المستوطنات الإسرائيلية في القانون الدولي… رؤية أميركية!

المستوطنات الإسرائيلية في القانون الدولي… رؤية أميركية!

لم تمض سوى أيام معدودة على صدور قرار محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، القاضي بقانونية وسم المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية إلى الاتحاد الاوروبي بفرض علامة تبين الأصل الذي أتت منه سواء من الأراضي الفلسطينية المحتلة أو الجولان السوري المحتل، لكي يكون اختيار المستهلك مبنيا على الوضوح ورفضه قائما على المبادئ الأخلاقية والقانونية.

خرج علينا وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، يوم الإثنين الماضي، 18 نوفمبر، بتصريح صحافي بأن “الولايات المتحدة الأميركية لم تعد تعتبر أن المستوطنات الإسرائيلية مخالفة للقانون الدولي، وأن القضايا القانونية المحيطة بمسألة المستوطنات هي مسألة تخص المحاكم الإسرائيلية”.

هذا التصريح شكل صدمة في الأوساط السياسية والقانونية الدولية. وفي الجانب العام، فهذا التصريح تصرف غير مسؤول وغير أخلاقي، وظالم ومستفز للشعب الفلسطيني، الذي عانى طوال سبعة عقود من القهر والاضطهاد والانتهاكات اليومية التي تمارسها قوات الاحتلال الاسرائيلي، ومن ناحية أخرى فهو تصريح غير مستغرب مضموناً ويأتي في سلسلة القرارات والإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية في سعيها الدؤوب لتصفية القضية الفلسطينية منذ وصول ترامب للرئاسة مطلع يناير/ كانون الثاني 2017..
بات لزاماً على المجتمع الدولي بكافة مكوناته، دولاً ومنظمات حكومية وغير حكومية، أن يتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وأن يتكاتف لنصرة العدالة والإنسانية وحماية الشرعية الدولية، والتصدي للهيمنة الأميركية

ابتداء من اعتراف ترامب بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني في ديسمبر/ كانون الأول 2017 ونقل سفارته إليها، ومن ثم سعي بلاده الممنهج لإنهاء قضية اللاجئين ومحاولات تفكيك الأونروا وإنهاء وجودها ووقف تمويلها وإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، ومن ثم انسحاب أميركا من مجلس حقوق الإنسان في يوليو/ تموز 2018، بعد اتهامه بالانحياز ضد إسرائيل احتجاجاً على قرار المجلس بتشكيل لجنة تحقيق دولية في جرائم قوات الاحتلال الصهيوني في مسيرات العودة في قطاع غزة، وما أعقبها من مهاجمة المحكمة الجنائية الدولية وتهديد قضاتها واتهامها بعدم الشفافية وعدم الشرعية في سبتمبر/ أيلول 2018.

وفي الجانب القانوني فالتصريح باطل قانوناً (من حيث الشكل والموضوع)، ولا يملك أي قيمة قانونية، ولا يرتب أي آثار قانونية وفق أحكام وقواعد القانون الدولي، ولا يغير بأي حال من الأحوال من التكييف القانوني للمستوطنات الاسرائيلية بأنها عمل غير شرعي وباطلة وغير قانونية، ويجب وقف بنائها وإزالتها نهائياً، وتعتبر جريمة حرب توجب المساءلة القانونية جنائياً بحق قادة دولة الاحتلال الإسرائيلي أمام المحكمة الجنائية الدولية. وفي تفصيل ذلك نبين أوجه البطلان:

أولاً: من حيث الشكل
1- التصريح صادر من غير ذي صفة قانونية مخولة، وهو إعلان فردي صدر من وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية التي لا تملك أي صفة دولية تخولها ترسيم وصياغة قواعد القانون الدولي، بخلاف كونها دولة عضو في الأمم المتحدة كسائر الدول الأخرى لا تملك أي تفويض دولي أو صفة ذات صلاحية واختصاص وولاية عامة لتمثل الشرعية الدولية وتقرر ما هو قانوني وما هو غير، ولا يتعدى كونه مجرد واقعة مادية صادر عن دولة واحدة وبصورة فردية وغير ملزم لأي جهة كانت كونه غير قانوني ومخالف لمبادئ وقواعد القانون الدولي ولا يغير من المركز القانوني الحالي للمستوطنات وحقيقة كونها باطلة قانوناً وغير شرعية.

2- يعتبر التصريح سابقة خطيرة في تاريخ القانون الدولي والعلاقات الدولية، فالولايات المتحدة على لسان وزير خارجيتها تعلن عن قانون دولي جديد برؤية أميركية. قانون يشرع الاحتلال والمستوطنات الإسرائيلية وتستمر في تنصيب نفسها بديلاً عن منظمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، ووتؤسس لشرعية زائفة ضاربة بعرض الحائط القرارات والشرعية الدولية.

وهي بذلك تكون قد قرعت جرس الإنذار ودقت ناقوس الخطر، إيذانا بانتهاء منظمة الأمم المتحدة وتقويض المقاصد التي قامت من أجلها وتقويض شرعيتها في تمثيل إرادة المجتمع الدولي وهدم للمنظمة، وهذا ينذر بأن الأمم المتحدة على وشك أن تلاقي مصير سابقتها عصبة الأمم، وهنا تكون كافة دول العالم والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني مطالبة بتحمل مسؤولياتها والتصدي لهذا الانتهاك الجسيم والحفاظ على هيبة الشرعية وحفظ كيانها من الانحلال.

ثانياً: من حيث الموضوع
1- يعتبر التصريح انتهاكا واضحا وصارخا لأحكام وقواعد آمرة ومبادئ أساسية في القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، وانتهاكا صارخا لقرارات الشرعية الدولية التي تدين الاستيطان باعتباره جريمة دولية ولـيس لـه أي شـرعية قانونية ويشـكل انتـهاكا صارخا بموجب القانون الدولي بكافة فروعه، والتي رسخت عرفاً قانونياً بمطالبتها الدائمة لدولة الاحتلال الإسرئيلي بالوقف الفوري وعلى نحو كامل لجميع أنشطتها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن من واجبها أن تتقيد تقيـدا صارماَ بالالتزامات والمسـؤوليات القانونية الملقـاة علـى عاتقهـا بوصفها السلطة القائمـة بالاحتلال، بموجب اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب لسنة 1949.

2- يعتبر التصريح مخالفة جسيمة لعشرات القرارات الأممية، سواء الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، أو الجمعية العامة، أو اليونسكو، أو باقي مؤسسات الأمم المتحدة، والتي تدين جميعها الاستيطان وتعتبره جريمة دولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2334، الـذي اتخـذه في جلسـته 7853، المعقـودة في 23 ديسمبر/ كانون الأول 2016، والذي صدر بإجماع الدول المصوتة في المجلس بموافقة 14 دولة وامتناع دولة واحدة عن التصويت، هي الولايات المتحدة الأميركية.

3- يعتبر انتهاكا صارخا وإمعانا في خرق ميثاق الأمم المتحدة الذي يحرم احتلال أراضي الغير بالقوة، بل ويحرم مجرد التهديد باستخدام القوة في العلاقات الدولية، كما أنه يمثل تهديدا مباشرا للسلم والأمن الدوليين وتقويضا لشرعية الأمم المتحدة ذاتها، كونه يدعو لشرعنة الاحتلال.

4- يعتبر انتهاكا صارخا لقرار محكمة العدل الدولية في شأن الرأي الاستشاري الذي طلبته الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص الجدار العازل الصادر في 9 يوليو/ تموز 2004، والقاضي بعدم شرعية بناء جدار الفصل العنصري استنادا لأن سيادة الاحتلال الاسرائيلي سلطة غير شرعية، وأن الأراضي التي احتلتها إسرائيل في 1967 هي أراض محتلة، وكان لإسرائيل فيها وضع السلطة القائمة بالاحتلال، وجميع هذه الأراضي بما فيها القدس الشرقية ما زالت محتلة (فقرة 78) وتنطبق عليها اتفاقية جنيف الرابعة.

5- التصريح مخالف للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين لسنة 1966 لأنه ينتهك الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وممارسة سيادته على أرضه المحتلة وحقه الطبيعي والقانوني في تقرير مصيره.

6- التصريح يمثل مخالفة للاتفاقيات الدولية ذات الشأن وفي مقدمتها اتفاقية لاهاي 1907 وتحديداً المواد (46 – 52 – 55) واتفاقيـة جنيف الرابعـة المتعلقة بحماية المدنيين وقـــت الحـــرب والمؤرخـــة في 12 أغسطس/ آب 1949، وتحديداً المواد (64 – 53 – 49) واتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاع المسلح لسنة 1954، والاتفاقية الدولية لحماية التراث الثقافي والطبيعي لسنة 1972، والبروتوكول الإضافي الأول لسنة 1979 المكمل لاتفاقيات جنيف الأربع. والتي تؤكد جميعها على مبادئ قانونية أساسية، أهمها:
– عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة وعن طريق الحرب.
– قوة الاحتلال لا تملك أي حقوق ملكية على الأقليم أو الأراضي المحتلة، وبالتالي لا تملك أي سيادة قانونية أو شرعية على الأقاليم المحتلة.
– حظر نقل المدنيين في أراضي سلطة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة.
– حظر إجراء تغييرات دائمة في الأراضي المحتلة لا تكون في مصلحة السكان الواقعين تحت الاحتلال.

وتكمن خطورة هذا التصريح في كونه يكشف عن سياسة ممنهجة تتبعها الولايات المتحدة الأميركية، منذ تولي إدارة ترامب السلطة، نحو هدم مبادئ القانون الدولي القائمة، وإعادة صياغة قواعده بما يخدم استمرارية الاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه الاستعمارية التوسعية، إذ إن إضفاء الصفة الشرعية القانونية على المستوطنات هو منح شرعية لسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها الضفة الغربية والقدس.

ويمثل تهديدا حقيقيا وجديا لوجود منظمة الأمم المتحدة نفسها، ونسف لشرعيتها ومبررات وجودها. وفي قراءة عميقة للتصريح، تجده يهدم ويدمر واحدة من أهم المبادئ القانونية الأساسية التي يرتكز عليها القانون الدولي، وهو مبدأ عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة الجبرية.

فالولايات المتحدة الأميركية أضحت تنصب نفسها بديلاً لمنظمة الأمم المتحدة، وتمارس دور القاضي المفوض من دول العالم، وهذا في حقيقته جبروت السلطة المطلقة، ووهم فرض قانون القوة، بدلا من قوة القانون. الولايات المتحدة تسعى جاهدة لتغيير مبادئ المنظمة الدولية، والتصريح دعوة للعودة إلى شريعة الغاب وتشجيع على الاحتلال والعدوان.

ختاما: ان استمرار الولايات المتحدة في دعمها اللامحدود، وانحيازها اللاأخلاقي واللاإنساني لدولة الاحتلال، هو صفعة جديدة للشرعية الدولية، وإمعان في تحدي إرادة المجتمع الدولي وإصرار على الاستمرار في تهديد السلم والأمن الدوليين، وتماد غير مسبوق في انتهاك القانون الدولي، وتقويض منظمة الأمم المتحدة.

وبات لزاما على المجتمع الدولي بكافة مكوناته، دولا ومنظمات حكومية وغير حكومية، أن يتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وأن يتكاتف لنصرة العدالة والإنسانية وحماية الشرعية الدولية، والتصدي للهيمنة الأميركية، وأن يطالب الولايات المتحدة بحزم باحترام أحكام القانون الدولي، في سبيل حفظ السلم والأمن الدوليين.

وعليه دعوة الأمم المتحدة إلى استعادة هيبتها والدفاع عن وجودها ومبادئها والمسارعة إلى اتخاذ موقف حازم، وإصدار قرار أممي برفض هذا التصريح وإدانته، ودعوة الدول الأطراف السامية في اتفاقية جنيف الرابعة إلى إلزام إسرائيل باحترام هذه الاتفاقية وتطبيقها على الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس.

العربي الجديد