العرب انتقلوا من الكباريه السياسي إلى كباريه الثقافة والفنون

العرب انتقلوا من الكباريه السياسي إلى كباريه الثقافة والفنون

الثقافة والسياسة متداخلتان في نوع من التكامل، لكن في العالم العربي تبدو غلبة السياسي على الثقافي أبرز الظواهر التي تعطل التأثير الحقيقي والعميق للفعل الثقافي، الذي يتجاوز الآني والأيديولوجيا ويتحرك في مساحات أكثر تحررا. وقد سببت هذه العلاقة المختلة اختلالا في أدوار المثقف والسياسي على حد السواء.

مجريات الأحداث الملتهبة في قطاع غزة، وكذلك بقية أنحاء العالم، وبدرجات مختلفة، تجعل السياسة هذه الأيام، حديث الخاصة والعامة، بعد أن كانت مقتصرة على النخب المهتمة والمعنية ممارسة وتحليلا.

من يستحضر عقودا خلت في العالم العربي، يتذكر كيف كان الشأن السياسي “شأنا سياسيا” أي موضوعا لا يعني عامة الناس، وذلك لاعتبارات أهمها أن ما يحدث بين قادة العالم وأصحاب القرار يهم أصحاب القرار وحدهم، ولا يلتفت إليه إلا المحللون وحدهم.

المثقف والسياسي
اليوم، أصبحت السياسة أشبه بقهوة الصباح وكسرة الخبز، والهواء الذي يتنفّسه الجميع بسبب تأثيرها المباشر على حياة الفرد والمجموعة، إذ لا يمكن الاستغناء عنها، فهي مثل أخبار الطقس التي تبحث عنها في نشرات الأخبار لتتمكن من كيفية التعامل معها طيلة النهار، وتتصدى لها بالمعطف والشمسية أو بما خف من ثياب.

غالبية النشاطات الثقافية في البلدان العربية تخدم السياسي بتعريفه الشعاراتي الفج أكثر من أن تخدم الفني والثقافي

وهناك أمور أخرى لا يمكن إهمالها حول الاهتمام المحموم بالسياسة في العالم العربي، وهو أن هوامش الحريات الممنوحة قد جعلت الجميع يهتم بالشأن السياسي بعد أن كان يعد من المحظورات ويعادل كلمة “ممنوع”، بالإضافة إلى تقدم الوعي الجمعي وتداخل الثقافي بالسياسي والاقتصادي في كل مجالات الحياة.

الحقيقة هي أن الطرح السياسي في الشأن الثقافي قديم قدم النشاط البشري، وفي مختلف أنحاء العالم، لكنه بدا واضحا فيما يمكن أن نطلق عليه “الكباريه السياسي”. وهذا المصطلح ليس فقط ذلك الشكل الفرجوي التقليدي المعتمد على النكت السياسية والانتقاد الكوميدي لأداء السياسيين، بل أصبح يتعداه إلى كباريه أوسع في مختلف الأجناس الأدبية والفنية وكل أشكال التعبير.

كانت الثقافة في العقود الماضية ملجأ لغير الراغبين في متابعة أخبار السياسة والسياسيين، والمنزهين للفن والثقافة، والمطالبين بفصل الفنون عن حظيرة السياسة وما ينجر عنها من كوارث وحروب، لكنها عادت اليوم لتخوض الغمار السياسي من أوسع أبوابه وينشأ هذا التداخل الشائك.

بعض السياسيين أصبحوا رجال فكر وثقافة وتنظير رغبة في إعلاء شأنهم وشحن رصيدهم الشعبي كما يحدث في الحملات الانتخابية التي يصبح فيها المرشح متعدد المهن والمواهب والاهتمامات.

كذلك أصبح بعض المثقفين رجال سياسة يصدحون على المنابر ويستميلون الفئات الشعبية وقد تخلوا عن لغتهم المبهمة المقعرة أحيانا ليستبدلوها بأخرى تتراوح بين “الخشبية” و”الشعبوية” و”التحريضية” طامعين في الإدلاء بدلوهم، لعل وعسى.

المشكلة أن المثقف أو الفنان الذي يخوض غمار العمل السياسي، يميل أكثر إلى أحلام اليقظة، ويرسم المستقبل على شكل حقل من الورود فتشيح عنه غالبية الناس لأنه – ببساطة – غير معروف لدى الغالبية أصلا، ثم إنه يعجز عن تخطي طوباويته ورومانسيته دائما.

كما أن حالة “البرعاجية” الاجتماعية التي يعيشها المثقف في العالم العربي، تجعله جاهلا وأميا بكل تفاصيل الحياة اليومية وصعوباتها رغم أنه يعيشها، أي أنه لا يملك شطارة المواطن العادي في التكيف مع الظروف المعيشية.

أما السياسي الذي يمارس الثقافة فإنه لا يتخطى حالة كسب الود والتقرب من الطليعة الثقافية، وذلك في نوع من المزج المستحيل بين النظري والعملي كحال من يحاول خلط الزيت بالماء.

هذا في حدود المشهد السائد والاعتيادي في العالم العربي، لكن الواقع أن المشهد غائر، مشوش ومضطرب إلى أبعد الحدود حول مسألة تداخل الثقافي بالسياسي، وذلك لأن الكل يخوض في الكل، والمزاج الشعبي العام يميل إلى الجانب الترفيهي المحسوب على الثقافة كما يميل إلى البازار الشعبوي المحسوب على العمل السياسي.

النشاط الفكري والفني
بعض السياسيين أصبحوا رجال فكر وثقافة وتنظير رغبة في إعلاء شأنهم وشحن رصيدهم الشعبي خاصة في الانتخابات

هنا تصدق نظرية “الشبه شبه” التي تقول إن كل النشاطات والسلوكيات التي نمارسها في العالم العربي ليست هي الأصلية بل ما يشبهها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المؤسسات التي يعود إليها الأمر، أي أنه لا وجود لمثقف حقيقي ولا لسياسي حقيقي ولا حتى لـ”مواطن حقيقي” واع بحقوقه وواجباته، وفق بعض الغلاة من منتقدي الواقع العربي.

المشكلة أن التداخل بين السياسي والثقافي في العالم العربي لا يحدث على الشاكلة الأوروبية أي بطريقة إيحائية خالية من المباشراتية والخطابية الصريحة الممجوجة، وإنما يصبح الأمر أشبه بمهرجان خطابي ذي دور تحشيدي وتحريضي، وتغيب فيه اللباقة حتى تصل إلى الانزلاق نحو شعارات عنصرية تعرض الشعوب العربية للاتهام بتغذية روح الكراهية من قبل الإعلام والرأي العام الأوروبي والأميركي.

تدخل معرضا تشكيليا يدعم القضية الفلسطينية فتتفاجأ بملصقات إعلانية تحريضية بعيدة عما يجب أن يكون في ملتقى تشكيلي. وتحضر ندوة أدبية أو فكرية فتحضر فيها السياسة بمنطقها التعبوي أكثر من الثقافة.

وكذلك ينطبق الأمر على الغناء والموسيقى وغيرها من الفنون التي أصبحت في غالبية البلدان العربية تخدم السياسي بتعريفه الشعاراتي الفج أكثر من أن تخدم الفني والثقافي بمفهوم الراقي والجمالي.

متى يفهم الجميع أن النشاط الفكري والفني ليس عملا سياسيا وإن كان يشترك معه في خدمة أهداف إنسانية سامية، وإنما هو استشراف جماليات تهذب النفس البشرية، لا أن تهيجها فتجعلها تنحدر باتجاه الشعارات.

العرب