النفوذ الإيراني في العراق: ما بين فرض التوازن والسير على خطى «حزب الله»

النفوذ الإيراني في العراق: ما بين فرض التوازن والسير على خطى «حزب الله»

“في 28 أيار/مايو، خاطب مايكل نايتس، فيليب سميث، وأحمد علي منتدى سياسي في معهد واشنطن. ونايتس هو زميل ليفر في المعهد ومؤلف الدراسة باللغة الانكليزية “الطريق الطويل: إعادة تفعيل التعاون الأمني ​​الأمريكي في العراق”. وسميث هو باحث في جامعة ميريلاند، ورئيس تحرير المدونة “موكب «حزب الله»” “Hizballah Cavalcade” من على موقع Jihadology.net، ومؤلف الدراسة الأخيرة التي أصدرها المعهد باللغة الانكليزية بعنوان “حركة الجهاد الشيعي في سوريا وآثارها الإقليمية”. وعلي هو محلل لشؤون العراق وزميل زائر أقدم في “مركز التعليم من أجل السلام في العراق” (EPIC). وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم.”

مايكل نايتس

في حزيران/ يونيو 2014 رسّخت «وحدات الحشد الشعبي» أقدامها كقوات قتالية فعّالة في العراق. وقد برزت هذه «الوحدات» الشيعية في أعقاب فتوى أطلقها آية الله علي السيستاني في حزيران/يونيو 2014 دعت إلى الجهاد الدفاعي ضد ما يسمّى بـ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية». ولاحقاً أضفى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الشرعية على هذه «الوحدات»، من خلال تأسيس “لجنة” شبه عسكرية ترعاها الدولة تسمى «وحدات التعبئة الشعبية». وعلى الرغم من أن هذه «الوحدات» غالباً ما تعمل بشكل مستقل، إلا أنه من غير الدقيق تسمية «وحدات الحشد الشعبي» بالمليشيات لأنها تشكل جزءاً من القيادة المشتركة لـ “قوات الأمن العراقية”.

من الناحية الفرضية، يتولى العبادي القيادة الرسمية على هذه «الوحدات» وتخضع السيطرة عليها من خلال مستشار الأمن القومي العراقي فالح الفياض. لكن عملياً، يتم التحكم في هذه «الوحدات» إلى حد كبير من قبل الجماعات السياسية المدعومة من إيران في العراق مثل «منظمة بدر»، وفي النهاية من قبل «قوة القدس»، التي هي فرع من «فيلق الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني. كما أن بعض عناصر «وحدات الحشد الشعبي» حاربت ضد القوات الأمريكية خلال حرب العراق ولم تُدرج في سياق الحملة ضد «داعش» سوى في أعقاب فتوى السيستاني. وفي الوقت نفسه، لعبت هذه «الوحدات» دوراً حاسماً في استعادة السيطرة على الأراضي من قبضة تنظيم «الدولة الإسلامية»، علماً أن عدداً كبيراً من “قوات الأمن العراقية” متمركزاً في حالة دفاعية حول بغداد. وتعمل «وحدات الحشد الشعبي» بمثابة قوة ضاربة متنقلة، مما يضاعف في الواقع من الإمكانات الهجومية المتاحة أمام العراق. ويشكّل ذلك معضلة بالنسبة لواشنطن، حيث أن العديد من المقاتلين في صفوف «وحدات الحشد الشعبي» لا يزالون من المعادين للولايات المتحدة.

وفي الصيف الماضي، وبعد سقوط الموصل وجزء كبير من شمال العراق، منعت «وحدات الحشد الشعبي» وقوع المزيد من الخسائر في الأراضي لصالح تنظيم «داعش». وفي الخريف بدأت عمليات التصفية لاستعادة الأراضي في مناطق مثل تكريت وقرية آمرلي. وكانت هذه «الوحدات» أقل فعالية في معارك الاستنزاف، حيث تطلبت دعم القوات الاتحادية لدحر تنظيم «الدولة الإسلامية» من الأحياء الحضرية لتكريت. وفي حين تتصرف هذه «الوحدات» بطريقة غير إنسانية في بعض الأحيان، إلا أنها تتمتع بسمعة بأنها تنجز المهام التي تعمل عليها. ففي بعض المناطق، تقوم بتطهير بعض المناطق التي يتواجد فيها تنظيم «داعش»، وتتخلص من الإداريين السنّة، وتمنع السكان السنّة النازحين من العودة [إلى ديارهم]، وربما يأتي ذلك كجزء من جهد أكبر لتغيير التركيبة السكانية للمناطق التي لطالما كانت ذات غالبية سنية، ولاستباق قيام تمرد آخر شبيه بـ تنظيم «الدولة الإسلامية». وفي مناطق أخرى تشتبك «الوحدات» مع القوات الكردية والسنية وتخلق مناطق عازلة لحماية الشيعة. وفي جنوب العراق، تقوم «وحدات الحشد الشعبي» بسد الفراغ الذي تركه انسحاب “قوات الأمن العراقية” وتمنع محاولات ردم الهوة التي خلفتها هذه «الوحدات» الاتحادية المغادرة.

وتشمل «وحدات الحشد الشعبي» ما بين 60 ألف و 90 ألف مسلح يعملون على أساس من التناوب. وهم قادرون على العمل مع السنّة، لا سيما في المناطق السنّية فقط. كما يتم دعم نخبة عناصر هذه «الوحدات» من قبل «الحرس الثوري» الإيراني و «حزب الله» اللبناني، وهي الجهات التي تزودها بالمعلومات الاستخباراتية، والمستشارين، والخدمات اللوجستية، والأسلحة. إن ذلك يمنحهم ميزة على “قوات الأمن العراقية”، على الرغم من أن «وحدات الحشد الشعبي» ككل منتشرة بشكل غير مكثّف إلى حد ما في الوقت الراهن. أما خراج إطار القتال، فتكتسب هذه «الوحدات» نفوذاً شعبياً، ويمكن أن تصبح قوة سياسية كبرى، مع استفادة أعضائها من ارتباطهم بالنجاحات الميدانية.

يبدو أن أمام «وحدات الحشد الشعبي» مسارين محتملين على المدى الطويل. إذ يمكنها أن تصبح قوة عابرة للطوائف تعمل على غرار «الحرس الوطني»، أو بإمكانها أن تصبح قوة عسكرية موازية على غرار «الحرس الثوري» الإيراني، وتعمل كقوة أمنية شيعية دائمة تقوض “قوات الأمن العراقية” وترفض الدعم الغربي. وسيتحقق أي من هذه النتائج اعتماداً على ما إذا كانت مختلف جماعات «وحدات الحشد الشعبي» ستتعاون مع بعضها البعض أو تتنافس فيما بينها، وعما إذا كانت تتطلع إلى قيادة العبادي والحكومة العراقية أو إلى طهران.

فيليب سميث

ينبغي إيلاء المزيد من الاهتمام لأنشطة التطهير العرقي التي تقوم بها «وحدات الحشد الشعبي». فمثل هذه الحوادث تحدث إلى حد كبير في جميع أنحاء بغداد، حيث تم طرد معظم السنّة، وكذلك في ديالى والممر الممتد من بغداد إلى سامراء. ويقوم التركيز الحالي لهذه الأنشطة على خلق طوق حماية حول العاصمة. وبالتالي فإنها تشبه المجازر التي وقعت في لبنان بين عامي 1975 و 1978، حين كان الهدف هو حماية خطوط الاتصالات التي طوّقت منطقة العاصمة وربطت المناطق الحضرية مع الريف.

أما بالنسبة إلى الدور الإيراني، فبينما يمكن للمرء أن يجد العديد من الصور لمركبات تابعة لـ «وحدات الحشد الشعبي» مزينة بصور السيستاني (الذي لطالما كانت علاقته مع طهران متوترة)، فقد يكون ذلك جزءاً من محاولة مستوحاة من إيران لاستمالة صورته وأتباعه لأغراض أخرى. وينظر السيستاني إلى «وحدات الحشد الشعبي» على أنها عنصر أساسي في القتال ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، لكنه يستمر في الضغط عليها. على سبيل المثال، في الفتوى التي أصدرها في حزيران/يونيو 2014، دعا الشيعة إلى الانضمام إلى القوات المسلحة العراقية، وليس إلى الميليشيات، كما أن ممثليه كانوا قد طلبوا من المقاتلين “رفع العلم العراقي” بدلاً من [الترويج] باللافتات الميليشياوية ورفعها. (وقد استجابت بعض الجماعات من خلال خياطة الشعارات الميليشياوية على الأعلام العراقية).

إلى جانب ذلك، كانت طهران تشجع قيام تحالفات رمزية عابرة للطائفية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» من خلال إنشاء ميليشيات صغيرة من الأقليات داخل صفوف «وحدات الحشد الشعبي». ومن الأمثلة على ذلك، الجماعات المسيحية «كتائب بابليون» و «كتائب روح الله عيسى بن مريم»، فضلاً عن الفصائل السنية الأصغر حجماً. وقد تم تشكيل هذه الميليشيات لخلق وجه غير طائفي لـ «وحدات الحشد الشعبي» وتوسيع النفوذ الإيراني خارج قاعدة إيران الشيعية التقليدية. بيد أن التوترات القائمة بين «وحدات الحشد الشعبي» الشيعية ما زالت تطرح مشكلة بالنسبة لطهران. ففي الشهر الماضي، على سبيل المثال، هاجمت جماعة «كتائب حزب الله» مكاتب «المجلس الأعلى الإسلامي العراقي» في البصرة. بالإضافة إلى ذلك، رفض الزعيم الشيعي مقتدى الصدر دعم الجهاد في سوريا، مما دفع بإيران إلى تشكيل «وحدات حشد شعبي» تركز على سوريا تدّعي أنها تنتمي إلى “التيار الصدري” من أجل خلق تصوّر بأنه يؤيد الكفاح في الأراضي المجاورة. وقد أدّى ذلك إلى إجبار الصدر على التخلي عن أي اتصال مع هذه الجماعات.

أحمد علي

وصل النفوذ الإيراني في العراق إلى أعلى مستوياته منذ عام 2003. وقد بدأ هذا التأثير في عام 1981 مع تشكيل «المجلس الأعلى الإسلامي العراقي» و «فيلق بدر»، وبلغ ذروته الحالية بسبب النجاحات الميدانية التي يحققها تنظيم «الدولة الإسلامية» والانتشار الإيراني اللاحق لمواجهتها. وجاءت «وحدات الحشد الشعبي» كنتاج لهذا الانتشار، على الرغم من أنه تجدر الإشارة إلى أنه تمت تعبئتها للقتال في سوريا حتى قبل فتوى السيستاني، لتعود إلى العراق في أوائل 2014 لمحاربة تنظيم «داعش» الذي استعاد نشاطه.

وفي حين يتعين على الولايات المتحدة أن تكون واقعية حول ما يمكنها تحقيقه في العراق، إلا أن نفوذ طهران نفسها هناك محدود ذاتياً في كثير من الأحيان، وأن «وحدات الحشد الشعبي» تعكس هذه القيود. وفي الوقت الراهن تسيطر إيران إلى حد كبير على هذه «الوحدات»، ولكن العبادي يكافح لتولي السيطرة عليها أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، لدى العديد من هذه «الوحدات» أصول وأهداف وأيديولوجية مختلفة، لذا فإن المنافسة بينها أمراً لا مفر منه. وفي الوقت الراهن، لا يهتم معظم العراقيين بالخطر الاستراتيجي المتجلي في الاعتماد على «وحدات الحشد الشعبي» لأن التهديد الذي يطرحه تنظيم «الدولة الإسلامية» هو تهديد وجودي، ولأن القدرات المتوفرة من خلال هذه «الوحدات» ضرورية. بيد أنه من الواضح أن السنّة العراقيين لا ينظرون إلى الميليشيات بنفس النظرة التي ينظر إليها الشيعة – وفي الحقيقة، يعتقد الكثيرون بأن «وحدات الحشد الشعبي» وتنظيم «الدولة الإسلامية» يشكلان مُعضلة مساوية. فالسنّة قلقون بشكل خاص من أنشطة هذه «الوحدات» في المجتمعات المختلطة حول بغداد وديالى، على الرغم من أن القبائل السنية كانت في بعض الأحيان تعتمد على حماية «وحدات الحشد الشعبي» من تنظيم «داعش» بدافع الضرورة.

وفي شمال العراق، ظهرت «وحدات الحشد الشعبي» باعتبارها القوة الوحيدة المتاحة لحماية السكان المحليين لأن “البيشمركة” الكردية اختارت أن لا تعمل في مناطق شيعية معينة حيث لن تكون موضع ترحيب (على سبيل المثال، تلعفر). والأمر نفسه ينطبق على المناطق التي أثبتت العشائر السنية فيها أنها غير مستعدة للوقوف في وجه تنظيم «الدولة الإسلامية»، على الأقل في الوقت الراهن.

وقد رسّخت «وحدات الحشد الشعبي» أقدامها في العراق من خلال قيامها بعمليات تجنيد كبرى، وجمع الأموال، وغيرها من الأنشطة؛ وفي حين قد لا تكون مؤثرة للغاية على المدى الطويل، إلا أنها ستكون جزءاً من المشهد السياسي للسنوات القادمة. وفي الماضي، لم تُبلي الميليشيات بلاءً حسناً في الانتخابات كما كان متوقعاً، لكنها ستستمر في منافسة بعضها البعض للحصول على مقاعد برلمانية. وتميل «وحدات الحشد الشعبي» أيضاً إلى المبالغة في قوتها وتتمتع بسمعة مرتبطة بالعنف الداخلي، الأمر الذي يحوّل مشاعر الرأي العام ضدها.

وفي المستقبل، سيكون السيستاني شخصية مهمة في مراقبة هذه الفصائل المتنافسة وتقييدها، على الرغم أنه من غير الواضح ما الذي سيحصل بعد رحيله.

وبغض النظر عن هذه المخاوف، لن يخضع العراق [للقوى التي تريد] السير في خطى «حزب الله». فالدولة العراقية قوية نسبياً، ويتم إجبار «وحدات الحشد الشعبي» على العمل ضمن إطار هذا النظام. فالبلاد تضم تنوعاً سياسياً واسعاً للغاية [وتحذر] أن لا تشهد تنافساً كبيراً تسيطر فيه جماعة مسلحة واحدة على غرار سيطرة «حزب الله» في لبنان.

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أنه إذا تم طرد تنظيم «الدولة الإسلامية» من العراق في نهاية المطاف، فإن العديد من الميليشيات الشيعية العراقية ستعود على الأرجح إلى سوريا لاستئناف جهودها في دعم نظام الأسد.

مايكل نايتس, فيليب سميث, و أحمد علي

معهد واشنطن