عن صعود «داعش» في المشهدين السوري والعراقي

عن صعود «داعش» في المشهدين السوري والعراقي

ثمة كثير من الغموض، والتعتيم، بشأن طبيعة تنظيم «داعش»، وعوامل صعوده، وموارده المالية والتسليحية، واستهدافاته، بيد أن هذين، أي الغموض والتعتيم، يفتحان المجال على أسطرة هذا التنظيم، من ناحية، والذهاب نحو التفكير بالمؤامرة، من ناحية ثانية، علماً أن الأسطرة والتفكير بالمؤامرة لا يفيدان في فهم طبيعة هذا التنظيم، وتوظيفاته، وأسباب صعوده، فضلاً عن انهما جزءاً من الصنعة، أو اللعبة، التي يشترك فيها أطراف عدة. لا تحتاج محاولة فهم ما يحصل إلى تصفّح دفاتر هذا الداعية الجهادي او ذاك، لأن هذه الدفاتر موجودة من زمان، بيد أنها ظلت حبيسة الأدراج والغرف والعقول المغلقة، فضلاً عن ان البيئات الشعبية، وضمنها البيئات المتدينة «السنّية»، أثبتت باستمرار عدم تقبّلها للادّعاءات التكفيرية المتطرّفة، مع ملاحظة عدم قابلية «السنّة» تاريخياً للتحول إلى طائفة متمحورة على ذاتها. فوق ذلك فقد بيّنت تجربة السنوات القليلة الماضية أن البيئات المحسوبة على «السنّة» لم تكن طوع تيارات الإسلام السياسي، بكل تلاوينها، على ما بينت حوادث مصر وتونس، ثم سورية والعراق، إذ أن هذه البيئات بدت المتضرر الأكبر من تنظيم «داعش»، فهي قتلت منهم أكثر من أي بيئة اخرى، كما أنهم تحديداً هم من أخذ على عاتقه مقاتلة هذا التنظيم. الفكرة أن ثمة ظروفاً أدت، ومكّنت، تنظيم «داعش»، من البروز والصعود، في هذه المرحلة، لأننا هنا نتحدث عن تنظيم مسلح، ما يعني أنه يحتاج إلى موارد مالية، وتسليح كبير، وإمدادات منتظمة، ونوع من تسهيلات في الحركة، وكلها تحتاج إلى موافقة أطراف دولية وإقليمية متعددة، مع وجود توظيفات سياسية متباينة. طبعاً ليس القصد أن «داعش» مجرد تنظيم عميل لهذه الدولة او تلك، وإنما القصد فهم الواقع الذي سمح له بالبروز والتصدر، وفهم الاستخدامات المتعددة له، والديناميات التي يتحرك ويتوسع على أساسها. بمعنى ان لدينا شقين في فهم «داعش»، اولهما، يتأتى من العوامل الدولية والاقليمية التي تتيح، أو تقيد، حركتها. وثانيهما، يتأتى من محاولتها استثمار التناقضات الدولية والإقليمية، والفراغات الأمنية والسياسية في المشهدين العراقي والسوري.

في العراق، مثلاً، تصدرت «داعش» المشهد بعد تطوّر الحراكات الشعبية، التي نهضت ضد سياسات الإقصاء والفساد والاتباع (لإيران)، التي انتهجها نوري المالكي بإصرار مكشوف ومريب، إبان رئاسته الحكومة (2006-2014)، علماً انه يحتل اليوم منصب نائب الرئيس. وللتذكير فإن هذه الحراكات، التي كانت تطالب بإنهاء سياسة التهميش والإقصاء، وتعديل الدستور، وتعزيز الشراكة في الحكم، بالوسائل السلمية، ووجهت بالرفض المطلق، والغطرسة، والعنف، إذ تم فضّ الاعتصام السلمي في ساحة الرمادي، الذي كان يضم احياناً مئات الألوف، واستمر نحو عام كامل، بهدم خيام المعتصمين وتفريقهم بقوة السلاح، (30/12/ 2013).

بعد ذلك، بالضبط، ظهر «داعش»، أو تم تسهيل ظهورها كبديل، في رسالة توخّي منها نزع شرعية الحراكات الشعبية، ووصمها بالإرهاب، وتبرير السياسات الطائفية الاقصائية، وأيضاً ابتزاز البيئات الشعبية «السنّية»، وحصر تمثيلها بتنظيم «داعش». هكذا احتل «داعش» (حزيران/يونيو 2014)، أي قبل عام، فجأة محافظة نينوى وعاصمتها الموصل، في ما يشبه الاستلام والتسليم، إذ استلم البلد كاملة مع العفش (السلاح والمال)، بعد تهريب الجيوش التي صرف على تدريبها وتسليحها البلايين. وهو ما تكرر مؤخراً في سيطرة «داعش» على محافظة الأنبار وعاصمتها الرمادي، ما دفع وزير الدفاع الاميركي، والبنتاغون، لإبداء الغضب واعتبار ان ما جرى يثير الشبهة والتصريح بأن الجيش العراقي يفتقد لإرادة القتال.

اللافت أن النتيجة التي توصل إليها النظام العراقي هي الدعوة على انشاء ما يسمى «الحشد الشعبي»، أي استبدال الجيش بوصفه موسسة للدولة، بنوع من ميليشيا طائفية مسلحة، في تعميم لظاهرة «حزب الله» في لبنان، التي يجري فرضها، أيضاً، في سورية باسم قوات «الدفاع الوطني»، وفي اليمن باسم «انصار الله». قد يجدر هنا التذكير بحيثيتين، أولاهما، أن «داعش»، وهي النسخة «القاعدية» للعراق كما ظهرت مع أبو مصعب الزرقاوي في إطاري «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، و «هيئة شورى المجاهدين»، وجدت ملاذاً لها في إيران بعد الغزو الأميركي لأفغانستان (2002)، ما يعني أن ثمة تبادل خدمات بين إيران و «القاعدة».

الثانية، أن عديداً من قادة نظام صدام السابق كانوا لجأوا إلى سورية، وهو امر مستغرب في ظل العداء التاريخي الذي ظل مستعراً لعقود بين النظامين، وهذا يلقي الضوء على الدور السوري في تسهيل العمليات «الجهادية» في العراق ضد الغزو الاميركي، وقيام نوع من التوظيف المتبادل بين بقايا النظام العراقي السابق والنظام السوري. هذا يذكر باستخدام أنظمة صدام والأسد والقذافي لتنظيم «فتح المجلس الثوري» (جماعة ابو نضال)، وتفريخ النظام السوري لتنظيم «فتح الاسلام» في طرابلس، وعديد من الجماعات الإسلامية المتطرفة، ناهيك عن قصة ميشال سماحة، الذي كلف من هذا النظام بتنظيم تفجيرات في لبنان. فقط يجدر التمييز هنا بين الجماعات التي تشتغل كمجرد اداة، وبين الجماعات المسلحة التي تشتغل في اطار الاستثمار او التواطؤ المتبادل، هذا ما ينطبق على «داعش». طبعاً توظيف «داعش»، شمل تركيا، أيضاً، بعد أن باتت في قلب الصراع على الشرق الأوسط، ولصد تزايد نفوذ إيران، وهذا ما يمكن فهمه من غض النظر عن نشاط هذا التنظيم عبر الحدود التركية، باعتبار ان ذلك قد يخدم مشروعها للحد من الطموحات القومية الكردية، وايضاً دفع الأوضاع نحو الانفلاش، والخروج من حدود قدرة إيران على التحكم، والاستثمار، وهو ما يتمثل بتوسع «داعش»، في المجالين العراقي والسوري، كما ظهر مؤخراً. وربما ان ذلك ينطبق على الولايات المتحدة، فهي أيضاً يمكنها ان تضع حداً لنمو نفوذ «داعش»، لكنها لا تفعل ذلك، بقدر ما تريد مرمطة كل من روسيا وإيران في المشهدين العراقي والسوري، وجرهما الى الاملاءات الاميركية، في مختلف الملفات المطروحة، مع الأخذ في الاعتبار ان هذه السياسة تتلاقى مع المصلحة الإسرائيلية في إضعاف المشرق العربي، ما يفسر الاستنكاف الدولي والاميركي عن وضع حد للمأساة السورية والعراقية.

هكذا فما جرى في العراق يضيء على ما يجري في سورية، فالنظام السوري لم يستهدف «داعش» قط، ولا سيما بالقصف بالبراميل المتفجرة، منذ استيلائها على الرقة (2014)، وهي التي سلمت تسليماً قبل ذلك بأشهر لـ «جبهة النصرة»، قبل انفكاكها عن «داعش». ومعلوم أن هذا الأمر تكرر في تسليم تدمر، مؤخراً، علماً ان قوافل «داعش» السيارة كانت انتقلت مسافة أكثر من 250 كلم من الرقة إلى تدمر، في فضاء صحراوي مكشوف، من دون ان تطلق عليها رصاصة واحدة، في حين أن البراميل المتفجرة كانت تلقى على كفر عويد وعندان وحلب، وفي حين المعارك على أشدها مع الجيش الحر او الجماعات الاخرى المسلحة في ادلب والقلمون ودرعا. وعملياً فإن، النظام وحلفاءه، مثل «حزب الله»، لم يخوضوا معركة واحدة على اية جبهة مع «داعش»، فهم من الناحية العملية كانوا يقاتلون معها، كل في جبهته، «الجيش الحر» و «جيش الفتح». وأكثر ما يثير الاستغراب هنا ان نصر الله، زعيم «حزب الله»، يطالب الولايات المتحدة ان تقاتل «داعش»، فيما حزبه لم يفعل ذلك، البتة، وفيما النظامان السوري والعراقي، يسلمان المناطق تلو الأخرى لهذا التنظيم، لابتزاز السوريين والعراقيين، وابتزاز العالم، وإظهار ان ليس ثمة بديل في سورية والعراق، عن الموجود، سوى «داعش»! هذه هي اللعبة حتى الآن، وهذه هي قواعد الصراع، لكن لا شيء يقيني بشأن قادم الأيام، فالانفجارات يمكن تدبيرها، لكن يصعب السيطرة عليها او التحكم بمآلاتها.

ماجد كيالي

الحياة