ما الذي يحفز الإرهاب (2): التطورات السياسية والاقتصادية

ما الذي يحفز الإرهاب (2): التطورات السياسية والاقتصادية

74

ما الذي يحفز الإرهاب؟ في الأسبوع الماضي بدأتُ هذه السلسلة بالنظر في القوى التي تؤثر على اتجاهات تكتيكات الإرهاب وصنعته، في محاولة للإجابة عن هذا السؤال. وقد تناول الجزء الأول أهمية أيديولوجية الإرهاب ونظريته في تشكيل الاتجاهات الإرهابية. لكن هناك عوامل أخرى مؤثرة بالمقدار نفسه. وفهم هذه العوامل لا يساعد فقط في وضع الهجمات في سياقاتها، وإنما يسمح للمراقبين أيضاً برؤية كيفية تطور ديناميات الإرهاب حتى يمكن التنبؤ بها وتوقعها. وفي حين أن هذه المعرفة لا تفسر ما يقود أحد الأفراد إلى أن يصبح متطرفاً وينضم إلى منظمة أو حركة تعتنق الإرهاب في المقام الأول (ولم يكن هذا قصد هذه السلسلة أساساً)، فإنها تظل معرفة قيّمة. وفي الأسابيع التالية، سوف أناقش محركات أخرى: جهود مكافحة الإرهاب، والتكنولوجيا، والتغطية الإعلامية. لكنني سوف أركز هذا الأسبوع على التطورات السياسية والاقتصادية التي تحدد الإرهاب.
سياسة بوسائل أخرى
قال كارل فون كلاوتز ذات مرة أن الحرب هي مواصلة السياسة بوسائل أخرى. وإذا كان الإرهاب شكلاً من أشكال الحرب –حتى لو كان واحداً موجهاً إلى المدنيين- فإنه يكون عندئذٍ سياسياً بالتعريف. ويستكمل هذا الاستنتاج تعريف “ستراتفور” للإرهاب على أنه عنف مدفوع سياسياً موجه ضد غير المقاتلين. ويسعى كل الإرهابيين، حتى أولئك الذين لديهم أيديولوجيات قائمة على الدين، إلى تحقيق هدف سياسي في نهاية المطاف. وسواء كانوا أعضاء في الحركة اليمينية المتطرفة “الهوية المسيحية”، أو في طائفة يوم القيامة اليابانية “أوم شينريكيو”، أو في الجماعات الجهادية، فإنهم جميعاً يسعون إلى تحقيق أهداف مثل استبدال النظام السياسي المعنيّ عن طريق العنف.
من المفهوم، عندئذٍ، أن التغييرات السياسية التي تهدد أيديولوجية معينة أو أهداف مجموعة إرهابية ما يمكن أن يكون لها تأثير درامي على إيقاع وتركيز المجموعة العملياتي. وعلى سبيل المثال، نفذ كل من المتطرفين اليهود والمتطرفين الفلسطينيين هجمات إرهابية من أجل إعاقة الجهود المبذولة للتوصل إلى سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين، على الرغم من انطلاقهم من دوافع مختلفة تماماً لمعارضة نفس التطور السياسي. كما أن انقلاب العام 2013 في مصر، أيضاً، حطم الآمال السياسية لجماعة الإخوان المسلمين وتسبب في جعل العديد من الأعضاء الأصغر في الحركة يرفضون الأيديولوجية غير العنيفة للجماعة واعتناق الجهادية، بينما شكل آخرون منظمات إرهابية جديدة، مثل “حركة حسم”.
تشكل موجة القومية التي تجتاح الكوكب حالياً قوة سياسية أخرى جديرة بالملاحظة. وقد بدأ القوميون المتشددون الذين اكتسبوا جرأة جديدة في العديد من البلدان بمهاجمة أعضاء من الجماعات العرقية أو الدينية -العديد منهم لاجئين أخرجتهم من بلدانهم الأصلية الحروب الأهلية، والجفاف أو الإجرام– وهي الأمور التي يعتبرونها تهديداً لهويتهم. وما يزال العنف يتحرك بقوة، ليس عبر أوروبا وروسيا والولايات المتحدة فحسب، وإنما أيضاً في تركيا والهند والفلبين وأندونيسيا وغيرها من البلدان. بل إن القومية المتشددة تستدرج استجابة يسارية من أولئك الذين ينظرون إليها كتهديد لجماعاتهم وأهدافهم السياسية.
لكن التغيرات السياسية لا يجب أن تهدد أيديولوجية الجماعة الإرهابية أو أهدافها لتشكيل اتجاهات في الإرهاب. في بعض الأحيان، توفر هذه التغيرات فرصاً. وعلى سبيل المثال، تسبب الربيع العربي في العام 2011 في إثارة اضطرابات اجتماعية هائلة في كل أنحاء الشرق الأوسط، والتي أسفرت عن الإطاحة بالحكومات في تونس ومصر، وبدء حروب أهلية دموية في ليبيا وسورية. وزودت هذه الفوضى الجماعات الجهادية بالمزيد من الحرية، ومنحتها وصولاً غير مسبوق إلى الأسلحة في أجزاء واسعة من المنطقة. وبالمثل، أدت الاضطرابات التي أعقبت انقلاب العام 2012 في مالي والحرب الأهلية المستمرة في اليمن إلى تمكين الجهاديين في هذه المناطق وجعلِهم يزدهرون.
قرارات السياسة الخارجية، مثل نشر قوات أجنبية في بلدان حيث لا يريد بعض السكان وجودها، أدت إلى استفزاز الإرهابيين والتسبب بأعمال العنف. كما أن التغييرات في القوانين، مثل حظر ارتداء البرقع في فرنسا، وإضفاء الصفة القانونية على الإجهاض في الولايات المتحدة، والموافقة على مشاريع أنابيب النفط الأميركية على الرغم من اعتراضات أنصار البيئة، كلها تفعل ذلك أيضاً.
بطيبعة الحال، تؤثر الانتخابات في سلوك المتشددين، إما في تخطيط الهجمات مسبقاً والتي تؤثر على النتائج، أو لاحقاً من أجل تنفيس الإحباط الشعبي من الحصيلة النهائية. وقد استخدم تنظيم القاعدة النوع الأول عندما استهدف بالتحديد قطارات ركاب مدريد في العام 2004 من أجل التأثير على الانتخابات الإسبانية، بشكل رئيسي حتى تتجنب الحكومة الإسبانية المشاركة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والذي يقاتل في أفغانستان والعراق. وبالنسبة للنوع الثاني، عملت الانتخابات في أوروبا والولايات المتحدة على استقطاب الناخبين، مما أنتج عنفاً إضافياً من اليمين واليسار بسبب القومية المتشددة ورد الفعل ضدها.
مع ذلك، يمكن أن تساعد الأحداث السياسية في إنهاء تمرد أو حركة إرهابية بقدر ما يمكن أن تسهل عملها. وقد ساعد اتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية في دمج حزب الشين فين القومي في السياسة، ونزع سلاح الجيش الجمهوري الإيرلندي الإقليمي والميليشيات شبه العسكرية، مثل رابطة أولستر للدفاع. وبالمثل، جلبت اتفاقيات شابولتيبيك نهاية للحرب الأهلية السلفادورية في العام 1922. وفي هذه الحالة، تخلت جبهة فارابوندي مارتي الماركسية للتحرير الوطني، والتي كانت قد خاضت سابقاً حرب عصابات تضمنت العديد من الهجمات الإرهابية، عن نضالها وانضمت إلى العملية السياسية. وينتمي رئيس السلفادور الحالي إلى جبهة فارابوندي.
إنه الاقتصاد..
في الوقت نفسه، لطالما أثرت التطورات الاقتصادية على الفكر الثوري المتطرف، بحيث لا يمكن التغاضي عنها. فبعد كل شيء، كان الإرهاب الماكسي والأناركي ردة فعل مباشرة على الانتهاكات المتصورة التي ارتكبها البناء الرأسمالي في القرن التاسع عشر. وأفضت نظريات الصراع الطبقي إلى استهداف رجال الأعمال والقادة السياسيين في أوروبا والولايات المتحدة. وكان أول تفجير عربة في الولايات المتحدة، في حقيقة الأمر، من تنفيذ الفوضويين، الذين قاموا بتفجير قنبلة في عربة يجرها حصان أمام بنك جيه. بي. مورغان في وول ستريت.
لكن الأمر لا يتعلق كله بالأيديولوجيا. وكثيراً ما تكون العديد من الأنشطة الإرهابية مدفوعة بحافز أكثر بساطة بكثير: الحاجة المالية. وخلال حقبة الحرب الباردة، تبنَّت المجموعات القومية الأيديولوجية الماركسية عن طيب خاطر، بشكل أساسي من أجل الحصول على التمويل الذي تمس الحاجة إليه من الاتحاد السوفياتي ووكلائه. وأصبحت مجموعات أخرى “إرهابية مرتزقة” تقبل الدفعات المالية مقابل خدماتها من أجل تمويل عملياتها الخاصة. وعلى سبيل المثال، نفذ “الجيش الأحمر الياباني” سلسلة من الهجمات المعادية لأميركا نيابة عن ليبيا في أعقاب قصف الولايات المتحدة طرابلس في العام 1986. وبعد اتفاق الجمعة العظيمة، سافر بعض صانعي القنابل المخضرمين في الجيش الجمهوري الأيرلندي إلى كولومبيا ودُفع لهم لتعليم القوات المسلحة الثورية الكولمبية “فارك” تكنيكاتهم، وهو ما أفضى إلى موجة من التفجيرات الإرهابية متزايدة التطور والتعقيد، التي نفذها المتشددون الكولومبيون.
مع ذلك، عنى انهيار الاتحاد السوفياتي انهياراً لشبكته الهائلة من رعاية الدول للإرهاب. وفقدت الكثير من الجماعات الإرهابية الماركسية قناتها للدعم المالي، وأصبح عليها أن تبحث عن مصادر جديدة للتمويل. وعمدت بعض الجماعات، مثل “جيش الشعب الجديد” في الفلبين إلى تشكيل “مجموعات عمل للاستخبارات القذرة”، مثل “جماعة العقرب الأحمر”، التي كُلفت بتنفيذ عمليات إجرامية مثل السطو على المصارف، وسرقة السيارات المدرعة، وعمليات الخطف من أجل تمويل عمليات المجموعة الأوسع نطاقاً. كما أن اعتمادها على “الضرائب الثورية” –وهي مصطلح آخر للابتزاز- ازداد أيضاً. وقد تكرر التحول في اتجاه النشاط الإجرامي المدفوع مالياً في أماكن أخرى: فقد أرسلت جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني السلفادورية ناشطين لتنفيذ عمليات اختطاف لرجال أعمال وتنفيذيين أثرياء في كل من المكسيك وتشيلي والأرجنتين والبرازيل، من أجل جمع الأموال لإبقاء ثورتها حية.
وفي المناطق التي تحتوى على موارد طبيعية يمكن استغلالها، مثل التعدين وقطع الأشجار غير القانونيين، وسرقة الآثار أو إنتاج المخدرات، علمت المنظمات الإرهابية على تسخير هذه الموارد لتمويل نفسها. وقد تبنت جبهة “فارك” السلفادورية تجارة المخدرات والتعدين غير المشروع وابتزاز شركات النفط. وكذلك فعلت مجموعتا طالبان و”داعش” أيضاً.
كما استخدم المتشددون في منطقة الساحل في شمال أفريقيا أيضاً عمليات الخطف، إلى جانب تهريب المخدرات والأسلحة والتبغ، لتمويل عملياتهم.
يمكن أن تؤثر السياسات الاقتصادية بسهولة على الإرهاب أيضاً. فقد ساعدت التدابير التقشفية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على إيطاليا واليونان في تنشيط عنف الفوضويين هناك خلال السنوات الأخيرة. كما أفضت التغييرات في شبكات المحسوبية في نيجيريا في كثير من الأحيان أيضاً إلى ارتفاعات في حوادث الإرهاب في منطقة دلتا النيجر والمقاطعات الشمالية في البلاد، لأن الساسة هناك يشجعون العنف كوسيلة لإجبار الحكومة على إرسال الأموال والسلطة السياسية في اتجاههم.
وهكذا، في حالة السياسة أو الاقتصاد على حد سواء، فإن هذه القوى المتشابكة سوف تستمر في التأثير على الإرهاب. وسوف تساعدنا معرفتها في فهم الجماعات الإرهابية، وكيف قد تتصرف في المستقبل –بحيث نكون بذلك أكثر استعداداً بكثير.

*ستراتيجيك فوركاستينغ (بالإنجليزية Strategic Forecasting, Inc) ؛ والمعروفة أكثر باسم ستراتفور (بالإنجليزية STRATFOR)، هو مركز دراسات استراتيجي وأمني أميركي، يعتبر إحدى أهم المؤسسات الخاصة التي تعنى بقطاع الاستخبارات، وهو يعلن على الملأ طبيعة عمله التجسسي، ويجسّد أحد أبرز وجوه خصخصة القطاعات الأميركية الحكومية. تطلق عليه الصحافة الأميركية اسم “وكالة المخابرات المركزية في الظل” أو الوجه المخصخص للسي آي إيه (بالإنجليزية The Private CIA)، معظم خبراء مركز ستراتفور ضباط وموظفون سابقون في الاستخبارات الأميركية.

سكوت ستيوارت

صحيفة الغد

Print Friendly, PDF & Email