ما هي احتمالات المزيد من الانقلابات في أفريقيا

ما هي احتمالات المزيد من الانقلابات في أفريقيا

يثير توالي الانقلابات العسكرية في أفريقيا منذ عامين قلق القوى الإقليمية والدولية على حد السواء بشأن استقرار القارة ومسار انتقالها نحو الديمقراطية وبناء مؤسسات مستدامة. ولا تواجه هذه الانقلابات ما ينبغي من الحزم، ما يكرس استمرارها وانتقال العدوى إلى بلدان أخرى.

جوهانسبرغ (جنوب أفريقيا) – تواجه بلدان في جميع أنحاء أفريقيا، من الحكومات المتعثرة في منطقة الساحل إلى زعماء الأسر الحاكمة في وسط أفريقيا، وحتى المستعمرات الفرنسية السابقة في غرب القارة والأنظمة الاستبدادية في شرقها، مخاطر الانقلابات العسكرية وسط تصورات عن العواقب الضعيفة لقادة الانقلابات، ما يشكل تهديدات متزايدة بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في جميع أنحاء أفريقيا.

ودقّ انقلاب 30 أغسطس في الغابون، وانقلاب 26 يوليو في النيجر، والانقلابات السابقة في بوركينا فاسو وغينيا ومالي والسودان، ناقوس الخطر بشأن “عدوى الانقلابات” في جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء.

وجاء في تحليل على موقع ستراتفور أنه بينما تختلف محفزات الانقلابات من بلد إلى آخر، تنتشر تصورات مدبّري الانقلاب المحتملين بأنهم قادرون على الإطاحة بالحكومة بنجاح دون تداعيات محلية أو خارجية كبيرة. ومن الممكن أن تحدث انقلابات عسكرية غير متوقعة في عشرات البلدان في جميع أنحاء القارة وسط تصورات بأن التداعيات الناتجة عنها محدودة.

وفي دول أفريقيا الوسطى، يمثل الرؤساء في السلطة منذ عقود وأزمات الخلافة المحتملة وسياسات المحسوبية ظروفا تناسب القادة العسكريين الانتهازيين في الكاميرون وغينيا الاستوائية وجمهورية الكونغو. ويمثل ميل دول أفريقيا الوسطى إلى رؤساء كبار السن دون خلفاء واضحين مخاطر متزايدة لحدوث أزمات سياسية وسط بيئة معرضة للانقلابات.

وتستخدم الأنظمة في الكاميرون وغينيا الاستوائية وجمهورية الكونغو تكتيكات قاسية لقمع المعارضة، والحد من حرية الصحافة، ومنع جماعات المعارضة من الحشد، في حين تبقى المعارضة الشعبية للأنظمة الثلاثة صامتة وقوتها التنظيمية ضعيفة.

ومن المرجح أن تحجب الميول الاستبدادية مدى الاستياء المتنامي الحقيقي، على الرغم من أن هذا لا يعني بالضرورة دعما واسع النطاق للمعارضة الشعبية لرئيس الكاميرون بول بيا البالغ من العمر 90 عاما، ورئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو البالغ من العمر 81 عاما، ورئيس جمهورية الكونغو دينيس ساسو نغيسو البالغ من العمر 79 عاما.

وتعكس تقارير وسائل الإعلام الدولية ومنظمات حقوق الإنسان خيبة أمل واسعة النطاق مدفوعة باستعداد كل إدارة لاستخدام العنف ضد المدنيين، وتزوير الانتخابات، والفساد، والمحسوبية لخدمة أهداف النخب السياسية. وتخشى النخب العسكرية هنا فقدان الوصول إلى موارد الدولة أو ترى فرصة للوصول إلى الموارد اعتمادا على حجة “الوقاية من أزمة سياسية”، وربما تصطف مع القادة السياسيين لزيادة شرعيتها قبل التدافع للاستيلاء على السلطة.

وكما في الغابون، من المرجح أن يضع قادة الانقلاب أنفسهم في معارضة السلالة السياسية كوسيلة لحشد الدعم الشعبي، بدلا من الاعتماد على المشاعر المعادية لفرنسا لبناء الدعم كما فعل قادة الانقلاب الأخير في منطقة الساحل. وفي الكاميرون يشتبه على نطاق واسع أن ابن الرئيس فرانك بيا حاول الحصول على مباركة والده لخلافته.

وفي جمهورية الكونغو، ظهرت مزاعم على الإنترنت عن حدوث انقلاب عسكري بعد وصول الرئيس دينيس ساسو نغيسو إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 17 سبتمبر الماضي. وسرعان ما نفى وزير الإعلام ثييري ليزين مونغالا هذه المزاعم على وسائل التواصل الاجتماعي. ويبدو أن نظام ساسو نغيسو لا يزال مسيطرا. لكن الشائعات تسلط الضوء على ضعفه المتزايد إثر الانقلاب في الغابون المجاورة.

تتعدد العوامل في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تجعل الرئيس فيليكس أنطوان تشيسيكيدي عرضة لانقلاب في الأشهر التالية لإعادة انتخابه المحتملة ديسمبر المقبل، على الرغم من أن الخطر الذي يواجهه من المرجح أن يكون أقل من زعماء دول أفريقيا الوسطى الآخرين.

وتشمل هذه العوامل المناخ السياسي المتأزم والانتخابات المثيرة للانشغال في ديسمبر والتي من المرجح أن تشهد تزويرا وعنفا، هذا إضافة إلى الحرب الأهلية المستمرة في مقاطعات البلاد الشرقية، والانقسامات العميقة داخل الجيش. ويمكن لأفراد الجيش الذين مازالوا موالين للرئيس السابق جوزيف كابيلا (المنافس السياسي لتشيسيكيدي) و/أو الموالين لزعماء المعارضة الذين يتمتعون بشعبية في المقاطعات الجنوبية الشرقية والشرقية، محاولة الإطاحة بالحكومة المحاصرة، خاصة إذا أدركوا أن التبعات محدودة أو أن نتائج انتخابات ديسمبر مزوّرة.

ويخلق انعدام الأمن والانقسامات المتفشية في منطقة الساحل بيئة يمكن فيها للقادة العسكريين الانتهازيين تسخير المشاعر المعادية لفرنسا للإطاحة بالحكام، مما يشكل تهديدات متزايدة لتشاد والمخاطرة بتكرار الانقلابات في بوركينا فاسو ومالي والنيجر. ويؤدي اتساع نطاق عمليات التمرد إلى إثارة السخط بين المدنيين وداخل المؤسسات الأمنية في منطقة الساحل في أفريقيا جنوب الصحراء. وكانت الهجمات الجهادية هي الأكبر على قوات الأمن البوركينابية التي سبقت الانقلابين الأخيرين في البلاد.

وأمكن في مالي تسهيل صعود الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا إلى السلطة بسبب فشل الحكومة المدنية في وقف الهجمات الجهادية. وأمكن تبرير الانقلاب العسكري الأخير في النيجر ضد الزعيم المدني محمد بازوم للشعب بتقارب الرئيس مع فرنسا وفشله في منع الجماعات الجهادية من التعدي على حدود النيجر الشرقية. وأدى فشل الحكومة في معالجة انعدام الأمن في الحالات الثلاث إلى توليد الغضب العام، والذي عارض القادة العسكريون الانتهازيون فيه الوجود الفرنسي في البلاد، مما حفز دعم النظام الجديد.

ولا تزال الانقسامات بين الجيوش الإقليمية قائمة نظرا إلى فشل الأنظمة اللاحقة في القضاء على التهديد الجهادي. ويجتمع هذا مع حقيقة أن المجموعة الاقتصادية في دول غرب أفريقيا فشلت في تنفيذ التهديد الذي أطلقته الكتلة الإقليمية بالتدخل بعد الانقلاب الأخير في النيجر، ويثير احتمالات وقوع انقلابات لاحقة في هذه البلدان الثلاثة.

وتختلف الظروف قليلا في تشاد، حيث لا تحتل الجماعات الجهادية نفس القدر من الأراضي، لكن تسلسل الأحداث المماثل قد يؤدي إلى انقلاب عسكري. وتعني القوة المؤسسية في غرب أفريقيا للحكومات أن خطر الانقلابات العسكرية منخفض نسبيا. لكن الزعماء الانتهازيين قد يحاولون الاستفادة من أزمة الخلافة المحتملة في توغو والاضطرابات الاجتماعية المتصاعدة في البلدان الساحلية مثل ساحل العاج والسنغال.

ولم تشهد منطقة غرب أفريقيا خارج غينيا انقلابات بنفس الوتيرة التي شهدها جيرانها في منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة. ويعود ذلك على الأرجح إلى القوة المؤسسية النسبية التي تتمتع بها الحكومات في منطقة غرب أفريقيا الساحلية، حيث تجري معظم البلدان انتخابات وفق جداول زمنية موثوقة (رغم أنها ليست حرة ونزيهة بالضرورة)، وأنشأت سلطات قضائية (رغم أنها ليست مستقلة بالضرورة)، وتشهد النزعة العسكرية بمعدلات أقل بكثير من دول منطقة الساحل.

◙ خطر الانقلابات العسكرية يعد منخفضا في شرق أفريقيا مقارنة بوسط القارة ومنطقة الساحل لكن الزعماء المحاصرين في السودان وجنوب السودان تشكل مخاطر

ويعد خطر الانقلابات العسكرية منخفضا في شرق أفريقيا مقارنة بوسط القارة ومنطقة الساحل. لكن الزعماء المحاصرين في السودان وجنوب السودان وأزمات الخلافة المحتملة في إريتريا ودول البحيرات العظمى تشكل مخاطر. وتميل مؤسسات الحكم في شرق أفريقيا إلى أن تكون أكثر قوة من تلك الموجودة في وسط القارة ومنطقة الساحل.

وفي حين لا يعني هذا بالضرورة اتجاهات ديمقراطية (تميل معظم الحكومات في المنطقة إلى الاستبداد)، يبقى خطر الانقلابات العسكرية أقل مقارنة بالمناطق الأخرى بسبب قوة الحكومات المركزية والهيمنة السياسية المدنية على الجيش (باستثناء السودان).

كما أن المشاعر المناهضة للاستعمار (المشاعر المعادية لفرنسا في رواندا) أو المشاعر المعادية لبريطانيا في مستعمرات المملكة المتحدة السابقة (مثل السودان وأوغندا) أو المشاعر المعادية لإيطاليا في إريتريا لا تحمل نفس الفائدة السياسية في الشرق مثلما يحدث في أجزاء أخرى من أفريقيا. ويمكن بهذا أن يستغل قادة الانقلاب المحتملون المخاوف الأمنية والاقتصادية وتلك المرتبطة بالحوكمة لتشويه سمعة النظام المخلوع باعتباره عدوا مشتركا، بدلا من السعي إلى ربط التأثيرات الاستعمارية بالمظالم الشعبية.

ومن المرجح أن تؤدي الانقلابات العسكرية اللاحقة، بخلاف توليد المزيد من عدم الاستقرار السياسي، إلى زعزعة معنويات المستثمرين، وإعاقة النمو الاقتصادي والمخاطرة بتفاقم الأزمات الأمنية القائمة في كل من البلدان الأفريقية التي تشهد الانقلاب وجيرانها.

غالبا ما تنفّر الانقلابات العسكرية المستثمرين بسبب الغموض الذي تشهده السوق وإمكانية تغيير السياسات، بما في ذلك تأميم الموارد والأصول. لكن تدهور معنويات المستثمرين لا يؤثر فقط على الدولة التي تشهد الانقلاب، حيث يتراجع اهتمامهم بالبلدان المجاورة أيضا مع إدراكهم لتزايد المخاطر الإقليمية.

وفي دول أفريقيا الوسطى، على سبيل المثال، ارتفعت العائدات على الديون المقومة بالدولار بمقدار 100 نقطة أساس (12.34 في المئة) في الكاميرون و16 نقطة أساس (12.46 في المئة) في جمهورية الكونغو خلال الأيام التي تلت انقلاب 30 أغسطس في الغابون المجاورة.

◙ نظرا لاهتمام روسيا الواضح بالتغلغل في البلدان الأفريقية عبر القوات شبه العسكرية يمكن أن يسهل التهديد المتزايد بحدوث انقلابات في الكاميرون وأماكن أخرى

كما يمكن أن تُقيّد التجارة بالعقوبات الدولية المفروضة على قادة الانقلابات العسكرية والأنظمة، مما يخلق اضطرابات في سلسلة التوريد ويضغط على النشاط الاقتصادي. وعلى سبيل المثال، فرضت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” عقوباتها على المجلس العسكري الجديد في النيجر ردا على انقلاب 26 يوليو، واعتبرت الأكثر صرامة منذ انقلاب مالي في 2021.

وأدى إغلاق الحدود والقيود التجارية إلى انخفاض نشاط النيجر الاقتصادي مع غرب أفريقيا في الأشهر الأخيرة، وتضررت مخازن المواد الغذائية المخصصة للتصدير بسبب ذلك. كما تفاقم الانقلابات العسكرية الأزمات الأمنية، حيث يؤدي انشغال قوات الأمن بالحفاظ على قبضتها على السلطة إلى صرف الانتباه والموارد بعيدا عن التهديدات الأخرى.

وهذا ما يقوض احتواء الصراع الانفصالي وتمرد تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا في الكاميرون، وحركات التمرد الجهادية في منطقة الساحل، والتمرد في شمال تشاد، بالإضافة إلى التحديات الأمنية الأخرى. ومن المرجح أن تطلب الأنظمة التي تخشى الانقلابات، سواء كان التهديد حقيقيا أو متصورا، الدعم الأمني الخارجي.

ونظرا لاهتمام روسيا الواضح بالتغلغل في البلدان الأفريقية عبر القوات شبه العسكرية، يمكن أن يسهل التهديد المتزايد بحدوث انقلابات في الكاميرون وأماكن أخرى دخول مجموعة فاغنر سيئة السمعة إلى المزيد من البلدان الأفريقية، مما قد يؤدي إلى تفاقم دوافع الصراع بسبب ممارسات المنظمة شبه العسكرية الروسية العنيفة ضد المدنيين.

العرب