لمكافحة الإرهاب التي قدمتها للدول الأخرى. ولا تبدو الإجابة مريحة نظرا إلى دعم تحريك طالبان باكستان التي شنت هجمات متكررة على باكستان المجاورة من الأراضي الأفغانية.

وأشاد رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان بسيطرة طالبان الأفغانية على أفغانستان قبل عامين ووصفها بأنها كسر “لأغلال العبودية”. ويعكس تأييد خان لطالبان هدف باكستان الشامل المتمثل في إقامة كابول لنظام يتماشى مع مصالحها الأمنية.

ورأت إسلام أباد أن الإعفاء “الودي” أو “الموالي لباكستان” في كابول سيساعد في موازنة القومية البشتونية وسيعالج المخاوف الباكستانية بشأن الوحدوية الأفغانية، وسيكبح جماح تحريك طالبان باكستان، وسيقلص النفوذ الأجنبي (وخاصة الهندي) في أفغانستان.

لكن موتواني يرى في تقرير لمعهد الشرق الأوسط أن هذه الحسابات لم تكن سليمة من الناحية الإستراتيجية. ولم تقطع طالبان علاقاتها مع تحريك طالبان باكستان، وهي أقل اعتمادا على باكستان لأنها تزيد من قوتها القسرية ومن إيراداتها من الجمارك والمصادر الأخرى التي تقوّي نظامها. وتظهر بوادر احتكاك متزايدة في العلاقات بين إسلام أباد وطالبان، خاصة فيما يتعلق بتحريك طالبان باكستان الذي استهدف المناطق القبلية والمراكز الحضرية في باكستان.

وقد تتوسع مجموعة التحديات التي تواجه باكستان، خاصة بينما تكافح البلاد الاضطرابات السياسية إثر سجن خان لمدة ثلاث سنوات بتهم الفساد، ومع تواصل ارتفاع التضخم وانكماش الاقتصاد والتخلف عن سداد الديون.

ولا ترى طالبان فائدة كبرى في كونها وكيلا لباكستان. وقد قبلت قيادتها الدعم الباكستاني عندما كانت تقاتل الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة. وبعد أن أصبحت السلطة في يد طالبان أصبح قياديوها يسعون أيضا إلى التحكم بأدوات التأثير على إسلام أباد.

ومثّل قبول طالبان بتعهد تحريك طالبان باكستان بالولاء للإمارة الإسلامية تعبيرا واضحا عن هذه العلاقة المتجذرة. ويوفر ولاء تحريك طالبان باكستان لطالبان عمقا إستراتيجيا وأيديولوجيا في إسلام أباد. ويقوض هذا حظ إسلام أباد، نظرا لسياستها التاريخية المتمثلة في البحث عن عمق إستراتيجي في أفغانستان.

وحذّر قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير طالبان الأفغانية من “استجابة فعالة” إذا فشلت في وقف هجمات تحريك طالبان باكستان عبر الحدود. ولا تعتبر قيادة طالبان أن تحريك طالبان باكستان تشكل تهديدا لحكمها أو انتهاكا لعلاقاتها مع باكستان بل تعتبرها جزءا من الإمارة.

وحذر تقرير الأمم المتحدة من أن تحريك طالبان باكستان تعدّ وسيلة تتحايل عبرها منظمات إرهابية أخرى على سيطرة طالبان الأفغانية.

وتبدو الصين حذرة من التورط بشكل كبير في أفغانستان. وتبقى مشاركة بكين الدبلوماسية ومصالحها الاقتصادية محدودة على الرغم من تناميها، وهي مصممة للبقاء على بعد على مسافة آمنة من طالبان. ولا تسعى الصين للعب دور قيادي في أفغانستان، وتكمن أولويتها القصوى في إقناع طالبان بمنع الهجمات الإرهابية وتسليم مسلحي الحزب الإسلامي التركستاني، وهو جماعة متطرفة من الإيغور.

ومن الظاهر أن طالبان اتخذت خطوات لطمأنة بكين حيث تشير التقارير إلى أنها نقلت مقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني بعيدا عن مقاطعة بدخشان الواقعة شمال شرق أفغانستان، والمتاخمة للصين. واختارت طالبان نقل المسلحين بدلا من قطع العلاقات مع الجماعة أو تسليمهم إلى الصين. وكان التسليم سيطمئن مخاوف بكين الأمنية بشكل أفضل، مما يدل على حدود التعاون الصيني مع طالبان.

ff

ولا تسعى الصين لملء الفراغ الإستراتيجي الناتج عن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان. وتبدو مكتفية بتقديم مساعدات اقتصادية ومساعدات تنموية محدودة مقابل التعاون في مكافحة الإرهاب.

وسعدت إيران من جهتها بفشل الولايات المتحدة الإستراتيجي وخروجها من أفغانستان وشعرت بالارتياح المختلف عن رد الفعل الباكستاني المبتهج. وطالما خشيت طهران من قدرة اعتماد الوجود الأميركي في أفغانستان لزعزعة استقرار منطقتها الشرقية أو تحويل جارتها لموقع تُشن منه هجمات على منشآتها العسكرية والنووية، خاصة بعد تدهور العلاقات بشكل حاد في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب إثر الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي في 2018.

ومن غير المفاجئ أن عودة طالبان قدمت فرصا جديدة للتعاون الذي يساعد على تهدئة مخاوف إيران الأمنية. ومع تدهور المناخ السياسي والأمني ​​للحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة، تعززت اتصالات طهران العامة مع طالبان، مما جعلها تبدو حكومة بديلة في الانتظار.

لكن أثناء العامين اللذين قضتهما طالبان في السلطة، اندلعت اشتباكات بينها وبين حرس الحدود الإيراني، مما خلّف قتلى وأثار مخاوف من التصعيد وزيادة عدم الاستقرار. كما تتواصل الخلافات حول تقاسم مياه نهر هلمند التي اندلعت منذ توقيع المعاهدة الضامنة للحصص في 1973، ومن المرجح أن يبقى هذا الإشكال قائما. ولا تزال نقطة خلاف أخرى قائمة، وهي تتمثل في دعوة إيران سلطات طالبان لتشكيل حكومة شاملة تعكس التنوع العرقي والديني في أفغانستان وتضم خاصة أقلية الشيعة الهزارة التي استهدفتها طالبان تاريخيا وما زالت تضطهدها.

ويوضح الخبير في الشأن الأفغاني أنه مع تراجع ​​توقعات طهران من طالبان، من المرجح أن يتقلص ما تلتزم به وما تقدمه لها.

ويشكل تدهور البيئة الأمنية أساسا على طول حدود إيران الشرقية مع أفغانستان شغلها الشاغل. وينتشر الذعر في طهران بسبب عدم قدرة طالبان (أو عدم استعدادها) لوقف هجمات داعش خراسان أو منع العديد من الجماعات الإرهابية، بما في ذلك المسلحين المناهضين للشيعة، من إنشاء قواعد تحت حماية التنظيم. وتشعر إيران بالقلق إزاء تهديد التمدد الإرهابي من أفغانستان وخطر اندلاع حرب أهلية تعبر حدودها. وفي ظل هذه البيئة الإستراتيجية الهشة، خاب أمل طهران في طالبان التي لم تكن الشريك الأمني الذي توقعته بعد كل ما قدمته من مساعدات للجماعة المتشددة.

من ناحية أخرى، وسّعت استضافة طالبان الأفغانية للجماعات الإرهابية من نفوذها وقدراتها الأيديولوجية. ويزداد لذلك تخوف الدول المجاورة من تحوّل أفغانستان إلى مصدر محتمل لعدم الاستقرار في المنطقة.

وتواجه دول آسيا الوسطى مجموعة متصاعدة من التحديات بسبب قربها الجغرافي من أفغانستان. وتشمل انتشار الجماعات الإرهابية العابرة للحدود وازدهارها داخل أفغانستان، ونشر التطرف، واستغلال خطوط الصدع الاجتماعية والسياسية والدينية، وزيادة محتملة في تدفقات اللاجئين، وارتفاع الاتجار بالأسلحة والمخدرات.

ومن المحتمل أن تصبح هذه القضايا مشحونة أكثر، حيث ترى الجماعات الإرهابية في أفغانستان وعبر المنطقة في انتصار طالبان وهزيمة الولايات المتحدة نتاجا لأيديولوجيتها الصارمة وطابعها الديني. ومع استمرار استضافة طالبان للجماعات الإرهابية وبناء علاقات معها، تعد أفغانستان أرضا خصبة يمكنها توسيع نفوذها عبرها على حساب أمن جيران البلاد واستقرارهم.

وتقوّضت مصداقية طالبان الأفغانية في تقديم ضمانات مكافحة الإرهاب إلى الدول الأخرى بسبب فشلها في منع تحريك طالبان باكستان من شن هجمات على باكستان من الأراضي التي تحكمها مما يؤكد الشكوك التي تحيط بالتزامات الحركة بمكافحة الإرهاب، خاصة مع استضافتها لحوالي 20 جماعة إرهابية. وكشف فريق مراقبة العقوبات التابع للأمم المتحدة أن للجماعات الإرهابية قدرة أكبر على المناورة بينما تواصل إعادة بناء قدراتها في بيئة مواتية للنمو. وأثار هذا السيناريو مخاوف مشروعة بين جيران أفغانستان الذين أصبح عليهم أن يواجهوا تداعيات تورط طالبان المتنامي وآثاره على الاستقرار الإقليمي.

العرب