اياد العناز
تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع الاغلبية في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكي، وفق النتائج المعلنة في 4 تشرين ثاني 2026، في تحول ميداني يعيد تشكيل التوازن السياسي في واشنطن خلال العامين القادمين من وجود الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض.
ويمكن أن نلاحظ أبعاد نتائج الانتخابات في معايير ومستويات متعددة، أهمها ما يتعلق بالمواجهة العسكرية مع إيران ومدى تأثير النتائج في قدرة ترامب على الاستمرار في إدارة المواجهة وفق أولوياته السياسية والعسكرية، وانعكاس أعداد أعضاء الكونكرس الجدد على تمويل العمليات العسكرية واستمرار العقوبات الاقتصادية على إيران والرقابة على قرارات إدارة الرئيس ترامب، مع ملاحظة مهمة تتعلق بكيفية تعامل طهران مع التغيير الحاصل في التوازنات السياسية الأمريكية لتعزيز موقفها التفاوضي واطالة أمد المواجهة العسكرية.
أن الاستراتيجية الأمريكية قائمة على ثوابت أساسية ترى إيران عامل اساسي في تهديد مصالحها وأمن حلفائها، ولهذا فإن نتائج الانتخابات لاتعني بالضرورة تغيير الأهداف الأمريكية تجاه إيران، لكنها قد تغير أدوات المواجهة والتنفيذ وملاحظة كلفتها السياسية ومدة الاستمرار في التصعيد ونتائجه وابعاده الميدانية.
قد يواجه الرئيس ترامب معارضة داخلية عبر جلسات الاستماع والتحقيق والمراقبة التي سيبديها الأعضاء الجدد في مجلسي النواب والشيوخ، في وقت أعتبر الديمقراطيون أن المواجهة مع إيران لم تعد إحدى ملامح السياسة الخارجية، بل أصبحت مرتبطة بتكاليف المعيشية واسعار الطاقة والوقود، وهي النقاط الأساسية التي اعتمدت في تصويت المواطن الأمريكي والتي سيكون لها حضورها في الدفع بتشريعات تحد من استمرار العمليات العسكرية وتمويلها.
هذه المؤشرات لا تعني إمكانية قيام الكونكرس بإيقاف المواجهة مع إيران مباشرة، فلدى الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة تتعلق بإدارة السياسية الخارجية وما يتعلق بالشؤون العسكرية، وملاحظة أن الأعضاء الجدد سوف لا يمارسون صلاحياتهم إلا في الثالث من كانون ثاني 2027، لهذا فإن الفترة بين إعلان النتائج ووجود الاغلبية في مجلسي النواب والكونكرس تمثل مرحلة انتقالية حساسة.
نتائج الانتخابات لا تعني نهاية المواجهة الأمريكية الإيرانية ولا تعني انتصار الموقف الإيراني، لكنها تفرض متغيرًا جديدًا على معادلة الصراع أصبحت فيه الإدارة الأمريكية تحسب حسابًا أكبر للكلفة الداخلية للمواجهة، بينما تسعى إيران لتحويل المتغير السياسي لمكسب تفاوضي قادم.
سيتوجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اعتماد المسار العسكري مع إيران لاستعادة صورته وقوته الرئاسية، وأن الحسم العسكري يتيح له مواجهة الانتقادات الداخلية وأنه ليس على استعداد لقبول الضغوط السياسية عليه، وقد تكون الضربات العسكرية محدودة النطاق لإجبار إيران على العودة للتفاوض بشروط أمريكية، والسعي لإعادة ترتيب علاقته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والتنسيق معه لتصعيد حالة المواجهة والذي يرى الاخير أن المسار التفاوضي لا يحقق له أهدافه في إسقاط النظام الإيراني، ومنع طهران والقيادات العسكرية والأمنية في الحرس الثوري من تحويل نتائج الانتخابات لمكسب سياسي وافهامهم بأن تفسير التحول السياسي الأمريكي لا يعتبر تراجعًا في موقف الإدارة الأمريكية من إيران.
حددت واشنطن موقفها من المواجهة العسكرية مع إيران في مكالمة هاتفية للرئيس ترامب مع باراك رافيد (مراسل أكسيوس) في 3 تشرين ثاني 2026، بمسارات نحو تحقيق اتفاق تفاوضي بمتابعة حثيثة من قبل نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث الرسمي ستيف ويتكوف، واعتماد اتجاه يدفع نحو استئناف العمليات العسكرية يرتبط بوزير الحرب بيت هيغسيت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واتجاه أخر يرى الضغط الاقصى عبر العقوبات الاقتصادية والحصار البحري دون الذهاب لمواجهة جديدة ويقوم بهذه المهمة وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الخارجية ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات العسكرية.
وهنا من الممكن أن يعتمد الرئيس ترامب بعد نتائج الانتخابات، ضربات عسكرية محدودة بدافع الحسم الميداني ورفع سقف الضربات المؤثرة باستهداف منشآت عسكرية استراتيجية لتقليص القدرات الإيرانية وتوسيع العمليات الجوية والبحرية وفرض شروط جديدة على ايران وتوسيع نطاق العقوبات والحصار لانهاك القدرات الاقتصادية، والضغط على إيران إيران للعودة للتفاوض تحت التهديد وتحويل التفوق العسكري لمكاسب سياسية.
أن الرد الإيراني على جميع الاحتمالات والتوجهات الأمريكية سيكون على نطاق واسع يشمل المصالح الأمريكية والإسرائيلية ومنشآت النفط والغاز وامدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية والطرق البديلة لنقل الطاقة، وتهديد دول مجلس التعاون الخليجي العربي بضرب محطات تحلية المياة والكهرباء.
ينبغي اعتماد أسس وطرق سليمة تترافق مع أي استراتيجية للضغط الاقتصادي بموقف خليجي موحد تجاه حرية الملاحة وأمن الطاقة بحماية المنشآت النفطية ومحطات تحلية المياه وتأمين الحماية في مضيق هرمز وباب المندب وتعزيز التنسيق الاستخباري والدفاعي لاقطار الخليج العربي.
جاءت نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية وما ألت إليه الانتخابات الإسرائيلية لترسم حالة من التوافق الاستراتيجي بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مواجهة النفوذ والقدرات الإيرانية وتجاوز الاختلافات في توقيت استخدام القوة وحدود التصعيد واولوية المسار الدبلوماسي، وسيشهد الإيرانيون تنسيقًا عسكريًا واسعًا بين واشنطن وتل ابيب.
كانت المفارقة السياسية حاضرة في الأحداث الأمريكية والإسرائيلية، فالرئيس ترامب يواجه تراجعًا في السيطرة على الكونجرس، ونتنياهو يواجه صعوبة في تشكيل حكومة مستقرة، لكن كليهما لا يريد أن يظهر بحالة من التراجع في المواجهة مع إيران.
يعمل ترامب على أن تكون أي مواجهة مرتبطة بنتيجة سياسية واضحة تساعد الحزب الجمهوري على إعادة ترتيب أوضاعه وتعويض خسارته والاستعداد للانتخابات الرئاسية بعد عامين من الزمن، بينما لدى نتنياهو اعتبارات أمنية وحكومة داخلية قد تدفعه لتفضيل الحسم العسكري، وهذا ما يؤكد أن الاثنين متفقان على الهدف، ولكنهما يختلفان في كيفية الوصول إليه.
الأهداف المشتركة الأمريكية الإسرائيلية تتضح في منع استعادة إيران لقدراتها النووية والحد من عملية إنتاجها للصواريخ البالستية والطائرات المسيرة وإضعاف امكانياتها العسكرية الدفاعية واستمرار العقوبات الاقتصادية والحصار البحري والتمسك بالمسار العسكري كهدف استراتيجي دائم.
التوجه العسكري والأمني لنتنياهو بحاجة لقرار أمريكي للبدأ بالضربات الجوية والصاروخية التي ستشكل الانطلاقة الاولى والفاعل الرئيسي المؤثر في مؤازرة الفعل العسكري الامريكي، ليكون في مقدور كليهما توظيف قرار العودة للمواجهة العسكرية مع إيران لتحقيق اولوياتهما الداخلية.
إذا ما توسعت دائرة التوجه نحو عمل عسكري قادم، فالأولوية تكون عبر مراقبة مسار التصعيد والتفاهم الأمريكي الإسرائيلي على ضربة محدودة أو عمليات عسكرية متوالية ضمن أهداف استراتيجية عملية مهمة داخل العمق الإيراني، مع ملاحظة تنامي العقوبات الاقتصادية وتشديد الحصار البحري والتهديد العسكري لإجبار إيران على تقديم تنازلات والقبول بالشروط الأميركية.
وهنا يبرز السؤال الأهم، هل يستطيع ترامب ونتنياهو من تحويل تعثرهما السياسي الداخلي لمكسب استراتيجي عبر المواجهة مع إيران؟ وهل تستطيع الضربة العسكرية أن تعالج أزمة سياسية داخلية، أم أنها قد تنقلها إلى مستوى أكثر تعقيدًا؟
يحتاج نتنياهو لإنجاز أمني لترميم موقعه السياسي وترامب يحتاج إلى مخرج سياسي يثبت قدرته على إنهاء المواجهة مع إيران بشروط يصفها بالنجاح، وإيران ستسعى على منع الاثنين من تحويل التفوق العسكري الي نتيجة سياسية حاسمة.
