تفجيرات بروكسل واختبار القيم الأوروبية

تفجيرات بروكسل واختبار القيم الأوروبية

441

“لا شيء سيكون مثل السابق”، هذا ما أكدته عناوين صحف بلجيكية عقب التفجيرات التي هزت قلب أوروبا، فما حدث في صباح الثلاثاء الماضي وضعها أمام بداية عهد جديد، وأصبحت القارة العجوز أمام تحديات أمنية عدة، واختبارات صعبة لقوتها في الحفاظ على قيمها المعلنة بالحرية واحترام حقوق الإنسان.

أوروبا التي تكرر استهدافها في أشهر قليلة بتفجيرات ضربت باريس وبروكسل، يقض مضجعها اليوم أكثر من سؤال ملح عن محاربة الإرهاب الذي بات قريبا أكثر مما هو متخيّل، ومهددا لأمنها أكثر من أي وقت مضى.

حرب طويلة كما تصفها قراءات الكتاب والمحللين، نابعة من يقين بأن التهديد الإرهابي سيستمر، مقابل تشكيك في مدى حفاظ المجتمعات الديمقراطية الأوروبية على ثوابتها.

“هجوم على مجتمعنا الديمقراطي المنفتح” هكذا وصف قادة أوروبا هجوم بروكسل عقب ساعات من حدوثه، مع الإقرار باستهداف أوروبا وقيمها الديمقراطية.

وفي وجه التهديدات المتلاحقة بدا القادة مصممين على الدفاع عن القيم الأوروبية والتسامح (الأوروبي) في وجه هجمات أعداء التسامح، حسب وصفهم، مؤكدين وحدتهم ضد الكراهية والتطرف العنيف والإرهاب.

تهديد وتدمير
فالتهديدات المعقدة، كما يصفها رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الفرنسي مانويل فالس، تستهدف الحرية والديمقراطية وسيادة القانون.

أما فالس فناشد كل المؤسسات والعواصم الأوروبية التنبه ووعيَ جدية الخطر الذي يحيق بالقيم الأساسية للاتحاد الأوروبي.

ولم يحد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عن هذا المنحى، وقال في كلمة أمام البرلمان الأوروبي “نواجه تهديدا إرهابيا مشتركا.. بريطانيا وبلجيكا تتشاركان في قيم الحرية والديمقراطية نفسها، الإرهابيون يريدون تدمير كل ما يمثله بلدانا، ولكننا لن نسمح لهم أبدا”.

وزيرة خارجية السويد مارغوت فالستروم دعت بدورها إلى رفض محاولات تدمير هذه القيم للمحافظة على الانفتاح والديمقراطية.

على المحك
وتضع الهجمات التي استهدفت أوروبا على المحك قيمَ احترام الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية والمساواة، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وحقوق الأشخاص المنتمين إلى الأقليات.

صحيفة الغارديان البريطانية أكدت في افتتاحيتها أمس على أهمية محافظة بلجيكا وشركائها الأوروبيين على بعض الموضوعية وهدوء الأعصاب، لأن الحقوق والقيم التي تقرها أوروبا ستُختبر بالطريقة التي تواجه بها مجتمعاتها هذه الجماعات التي تريد أن تزرع الموت والفرقة بينهم.

أما صحيفة “فايننشال تايمز” فأكدت أن بروكسل ليست مجرد عاصمة بلجيكا ولكنها عاصمة الاتحاد الأوروبي الذي يتم تحديه لإظهار مرونته في مواجهة ما سيكون صراعا قبيحا.

وشددت الصحيفة على “أهمية تأكيد الاتحاد الأوروبي والغرب على ماهية القيم التي يدافعون عنها، والابتعاد عن الكلام المتعجرف غير المحسوب”، مستعرضة مواقف كل من المرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة الأميركية دونالد ترامب وزعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي المتطرف مارين لوبان.

دعوات ومبررات
وكان ترامب دعا إلى إغلاق الحدود الأميركية عقب وقوع تفجيرات بروكسل. أما لوبان فقد دعت البلدان الأوروبية للعودة إلى “حدودها الوطنية”، مبررة الدعوة لمداهمات بوليسية مسلحة واسعة النطاق.

وحسبما استخلصته الصحيفة البريطانية فإن دعوات ترامب ولوبان تقوض مجتمعات أوروبا المنفتحة والقائمة على أساس من الحريات الفردية والجمعية والتسامح الديني، فـ”داعش وأخواتها يتعلمون كيف يمزقون نسيج التحضّر الأوروبي.. وعلى الأوروبيين أن يعملوا على تقوية جبهة هذا التحضر، لا أن يقوموا بعمل الجماعات الإرهابية نيابة عنها”.

وفي مواجهة تحدي الحفاظ على الأمن ومحاربة الإرهاب دون المس بالحريات والقيم الإنسانية، يجد قادة أوروبا أنفسهم أمام اختبار صعب، وهو اختبار سيتأثر حتما بما قد يحمله قادم الأيام من تطورات.

إيمان مهذب

الجزيرة نت