بنقردان.. طريق “الدولة الإسلامية” إلى “ولاية القيروان”

بنقردان.. طريق “الدولة الإسلامية” إلى “ولاية القيروان”

580

تأتي تصريحات الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي ورئيس وزرائه الحبيب الصيد المتعلقة بخلفية هجمات مسلحين تابعين لتنظيم الدولة الإسلامية على مواقع عسكرية وأمنية في مدينة بنقردان قرب الحدود مع ليبيا، والتي أكدا فيها سعي التنظيم عبر تلك الهجمات، لإقامة إمارة إسلامية تابعة له في المدينة، لتسلط الضوء من جديد على حالة “الحركة الجهادية” في الشمال الأفريقي.

ويتعلق الأمر هنا بشكل أخص بتنظيم الدولة الإسلامية الذي استطاع ـ رغم حداثة ميلاده ـ فرض نفسه في المنطقة كقوة يحسب له حسابها.

النصرة القيروانية
وقبل الخوض في الخيارات المطروحة أمام تنظيم الدولة الإسلامية، فإنه لا مناص من الحديث ولو قليلا عن التاريخ القريب لوجود خطاب هذا التنظيم في تونس وفي المنطقة عموما، حيث بدأ وصول هذا الخطاب مبكرا إلى تونس بعد عودة عشرات التونسيين من حملة الفكر السلفي الجهادي إلى البلد وخروج العشرات من السجون، إثر الثورة التي أسقطت نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في يناير/كانون الثاني عام 2011،والتي أعقبتها حركة تنقل متسارعة ومضطردة دخولا وخروجا بين تونس ومناطق نشاط الجماعات الجهادية، من الصحراء الكبرى وشمال مالي، إلى سوريا والعرق.

“عوامل عديدة تزيد من مطامع تنظيم الدولة في تونس منها، الجوار الجغرافي بين تونس وليبيا، والتداخل الديمغرافي والاجتماعي والمصالحي بين منطقتي الحدود، فضلا عن الكم العددي الكبير للتونسيين في أوساط التنظيم خصوصا فرع ليبيا، حيث يشكلون الجنسية الثانية في صفوف عناصر التنظيم بعد الليبيين”

وعشية اندلاع الخلاف بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، على خلفية صراعه مع جبهة النصرة في سوريا وإعلانه الخلافة الإسلامية، سارع أنصار الدولة الإسلامية في تونس إلى الإعلان عن وجودهم مبكرا مستغلين حالة الارتباك التي عرفتها فروع القاعدة وأنصارها في أنحاء العالم بسبب الاقتتال بين “الإخوة المجاهدين”، فكان نداء “النصرة القيروانية للدولة الإسلامية” الذي أطلقه أحد قادة “جماعة أنصار الشريعة” في تونس خلال تجمع جماهيري في مدينة القيروان بداية لظهور تلك الدعوة.

تلا ذلك ظهور قوي لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا بعد بيعة ما يعرف بـ”مجلس شباب الإسلام في درنة”، للتنظيم والاعتراف بخلافته، ووصول عدد من موفدي أبو بكر البغدادي إلى ليبيا، بعد أن بسط التنظيم سيطرته على بعض المدن والبلدات في الشرق الليبي، لينقل التنظيم حالة الاقتتال بين أنصاره وأنصار القاعدة إلى ليبيا، حيث كانت مدينة درنة مسرحا لذلك الاقتتال الذي انتهى بسيطرة مجلس شورى درنة وضواحيها المحسوب على القاعدة، على المدينة وطرد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية إلى خارجها.

غير أن حركية أنصار التنظيم في ليبيا ظلت متصاعدة، حيث بسطوا سيطرتهم على مدينة سرت، وعلى أحياء من مدينة بنغازي وبعض أحياء ضواحي مدينة درنة، واتخذوا معسكرات لهم في صبراتة، وبعض ضواحي طرابلس.

بحثا عن موطئ قدم
ولم تكن تلك الأحداث إلا لتزيد من مطامع تنظيم الدولة الإسلامية في تونس المجاورة، تدفعه إلى ذلك عوامل عديدة منها، الجوار الجغرافي بين تونس وليبيا، والتداخل الديمغرافي والاجتماعي والمصالحي بين منطقتي الحدود، فضلا عن الكم العددي الكبير للتونسيين في أوساط التنظيم خصوصا فرع ليبيا، حيث يشكلون الجنسية الثانية في صفوف عناصر التنظيم بعد الليبيين.

وقد زاد كل ذلك من أطماع قيادة التنظيم في إيجاد موطئ قدم لهم على الأراضي التونسية، وقد استطاعت تنفيذ عمليات داخلها وصفت بالنوعية والخطرة، رغم أن التخطيط لها تم في ليبيا وقدم منفذوها من الأراضي الليبية.

بيد أن الوجود الذي يسعى له التنظيم في القريب العاجل على الأراضي التونسية لا يمكن أن يقاس بوجوده في مدينة الموصل بالعراق أو مدينة الرقة بسوريا، فمثل ذلك الوجود القوي المسيطر يتوفر عليه التنظيم في مدينة سرت بليبيا، حيث مركز قوته وسيطرته، بعد تعثرت جهود استعادة الدولة في ليبيا السيطرة على كامل التراب الليبي.

“يمكن القول إن الهجمات على مدينة بنقردان لا تهدف بالضرورة إلى السيطرة الفورية والنهائية على المدينة واتخاذها مقرا للتنظيم، بقدر ما تهدف إلى جس نبض الأجهزة الأمنية والعسكرية التونسية ومعرفة مدى إمكانية إخراجها من تلك المنطقة والسيطرة عليها”

فالوضع الليبي حاليا في غياب سيطرة حكومة مركزية على كامل الأراضي الليبية، وتعدد جبهات الاقتتال بين الفرقاء الليبيين، بات أشبه بالحالة العراقية والسورية، وهو ما يوفر للتنظيم متسعا مكانيا لا تضايقه فيه قوة نظام حاكم للبلاد، ولا أي قوة أخرى منظمة مناهضة لمشروعه السياسي والفكري، بخلاف الحالة التونسية التي ظلت الدولة المركزية ـرغم الهزات والاضطرابات التي أعقبت سقوط بن علي ـ تحكم سيطرتها على كامل الأراضي التونسية.

تنافس مع القاعدة
ومما زاد قناعة قيادة تنظيم الدولة الإسلامية بضرورة تسريع جهوده الهادفة إلى تعزيز وجوده على الأراضي التونسية، وجود معسكرات تابعة لغريمه تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي على أجزاء من الأراضي التونسية، حيث يقيم هذا الأخير في جبل الشعانبي بالجنوب التونسي على الحدود مع الجزائر معسكرات تابعة لكتيبة عقبة بن نافع، مخصصة للتدريب والتخطيط، وتنفيذ العمليات داخل الأراضي التونسية، الأمر الذي حول تونس إلى محطة تنافس للتوغل والنفوذ فيها بين التنظيمين المتصارعين على النفوذ والتأثير في شمال القارة الأفريقية.

وكما حرص تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي على أن تكون معسكراته داخل التراب التونسي في موقع يؤمن للمقاتلين ظهورهم عبر السلسلة الجبلية الممتدة من جبل الشعانبي داخل الأراضي الجزائرية، ويضمن خطوط إمداد وتواصل مع قيادة التنظيم في جبال الجزائر، خطط تنظيم الدولة الإسلامية كذلك لفرض موطئ قدم له في تونس بمواصفات مماثلة، فاختار موقعا قرب الحدود مع ليبيا قد يسمح له بتأمين الظهر والارتباط المباشر بقواعده الخلفية في ليبيا.

ولذلك عمدت قيادة التنظيم في ليبيا إلى محاولة فرض سيطرتها على بعض المواقع داخل الأراضي التونسية، فاختارت مدينة بنقردان الحدودية لتدشين هجمات تهدف إلى السيطرة ولو مؤقتا على بعض المواقع الإستراتيجية، باعتبارها الأقرب جغرافيا لمعاقله في ليبيا، حيث يتاح التحرك بحرية أكثر بينها وبين الأراضي الليبية، من أجل توفير الإمداد والتواصل مع القيادة والقواعد الخلفية.

هجمات تكتيكية
ويمكن القول إن الهجمات على مدينة بنقردان لا تهدف بالضرورة إلى السيطرة الفورية والنهائية على المدينة واتخاذها مقرا للتنظيم، بقدر ما تهدف إلى جس نبض الأجهزة الأمنية والعسكرية التونسية ومعرفة مدى إمكانية إخراجها من تلك المنطقة والسيطرة عليها.

“فروع التنظيم بشمال أفريقيا ما زالت صلة التنظيم ببعضها مقتصرة على البيعة عن بعد، ولم يصل رسل البغدادي إلى معظمها، حيث لم يتمكن التنظيم حتى الآن من إرسال موفد إلى الجزائر، بينما تم اعتقال موفده إلى الصحراء الكبرى في مدينة درنة بالشرق الليبي “

كما تعتبر تلك الهجمات نوعا من المناورة يهدف إلى بث الرعب في نفوس العسكريين ورجال الأمن التونسيين والتهيئة ربما لعمليات أخرى من هذا القبيل تهدف إلى تغييب حالة الأمن في المناطق الحدودية والزج بها في أتون الاضطرابات، استعدادا لبسط السيطرة عليها مستقبلا، أو تعزيزا للحضور فيها على الأقل على المديين القريب والمتوسط.
وهو أمر إن تحقق سيكون التنظيم بموجبه قد اصطاد عصافير عديدة بحجر واحد، منها بدء تحقيق مشروع “ولاية القيروان” التي راودت قادة التنظيم خصوصا من التونسيين الذين يرون في أنفسهم قيادات مقصرة بعد فشلهم ـ بخلاف الليبيين ـ في استغلال حالة الارتخاء الأمنية التي أعقبت مرحلة الثورة على الرئيس الأسبق بن عالي، وحالة الاضطراب السياسي خلال الفترة الأخيرة من حكم الترويكا، التي رافقتها احتجاجات وعمليات اغتيال، ويتطلعون إلى “فتح” جديد للقيروان يضاهي فتح “عقبة بن نافع”، ويحاكيه في الولاء لـ”خلافة إسلامية” في المشرق العربي.

توسع جغرافي
وتدخل عمليات التوسع التي يخطط لها تنظيم الدولة الإسلامية في شمال أفريقيا، أو ما يسميه “فتوحات أفريقية” ضمن إستراتجية تهدف إلى تشتيت جهود محاربيه بعد وصول عدد من القوات الغربية إلى مناطق مختلفة في ليبيا، وتنفيذ غارات استهدفت معسكرات تابعة له، وذلك بفتح جبهات جديدة للقتال وتوسيع دائرة استهداف مصالح الدول التي يعتبرها التنظيم جزءا من “المؤامرة الكبرى ضد الإسلام”.

هذا فضلا عن محاولة ربط الصلة الجغرافية أو التقريب قدر المستطاع بين فروعه في مصر (ولاية سيناء) وليبيا (ولايات برقة، وفزان وطرابلس)، وجند الخلافة في الجزائر (المنطقة الوسط سابقا في قاعدة المغرب الإسلامي)، وأتباعه في الصحراء الكبرى وشمال مالي (جماعة أبو الوليد الصحراوي)، وولاية غرب أفريقيا (جماعة بوكو حرام سابقا).

وكلها فروع ما زالت صلة التنظيم ببعضها مقتصرة على البيعة عن بعد دون تحديد آليات ووسائل عملها كفروع للتنظيم، ولم يصل رسل “البغدادي” الذين عادة ما يتم اختيارهم من بين قيادات التنظيم من الصف الأول وأحيانا الصف الثاني في العراق وسوريا إلى معظمها، حيث لم يتمكن تنظيم الدولة الإسلامية حتى الآن من إرسال موفد إلى الجزائر بعد حصوله على بيعة منشقين عن القاعدة هناك، بينما تم اعتقال موفده إلى الصحراء الكبرى في مدينة درنة بالشرق الليبي (أردني الجنسية)، خلال مواجهات بين أنصار تنظيم الدولة الإسلامية ومجلس شورى مجاهدي درنة.

محمد محمود أبو المعالي

المصدر : الجزيرة