عرض كتاب: لماذا يتمرد البشر

عرض كتاب: لماذا يتمرد البشر

186

يركز كتاب “لماذا يتمرد البشر؟”** (Why Men Rebel) للأكاديمي الأمريكي “تيد روبرت غير”، مؤسس ومدير مشروع الأقليات المعرضة للأخطار في جامعة “ميريلاند” على فكرتين أساسيتين هما العنف السياسي والحرمان النسبي، وهما فكرتان يتناولهما المؤلف في مجمل فصول الكتاب العشرة الصادر عن مركز الخليج للأبحاث.
فالحرمان النسبي الذي تعاني من الشعوب أو الجماعات يُعَدّ سببًا رئيسيًّا لتمرد المرء؛ وهو ما ينجم عنه عنف سياسي؛ فكلما ازدادت شدة الحرمان النسبي ونطاقه ازداد حجم العنف الجماعي المتوقع.
العنف السياسي
في بداية كتابه استعرض “تيد روبرت غير” الحقب التاريخية للدول والإمبراطوريات الأوروبية عبر 24 قرنًا؛ ليستدل بذلك على فرضية أن كل 4 سنوات سلام كانت تقابلها سنة من الاضطرابات العنيفة، وهي اضطرابات تحسب على الدول الحديثة، فبين عام 1961 – 1968 حدث أكثر من 114 صراعًا عنيفًا في الدول والشعوب الواقعة تحت الاستعمار.
ورأى المؤلف أن أخطر الصراعات التي واجهت العالم منذ أكثر من 160 عامًا انحصرت في الحروب الأهلية وحركات التمرد، وهي صراعات لم ينجم عنها سوى آثار زهيدة على الحياة السياسية، كما أنها أوقعت دمارًا كبيرًا في الحياة البشرية.
ويعرف “تيد غير” العنف السياسي بأنه “جميع الهجمات الجماعية الموجهة ضد النظام السياسي وأطرافه الفاعلة، بما في ذلك الجماعات السياسية المتصارعة، فضلاً عن تلك الموجودة في الحكم”. وبذلك يشكل هذا العنف تهديدًا للنظام السياسي كونه تحديًا لاحتكار القوة الذي يعزى إلى الدولة، كما أنه يتعارض مع العمليات السياسية الطبيعية ويدمرها.
ومع إقراره بهذه الرؤية، فإن الكاتب يشير إلى أن العنف السياسي أدى في بعض الأحيان إلى إيجاد مجتمعات سياسية جديدة أفضل من التي سبقتها كالثورتين الأمريكية والمكسيكية.
ويشير إلى أن هناك نوعين من المتحولات ترتبط بالعنف السياسي، فيوجد متحولان طارئان هما: “الدوافع الكامنة وراء العنف الجماعي”: وهي دوافع مرتبطة بمدى عمق السخط المشترك الذي يشعر به أفراد مجتمع ما. و”دوافع كامنة وراء العنف السياسي”: وهي مرتبطة بمدى ما يلقي من اللوم على النظام السياسي والقائمين عليه.
أما المتحولان التابعان فهما:
أولاً: “حجم العنف السياسي” الذي يرتكز على 3 دعائم أساسية هي:

– مدى المشاركة ضمن الوحدة السياسية، ويطلق عليها النطاق.
– القدرة التدميرية للإجراء، ويطلق عليها شدة العنف.
– طول المدة التي يستمر فيها العنف، ويطلق عليها أمد العنف. ثانيًا: أشكال العنف السياسي: وهي 3 أشكال:

– الاضطرابات: وهي عنف عضوي غير منتظم يشترك فيه قسم كبير من الشعب، ويشمل الاضطرابات السياسية التي تتسم بالعنف وحركات الشغب والصدامات السياسية وحركات التمرد المحلية.
– المؤامرة: وهي عنف شديد التنظيم، يشترك فيه عدد محدود من أفراد الشعب، ويشمل الاغتيالات السياسية المنظمة والإرهاب على نطاق ضيق، وحروب العصابات والانقلابات وحركات العصيان.
– الحرب الداخلية: وهي عنف شديد التنظيم يشترك فيه قسم كبير من الشعب ويرمي إلى الإطاحة بالنظام الحاكم، أو حل الدولة، ويقترن بعنف واسع النطاق، بما في ذلك الإرهاب واسع النطاق، وحروب العصابات والحروب الأهلية والثورات. الغضب المُسَيّس
ويرى “تيد غير” أن العنف السياسي يمر بمراحل ثلاث هي: توليد السخط، وتسييس السخط، وإخراج السخط إلى حيز الوجود. دون وجود علاقة زمنية بالضرورة بين المراحل الثلاث.
وفي ظل وجود السخط المُسيس تتفاوت أحجام وأشكال العنف بتفاوت توازن الدعم المؤسسي بين الأنظمة ومنظمات “المنشقين” التي تتحدد بخصائص بنبوية، مثل: النطاق والتماسك وبقدرة المنظمات على أن تقدم لأعضائها فرصًا للقيم، وإشباعًا للحاجات ومدى وجود وسائل للإعراب عن الاحتجاج.
ويشير الكاتب إلى أنه يمكن للسخط المسيس أن ينتشر ويتواصل عبر مدة طويلة دون أن يظهر صراحة؛ لأن النظام يحتكر السيطرة القمعية والدعم المؤسسي. أما إخراجه إلى حيز الوجود فيرتبط بأنماط السيطرة القسرية والدعم المؤسسي لكل من النظام السياسي والمنشقين.
ويعتقد الباحث أن ضعف سيطرة النظام مقابل تطور قوة المنشقين في الصراع يؤدي إلى عنف واسع النطاق، مثل: أحداث هنغاريا عام 1956، وأحداث الصين بين عام 1966 – 1968. ولإنهاء حالة الصراع لا بد من تسوية القضايا العالقة بينهما عن طريق الحوار، وصولاً إلى تحقيق غايته المنشودة لكلا الطرفين وتحقيق السلم المجتمعي.
الحرمان النسبي
يُعَدّ “الحرمان النسبي” سببًا رئيسيًّا للعنف السياسي بأشكاله المختلفة، فتاريخيًّا يعود استخدام مفهوم “الحرمان النسبي” إلى أربعينيات القرن الماضي؛ وذلك للدلالة على مشاعر الفرد الذي يفتقر إلى مركز ما أو إلى ظروف يعتقد أنه يجب أن تتوفر له، وتتحدد المعايير المتعلقة بما يجب أن يكون لديه بالنسبة لما يمتلكه شخص ما أو جماعة أخرى.
ويعرف الكتاب “الحرمان النسبي” على أنه إدراك الأطراف الفاعلة للتناقض بين توقعاتهم وقدراتهم المتعلقة بالقيم؛ فتوقعات القيم تتمثل بالسلع وظروف الحياة التي يعتقد البشر أن لهم حقًّا فيها. والقيم بحسب تعريف الكتاب هي الأحداث والأشياء والأوضاع التي يناضل البشر من أجل تحقيقها.
أما القيم الأكثر صلة بنظرية العنف السياسي فهي:

– قيم الرفاهة: تلك التي تؤدي مباشرة إلى الرفاهة المادية وتحقيق الذات، وتشمل السلع المادية وتطوير القدرات الجسدية والعقلية واستخدامها.
– قيم القوة: تحدد المدى الذي يستطيع فيه الناس التأثير في أفعال الآخرين وتجنب التدخل غير المرغوب به من جانب الآخرين في أفعاله. وتتضمن الرغبة في المشاركة في صنع القرار الجماعي، واكتساب عضوية الأحزاب، وتقرير المصير والأمن.
– القيم بين الأشخاص: وهي حالات من الرضا النفسي التي يسعى إليها في التفاعل غير السلطوي مع الأفراد والجماعات، مثل: الرغبة في المركز، والحاجة إلى المشاركة في مجموعات مستقرة كالأسرة والجمعيات التي توفر الرفقة والمحبة والشعور بالتيقن المنبثق من الالتزام المشترك بالمعتقدات.
أما “فرص القيم” التي يعرضها الكتاب فهي تمثل السبل المتاحة للناس من أجل بلوغ المراكز التي يرغبونها أو المحافظة عليها، وهنا يميز بين 3 أنواع من الفرص:
– الفرص الشخصية: وتمثل قدرات الأفراد الموروثة والمكتسبة على القيام بأعمال تعزز القيم، مثل المهارات التقنية والمعرفية العامة.
– الفرص المجتمعية: وهي سبل العمل المتاحة لأفراد جماعة ما من أجل العمل المباشر لتعزيز القيم، وتتضمن فرص بلوغ القيم الاقتصادية.
– الفرص السياسية: وهي سبل الأفعال الاعتيادية المتاحة لأفراد جماعة ما؛ لحثّ الآخرين على تزويدهم بتعويضات القيم. وهنا تشير إلى الإجراءات السياسة كوسيلة وليس كغاية. فالقيم تُعَدّ مدخلاً للحرمان النسبي؛ وهو ما توسع في شرحه المؤلف كي يسهل فهم الحرمان الذي يسري على كل فئة من القيم بين أفراد جماعة من الجماعات.
الحرمان والعنف
ويشير “تيد غير” إلى أن للحرمان صلة بالاستعداء للقيام بالعنف الجماعي غير المتوقع، كذلك أيضًا بعض الأحداث والأنماط من الظروف، مثل: قمع حزب سياسي أو تضخم شديد أو هبوط مركز مجموعة ما بالنسبة لمثيلاتها.
ويميز الكاتب بين الحرمان النسبي وبعض المفاهيم، مثل التنافر والتحلل من الضوابط، والصراع.
فالتنافر هو التناقض بين عنصرين إدراكيين أو سلسلة من العناصر. أما التحلل فهو انهيار المعايير الاجتماعية التي تحكم السلوك الاجتماعي أو حالة انعدام للمعايير. ودرجة التحلل في النظام الاجتماعي تظهر مدى انعدام توافق الرأي بشأن المعايير التي تعتبر مشروعة وما يقترن بها من الأمور المجهولة وانعدام الأمن في العلاقات الاجتماعية.
أنماط الحرمان
وفي معرض تناول “تيد غير” للحرمان يحدد له 3 أنماط باعتبارها مدخلاً للعنف السياسي:

– الحرمان المتناقص: وتكون فيه توقعات القيم مجموعة ما ثابتة نسبيًّا، ولكن ينظر فيه إلى قدرات على أنها في تناقص. وهو الحرمان المرتبط بالجوانب الاقتصادية والمتمثلة بتدني أجور العمل، وعدم الطمأنينة في مجال العمل؛ وهو ما ينجم عنه الأزمات التي يتعرض لها النظام الاقتصادي والتدابير القمعية التي تمارسها الدولة.
وهذا النوع من الحرمان أكثر شيوعًا في المجتمعات التقليدية، وفي الشرائح التقليدية للمجتمعات الانتقالية.
ويعتقد الكاتب أن الحرمان المتناقص ليس منعدمًا في المجتمعات التي تكون قيد التحول الاجتماعي الاقتصادي وبحدوثه في هذه المجتمعات ينتج عنه آثار قاسية، ويستشهد الكاتب هنا بالتضحيات البشرية والمادية الكبيرة التي قدمها الشعب الروسي إبان الحرب العالمية الأولى.
– الحرمان الطموحي: وتكون فيه القدرات ثابتة نسبيًّا، في حين أن التوقعات تزداد أو تتعمق، فهو يكون طلبًا لقيم جديدة لم يسبق امتلاكها مثل المشاركة السياسية بالنسبة لشعوب المستعمرات والمساواة الشخصية بالنسبة إلى أفراد الطبقة الدنيا والمجموعات المنبوذة.
– الحرمان المتدرج: ينطوي على زيادة كبيرة ومتزامنة في التوقعات وعلى نقصان في القدرات، وهذا النوع من الحرمان أكثر شيوعًا في المجتمعات التي تتعرض إلى تغير أيديولوجي وشامل في آن واحد في مجتمع تسوده حالات عدم مرونة بنيوية تحول دون توسع نتاج القيم بحيث لا تتجاوز نقطة معينة. مثل: الثورة المصرية لعام 1952. ويحتوي الكتاب على الكثير من التحليل،‮ ‬كما يحتوي على الكثير من المصطلحات ذات علاقة بمضمون الكتاب.

المؤلف: تيد روبرت غير

ترجمة ونشر مركز الخليج للأبحاث2004م

عرض: معمر فيصل خولي

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email