الميليشيات الشيعية تستكمل تبديد وهم ضبط فوضى السلاح في العراق

الميليشيات الشيعية تستكمل تبديد وهم ضبط فوضى السلاح في العراق

محاولة رئيس الوزراء العراقي الأخيرة إخضاع الميليشيات المسلّحة لسلطة الدولة جاءت بنتيجة عكسية تماما لما كان يتوقّع منها، حيث أثبتت بشكل نهائي أن ضبط فوضى السلاح في العراق والاحتفاظ بقوات مسلّحة وحيدة وموحّدة مجرّد وهم، وأنّ للميليشيات سلطة فعلية تفوق أحيانا سلطة الدولة بحدّ ذاتها.

بغداد – استكملت الميليشيات الشيعية في العراق تبديد وهم ضبط فوضى السلاح بالبلد وإخضاع جميع الفصائل المسلّحة لسلطة الدولة، وذلك بعد أن تجاهلت تلك الفصائل مهلة شهر كان قد منحها لها رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلّحة عادل عبدالمهدي للاندماج الكامل في القوات النظامية وإخلاء نقاط التفتيش والحواجز التي تقيمها في مناطق سيطرتها.

وبعد شهر كامل من نهاية المهلة المذكورة آخر يوليو الماضي لا تزال رايات اللواء 30، إحدى الميليشيات المشمولة بقرار عبدالمهدي، تشاهد عن بعد وهي ترفرف فوق الحواجز الأمنية المؤدية إلى مدينة الموصل مركز محافظة نينوى بشمال العراق.

ويؤكد رفض الفصيل المذكور التخلي عن مواقعه على الجانب الشرقي من الموصل وقيامه بقطع الطرق احتجاجا على القرار، الصعوبات الشديدة التي تواجهها بغداد في إثبات سلطتها على الميليشيات المدعومة من إيران وقدرتها على منعها من إثارة المزيد من القلاقل في منطقة تشهد تنافسا أميركيا إيرانيا شرسا على النفوذ.

وقد حذّرت واشنطن هذا العام من أنها ستتحرك ضد الفصائل المدعومة إيرانيا إذا ما أخفقت بغداد في إخضاعها لسيطرتها، كما فرضت عقوبات على فصائل وقادتها بمن فيهم وعد القدو قائد اللواء 30.

وتزايدت التوترات في الشهر الأخير عندما تردد أن ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مستودعات أسلحة وقواعد للميليشيات في غرب العراق ووسطه. وألمحت إسرائيل إلى أنها ضالعة في تلك الهجمات لكنها لم تعلن مسؤوليتها عنها صراحة. وامتنع الجيش الإسرائيلي عن التعليق.

وفي المقابل تتهم الفصائل الولايات المتحدة بمساعدة إسرائيل على مهاجمة مواقعها كما أنها هددت برد انتقامي. وتنفي وزارة الدفاع الأميركية ضلوعها في الهجمات. ولم ينشر أي دليل يؤيد ما يردده أي من الجانبين.

وقد أدى التنافس بين طهران وواشنطن إلى توتر المنطقة هذا العام. فقد تعرضت ناقلات نفط في الخليج للهجوم وقصفت إسرائيل حلفاء لإيران في سوريا. ويقول مسؤولون عراقيون ومحللون إن من المحتمل أن يقع المزيد من أعمال العنف إذا لم يستطع العراق لجم الميليشيات التي يتجاوز عدد أفرادها 100 ألف مقاتل.

ففي مناطق من محافظة صلاح الدين الواقعة شمالي بغداد لا تزال رايات بعض الميليشيات ترفرف عند الحواجز الأمنية ويتولى أفراد الفصائل إدارة حواجز على طرق في محافظة الأنبار المجاورة.

وتهيمن الجماعات المسلحة على الأمن المحلي في بعض المدن والبلدات في مختلف أنحاء العراق لاسيما في الأراضي التي كانت تخضع في السابق لسيطرة مقاتلي تنظيم داعش. ومن ناحية أخرى يشغل حلفاء لهذه الفصائل مقاعد في البرلمان ويمارسون سلطات سياسية عمّقت سطوة الميليشيات على الحكومة.

وقال جاسم البهادلي المحلل الأمني في بغداد لوكالة رويترز “رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي فشل في حمل فصيل صغير على ترك مواقعه قرب الموصل. وهذا يطرح السؤال: ما الذي يمكن أن يفعله مع جماعات أقوى تساندها إيران؟”.

وكان عبدالمهدي قال في مقابلة مع صحافيين محليين تم بث وقائعها يوم التاسع من أغسطس الجاري إن اندماج الفصائل في القوات المسلحة أمر معقّد وسيستغرق وقتا أطول.

ولعبت قوات الحشد الشعبي، وهي المظلة التي تنضوي تحت لوائها فصائل شيعية في أغلبها تحظى بدعم إيراني، دورا رئيسيا في إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش وأصبحت العام الماضي من الناحية الرسمية، ولكن بصفة شكلية، جزءا من القوات المسلحة التي تأتمر بأمر رئيس الوزراء.

وتقول مصادر أمنية ومحللون إن نفوذ الميليشيات في بغداد يتنامى من خلال تعيينات جديدة في مناصب عسكرية كبرى. ففي الشهر الجاري عين قائد أحد فصائل الحشد الشعبي مفتشا عاما لوزارة الدفاع.

وقالت مصادر عليمة بالتعيينات إن تقاعد قائد عمليات نينوى اللواء نجم الجبوري الحليف للولايات المتحدة في شهر مايو الماضي سهّل مقاومة مساعي الحكومة لإخضاع الفصائل لسيطرتها.

وكان عبدالمهدي قد حدد 31 يوليو الماضي موعدا نهائيا لاندماج فصائل الحشد الشعبي في القوات المسلحة بما في ذلك تسليم السيطرة على الحواجز الأمنية. وفي الشهر الماضي قال فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي إن أغلب الفصائل التزمت فعليًّا بالقرار.

ويقول محللون إن اللواء 30 يرفض التخلي عما يسيطر عليه، شأنه في ذلك شأن جماعات أخرى سيطرت على أراض في شمال العراق أثناء حربها ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية.

ويعد هذا الفصيل الذي تسيطر عليه أقلية الشبك الشيعية في العراق واحدا من عدد من الفصائل في محافظة نينوى بشمال العراق التي تسيطر على بعض قطاعات الاقتصاد المحلي.

وقال ريناد منصور الباحث في مؤسسة تشاتام هاوس “اللواء 30 اكتسب قدرا من النفوذ في الموصل. وقادته يشعرون بأنهم حققوا بعض المكاسب الهامّة خلال القتال، والآن يُطلب منهم التخلي عن الحواجز الأمنية الرئيسية”. ووضعت واشنطن في يوليو الماضي وعد القدّو قائد هذا الفصيل على قائمة العقوبات بسبب ضلوعه في الفساد وانتهاك حقوق الإنسان.

واعتراضا على المرسوم الذي أصدره عبدالمهدي قام أفراد الفصيل باستخدام جرافات في إقامة حواجز من التراب على طريق يؤدي إلى الموصل ثانية كبرى المدن العراقية وسدّ أنصاره الطرق وأشعلوا النار في إطارات في حين وقف أفراد الجيش يتفرّجون.

وفي مظهر على النفوذ السياسي الذي تتمتع به هيئة الحشد الشعبي، تفاوضت قيادة الهيئة العليا على اشتراك اللواء 30 والجيش ومسؤولين محليين في إدارة الحواجز الأمنية. وقال مؤيدون للفصيل إن التخلي عن الحواجز الأمنية قد يجعل أقلية الشبك عرضة لانتهاكات وأعمال قتل كانت الأقليات تعاني منها على أيدي عناصر داعش في الموصل ذات الأغلبية السنية العربية. وقال النائب قصي الشبكي المؤيد للحشد الشعبي “سنبقى في المنطقة لحماية أهلنا”.

ويقول نواب في الموصل إن هذه الواقعة تبين مدى السهولة التي يمكن أن يعارض بها أي فصيل الحكومة رغم ما تردده هيئة الحشد الشعبي عن خضوعها لأوامر رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلّحة. وقال النائب شيروان الدوبرداني “نينوى واقعة تحت ضغط الحشد الشعبي. فهو القوة الرئيسية في المحافظة الآن. والجيش أصبح قوة ثانوية”.

العرب

Print Friendly, PDF & Email