القاهرة تستعين بالأجانب لسد الفرق في الاستيراد

القاهرة تستعين بالأجانب لسد الفرق في الاستيراد

قررت مصر الاستعانة بمستثمرين من تركيا والهند وألمانيا لتقليص الزيادة الحالية في الاستيراد وتشجيعهم على الاستثمار، بعد خطوة الهيئة العامة للتنمية الصناعية لعرض فرص متنوعة ترتبط بالمنتجات المعدنية والكيميائية، والتي تشكل ربع إجمالي الواردات السنوية.

القاهرة – تعول الحكومة المصرية على استثمارات الأجانب لتحقيق رواج في برنامج طرح الأراضي للصناعيين ضمن المرحلة الجديدة من الخارطة الاستثمارية للهيئة العامة للتنمية الصناعية، بهدف توفير المواد الخام لعدد كبير من قطاعات الصناعة.

وجاءت الخطوة لعدم إقبال المستثمرين المحليين على الاستثمار، بينما تتكبد البلاد متاعب كبيرة، إذ تلجأ إلى الاستيراد والضغط على الدولار، مع إمكانية زيادة الإنتاج في تلك المجالات، لكن المتاعب الاقتصادية خلال الفترة الماضية أصابت العديد من المستثمرين بالإحباط.

ويقول محللون مصريون إن إحجام رجال الأعمال في البلاد عن الاستثمار في مشاريع الخارطة الاستثمارية سببه عدم قدرة الدولة خلال أزمة نقص الدولار على توفير العملة الصعبة للمصانع لأجل استيراد بعض مستلزمات الإنتاج من الخارج.

وتعرض بعض المستثمرين لتعطيل بضائعهم وخامات الإنتاج لمدة عام في الموانئ، ما كبدهم خسائر فادحة نتيجة تغير سعر العملة، بالتزامن مع التزامهم بدفع أجور العاملين، ما يتطلب عودة الثقة مرة أخرى لضخ استثمارات جديدة.

وبدأت السلطات الاهتمام بالقطاع الخاص الأيام الماضية عبر الجولات التي يقوم بها رئيس الحكومة مصطفى مدبولي في مقرات مصانع هذا القطاع والتأكيد على أن الدولة جادة في تقديم التسهيلات للقطاع وزيادة نسبته في الاستثمارات بالبلاد.

وأثنى الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال افتتاح مشاريع الاثنين الماضي، على الجهود التي يقوم بها القطاع الخاص، مؤكدا أنه يلعب دورا مهما في التنمية وأن إدارته دقيقة جدا، لكنه اعترف بأن معضلة الدولار لا تزال قائمة، والتغلب عليها يتحقق بالاعتماد على المنتج المحلي.

وتكمن أهمية الخطوة التي تسعى إليها هيئة التنمية الصناعية في جذب الدولار، وهؤلاء المستثمرون سيقومون بجلب المواد الخام المتعلقة بهم والتغلب على أزمتي زيادة الطلب على العملة الأجنبية، وشح المواد الخام في البلاد.

ووقعت مصر في هذه المشكلة بعد اهتمامها السنوات الماضية بإنشاء المدن الجديدة والزراعة والسياحة، على حساب الصناعة، ولم تشعر بذلك إلا بعد الدخول في أزمات تعطلت معها عجلة الإنتاج، ثم قررت تعويم الجنيه للتغلب على السوق الموازية للعملات الأجنبية وتوفيرها للمستثمرين.

وتعتزم القاهرة اتخاذ خطوات واسعة لسد عجز الواردات والمقدر بنحو 30 مليار دولار، وهو هدف تسعى إليه وزارة الصناعة منذ العام الماضي، كما تتحرك الهيئة التابعة لها لتعزيز البدائل المحلية للمنتجات المستوردة لخفض فاتورة الواردات.

وتستهدف الخطة بالتعاون مع الاتحادات والغرف الصناعية توفير تلك القيمة التي تتحملها الدولة من خلال تلبية احتياجات السوق المحلية بدلا من الاعتماد على الاستيراد، وأبرز تلك القطاعات المشمولة بالاهتمام الصناعات الهندسية والكيميائية والغذائية والأدوية.

وقالت مصادر حكومية لـ”العرب” إن “توفير مستلزمات الإنتاج يسهم في تمكين الصناعة المحلية على المنافسة، وبدأ مستثمرون مصريون في استغلال الفرص، لكن عددهم لا يزال قليلا، لذا بدأت الحكومة مفاوضات مع الأجانب لإنشاء مشاريع تحت مظلة الخارطة الاستثمارية”.

30 مليار دولار العجز في الواردات، الذي تسعى الحكومة إلى سده بخارطة الاستثمار الصناعي

وأكد عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين علي حمزة أن خارطة الاستثمار الصناعي، التي طرحتها الحكومة على المستثمرين المحليين، “غير كافية لإقناعهم بالاستثمار وتأسيس المشروعات وتتسم بالغموض وعدم وضوح عناصرها”.

وقال لـ”العرب” إن “من شروط نجاح خارطة الاستثمار الصناعي أن تكون شاملة للقطاع والمنطقة ومدى وفرة المادة الخام، وحال سقوط أي عنصر تفقد الخارطة الهدف المرجو منها، مشيرا إلى أن الحكومة لم تكشف عن مدى توافر المادة الخام للقطاعات المطروحة”.

وتسعى مصر إلى الاستفادة من الموارد الطبيعية لتعميق التصنيع المحلي لقطاعات، من أبرزها التعدين، مثل رمال السيليكا وخام الكاولين والجبس والمنجنيز.

وكانت الشركة العربية للسبائك ومضادات الأكسدة التابعة للحكومة قد ضخت استثمارات تقترب من 22 مليون دولار في أغسطس من عام 2022.

وتهدف تلك الاستثمارات إلى إنشاء مجمع صناعي بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس لإنتاج سبائك السيليكون منجنيز والسيليكون ميتال والفيروسيليكون، ما يوفر المواد الخام الأولية اللازمة للعديد من الصناعات، منها الإلكترونيات وأدوات الطبخ والألواح الشمسية.

وفي سياق توطين الصناعة وتوفير مستلزمات الإنتاج، تدرس وزارة قطاع الأعمال مقترحا قدمه تحالف يضم شركة دانيللي الإيطالية للصناعة وشركة منتجات الفولاذ الصناعية والهيئة العربية للتصنيع، لإنشاء مجمع بقيمة 4 مليارات دولار لمنتجات الحديد والصلب.

ويطمح المشروع إلى الاستفادة من المستودعات الكبيرة لخام الحديد في أسوان بجنوب مصر والواحات البحرية بالصحراء الغربية، ومن المنتظر أن يؤدي إلى توفير خام البليت، ما من شأنه إحداث نقلة نوعية وإتاحة الخامات للصناعات المختلفة.

وأوضح عضو جمعية مستثمري السويس سعيد يونس أن بعض التشريعات تقيد المستثمرين المصريين، كما أن المشاريع المطروحة تهدف إلى التعميق المحلي ووفرة المواد الخام، ما يتطلب ملاءة مالية قوية لا تناسبهم، حيث يتكبدون مصروفات باهظة جراء أعباء الشحن.

وذكر في تصريح لـ”العرب” أن المستثمر الأجنبي حال دخوله في تلك القطاعات، سيحقق نجاحات خلاف المستثمر المصري الملزم برسوم وضرائب ترفع تكاليف الإنتاج، بينما يجد الأجنبي تسهيلات كبيرة، إذ يدفع بالدولار وهو ما تستهدفه الحكومة.

وأشار إلى أن نقص الخامات سوف يظل عائقا كبيرا أمام المستثمر المصري، طالما استمر سعر الدولار مرتفعا، كما أنه لا يستطيع التصدير بسهولة لأن سعر المنتجات لم يعد منافسا لعدم دعم المنتج المحلي بشكل كبير.

وتعاني السوق المحلية من العجز في المواد الأولية بصناعات عديدة، مثل الغزل والنسيج التي تحتاج إلى استيراد الحرير الصناعي لإنتاج ألياف البوليستر، والدواء وصناعات أخرى تعتمد على التجميع مثل الإلكترونيات والسيارات، وإن كانت ثمة مساع حثيثة لتوطين الأولى.

وعلى الرغم من تراجع أزمة العملات الأجنبية بالنسبة للمصنعين ووعود الدولة بتوفير العملة الصعبة، لا يزال ثمة حذر من الاعتماد على الاستيراد، وهناك ندرة في الخيارات البديلة لبعض المواد الخام المستوردة، مثل الصلب والنحاس.

العرب