نظرية القتَلَة المجهولين للمتظاهرين في العراق تتهاوى

نظرية القتَلَة المجهولين للمتظاهرين في العراق تتهاوى

تتهاوى بسرعة نظرية “المسلّحين المجهولين” التي قدّمتها الحكومة العراقية لتبرير سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى بالرصاص خلال موجة الاحتجاج العارمة التي شهدها مؤخّرا عدد من مدن العراق على رأسها العاصمة بغداد. وتترسّخ في المقابل حقيقة أنّ المسلّحين الذين اعتلوا الأسطح وأطلقوا الرّصاص الحي على المحتجّين بهدف واضح هو القتل، معلومون تماما وليسوا سوى عناصر من فصائل شيعية مسلّحة.

بغداد – نُقل، الخميس، عن مسؤولين أمنيين عراقيين قولهما إن فصائل مدعومة من إيران نشرت قناصة على أسطح البنايات في بغداد خلال أكثر الاحتجاجات المناهضة للحكومة دموية منذ سنوات.

وبحسب وكالة رويترز فإن هذا الإجراء الذي لم يسبق الإعلان عنه من قبل، يسلّط الضوء على الحالة الفوضوية التي سادت الساحة السياسية في العراق وسط احتجاجات حاشدة شهدت سقوط الآلاف بين قتلى وجرحى جرّاء العنف الشديد الذي قوبل به المحتجّون.

وأصبحت هذه الفصائل عنصرا ثابتا مع تزايد النفوذ الإيراني. وأحيانا تعمل هذه القوات بالاشتراك مع قوات الأمن العراقية لكنها تحتفظ بهياكل القيادة الخاصة بها.

وقال المصدران الأمنيان اللذان نقلت عنهما الوكالة ذاتها إن قادة فصائل متحالفة مع إيران قرروا من تلقاء أنفسهم المساعدة في إخماد الاحتجاجات الشعبية على حكومة رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي الذي تحظى إدارته منذ تولت السلطة قبل عام واحد بدعم من جماعات مسلحة قوية مدعومة من إيران ومن فصائل سياسية.

وتبرّئ هذه الشهادة الأخيرة حكومة عبدالمهدي من مسؤولية توجيه أمر مباشر بقنص المتظاهرين، لكنّها تحرج رئيس الوزراء من جهة مقابلة، بعد أن روّج لعملية ضبط سلاح الميليشيات وإدخالها تحت إمرته باعتباره قائدا عامّا للقوات المسلّحة التي قال إنّها استوعبت الفصائل المنتمية إلى الحشد الشعبي. وقال أحد المصدرين الأمنيين “لدينا أدلة مؤكدة بأن القناصة كانوا عناصر من المجاميع المسلحة والذين يتلقون الأوامر من قادتهم بدلا من القائد العام للقوات المسلحة”. وتابع “إنهم ينتمون إلى فصيل مقرب جدا من إيران”.

وقال مصدر أمني عراقي آخر يحضر اجتماعات يومية لإطلاع الحكومة على الوضع الأمني إن رجالا يرتدون ملابس سوداء أطلقوا النار على المحتجين في اليوم الثالث من الاضطرابات الذي ارتفع فيه عدد القتلى من نحو ستة إلى أكثر من 50 قتيلا.

قادة كبار بالحرس الثوري الإيراني قدموا إلى العراق منذ بداية الاحتجاجات، وضباط إيرانيون شاركوا في قمع المحتجين

وأضاف المصدر الثاني أن هؤلاء المقاتلين يقودهم أبوزينب اللاّمي مسؤول أمن الحشد الشعبي، وهو تجمع معظمه من قوات شيعية شبه عسكرية مدعومة من إيران. وقال المصدر إن قائد الحشد مكلف بإخماد الاحتجاجات بواسطة مجموعة من قادة كبار آخرين لفصائل مسلحة.

ونفى أحمد الأسدي المتحدث باسم الحشد مشاركة تلك الفصائل في قمع الاحتجاجات. وقال لرويترز “لم يشارك أي من عناصر الحشد الشعبي في التصدي للمتظاهرين. لم يكن هناك أي عنصر متواجد في مناطق بغداد أثناء التظاهرات”.

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية سعد معن إن قوات الأمن لم تطلق النار مباشرة على المحتجين، واتهم عناصر وصفها “بالخبيثة” بالمسؤولية عن سقوط عدد كبير من القتلى والمصابين.

وقال معن في مؤتمر صحافي في السادس من أكتوبر الجاري إن الحكومة فتحت تحقيقا لتحديد من الذي أطلق النار على المحتجين ومن الذي أمر بذلك.

والتأكيد على عدم مشاركة قوات الأمن في العنف يتناقض على ما يبدو مع بيان سابق أصدرته الحكومة العراقية في السابع من أكتوبر وأقر باستخدام قوات الأمن القوة المفرطة وتعهد بمحاسبة المسؤولين عن العنف ضد المدنيين.

قال مسؤول بمكتب رئيس الوزراء إنّه سيكون “من المبكر إلقاء اللوم على أي من الأطراف، سواء من الحشد أو من أفراد الأجهزة الأمنية الأخرى قبل الانتهاء من التحقيق”، مضيفا “لننتظر نتائج التحقيق وسنعرف من أعطى الأوامر بإطلاق النار”.

وكان دور إيران في الرد على المظاهرات بمثابة تذكرة أخرى بنفوذها في العراق حيث أصبح عدد من قادة الفصائل السابقين أعضاء في البرلمان يدعمون التوجهات الإيرانية.

واستقرار الحكومة العراقية من مصلحة إيران التي يتزايد نفوذها في العراق منذ 2003 عندما أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بصدام حسين ألد أعداء الجمهورية الإسلامية.

ومع دخول الاحتجاجات يومها الثالث في الثالث من أكتوبر الجاري ظهر القناصة على الأسطح في بغداد. وقال مصور صحافي كان يغطي الاضطرابات قرب ساحة التحرير في بغداد بعد ظهر ذلك اليوم إنه شاهد أحد القناصة فوق سطح مبنى تحت الإنشاء يطل على المظاهرات.

واندفع المحتجون للنجاة بأنفسهم عندما فتح المسلح النار. ونقل المحتجون متظاهرا أصيب بالرصاص في رأسه بعيدا وسط حشد منهم. وبدا أن متظاهرا ثانيا أصيب في الرأس أيضا قد فارق الحياة وتم نقله على شاحنة. وعندما دق جرس هاتفه أدرك أحد أصدقائه أن شقيقه يتصل به. وقال الصديق “لا تخبره بأنه مات”. وبدأت الاحتجاجات مطلع الشهر الجاري وسط غضب شعبي من الأزمات المزمنة من نقص الوظائف والكهرباء ومياه الشرب. ويحمّل العراقيون الساسة والمسؤولين الحكوميين من مختلف الدرجات المسؤولية عن فساد مستشر حال دون انتعاش أحوال العراق بعد سنوات العنف الطائفي والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال المصدر الأمني الثاني إن القناصة يستخدمون معدات اتصال لاسلكي زودتهم بها إيران ومن الصعب تعقبها، مما يتيح للفصائل شبكة خاصة بها في الأساس.

وقال دبلوماسي في المنطقة مطّلع على عملية صنع القرار في إيران إن مجموعة من كبار القادة بالحرس الثوري الإيراني سافرت إلى العراق في اليوم الثاني للاحتجاجات والتقت بمسؤولي المخابرات والأمن العراقيين.

وقال الدبلوماسي إن ضباطا كبارا في الحرس الثوري يتمتعون بخبرة في احتواء الاضطرابات المدنية استمروا بعد الاجتماع في تقديم المشورة للحكومة العراقية لكن لم يتم نشر أي جنود إيرانيين.

وقال أحد كبار القادة في فصيل مدعوم من إيران إن طهران كانت على تواصل وثيق مع القوات التي تحاول فض المظاهرات، مشيرا إلى أن فصيله لم يشارك في الجهود التي كانت ترمي إلى وقف الاحتجاجات أو ما نتج عنها من عنف. وأضاف “بعد يومين، تدخلوا وزودوا الحكومة والمجاميع المسلحة بمعلومات استخبارية”، مؤكّدا أنّ “المستشارين الإيرانيين أصروا على أن يكون لهم دور وحذرونا من أن استمرار التظاهرات، إذا لم تتم السيطرة عليه، فإنه سيقوض حكومة عادل عبدالمهدي”.

واشنطن تطالب بتحقيق شفاف بشأن العنف في مظاهرات العراق
بغداد – حثّت الولايات المتحدة الأميركية الحكومة العراقية على إجراء تحقيق شفاف في أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات الشعبية التي شهدها العراق مؤخّرا. وجاء ذلك خلال لقاء بين مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شينكر وزعماء العراق في بغداد وأربيل، وفق ما أوردته السفارة الأميركية في بيان صدر الخميس.

وذكر البيان أن شينكر أجرى منذ الأربعاء سلسلة لقاءات في بغداد مع رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي ورئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي ومستشار الأمن القومي فالح الفياض. كما التقى خلال وجوده في أربيل مع رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني ونائب رئيس الوزراء قباد طالباني ورئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني.

وأعرب شينكر خلال اجتماعاته عن دعمه للحكومة العراقية لكنّه حثها على “إجراء تحقيق بسرعة وبشفافية في أعمال العنف التي رافقت التظاهرات الشعبية الأخيرة ومحاسبة المسؤولين عن أفعالهم”. كما عبّر المسؤول الأميركي عن “قلقه البالغ إزاء الهجمات ضد المتظاهرين وقوات الأمن العراقية ووسائل الإعلام”، مشيرا إلى أن “التظاهر السلمي حق ديمقراطي أساسي”.

العرب

Print Friendly, PDF & Email