فقهاء في أعلى محكمة عراقية يمتلكون حق النقض لأي قرار يخالف الشريعة

فقهاء في أعلى محكمة عراقية يمتلكون حق النقض لأي قرار يخالف الشريعة

بغداد – تدفع أحزاب إسلامية شيعية وسنية، لديها تمثيل في البرلمان العراقي، إلى تسمية رجال دين بصفة “فقهاء” أعضاء أساسيين ضمن التشكيلة القضائية الرئيسية للمحكمة الاتحادية العليا، في تطور يحدث لأول مرة في العراق.

وسيكون بإمكان هؤلاء “الفقهاء” التصويت على جميع القرارات القضائية الصادرة عن المحكمة الاتحادية بعد أن ساواهم مشروع قانون جديد مطروح على البرلمان العراقي بالقضاة في سابقة وصفت بالخطيرة، وهو ما يتيح لهم التحكم في طبيعة القرارات وحجب أو دعم أي منها، انطلاقا من دوافع دينية.

وفضلا عن مساواتهم بالقضاة، يريد داعمو الصيغة الجديدة لقانون المحكمة، منح “الفقهاء” حق نقض أي قرار يرونه مخالفا للشريعة الإسلامية.

وتصنف المحكمة الاتحادية في العراق على أنها أرفع سلطة قضائية، ومهمتها الفصل في النزاعات الدستورية بين المؤسسات، ولا تخضع قراراتها للتمييز أو الطعن.

ويقول مراقبون إن الصيغة التي يراد استحداثها في العراق مستوردة خصيصا من إيران، إذ يعمل بها “مجلس تشخيص مصلحة النظام” المسؤول عن تعيين المرشد الأعلى، صاحب الصلاحيات المطلقة في الحكم، تجسيدا لنظام “الولي الفقيه”.

وشرع البرلمان العراقي في النظر بمشروع القانون الجديد للمحكمة الاتحادية التي لن يتاح لها بتشكيلتها الحالية مواجهته، لأنه سيكون نافذا حال إقراره ونشره في الجريدة الرسمية، ما يعني تسليم المقاليد للتشكيلة الجديدة.

ويخوض رئيس البرلمان محمد الحلبوسي مواجهة محتدمة مع رئيس المحكمة الاتحادية العليا مدحت المحمود تدور حول مفهوم السيطرة القانونية على الفضاء السياسي في البلاد.

وبسبب الالتباسات الدستورية المتعددة والمتراكمة في ملف تنظيم مفردات العملية السياسية وتوزيع الصلاحيات على مختلف المؤسسات، تتعدد الصدامات بين السلطتين التشريعية والقضائية وسط نزاع بشأن علوية أي منهما على الأخرى.

ومنذ صعود الحلبوسي إلى كرسي رئاسة البرلمان، بدا واضحا أنه يحاول التعاطي مع هذه المحكمة بندية في محاولة لتوسيع النفوذ السياسي لمجلس النواب العراقي، لكن المحكمة التي يرأسها أحد أكثر القضاة خبرة في البلاد وتضم في عضويتها بعضا من دهاقنة القانون المخضرمين، يبدو أنها تعرف كيف تتحرك.

وشجع الحلبوسي أطرافا سياسية على تشريع قانون جديد للمحكمة الاتحادية يمنح البرلمان الحق الحصري في تسمية أعضائها.

ووفقا لمصادر مطلعة، فإن الحلبوسي اضطر لقبول شروط من بعض الأطراف السياسية ليحصل على دعمها لجهوده.

وتقول مصادر سياسية مطلعة إن الثمن الباهظ الذي سيتحمله العراق، جراء صراع الحلبوسي والمحمود، سيتمثل في تحويل أهم السلطات في البلاد إلى أداة يتحكم بها رجال الدين.

وأبلغت المصادر “العرب” أن همام حمودي، الذي يتزعم المجلس الإسلامي الأعلى المدعوم من إيران، هو أبرز المرشحين لشغل مقعد الفقيه في المحكمة الاتحادية بصيغتها الجديدة، ممثلا للطائفة الشيعية.

ويعد المجلس الأعلى أحد أهم الأحزاب العراقية الموالية لإيران. وتوطدت العلاقة بين طهران والمجلس بعد خروج عمار الحكيم منه، ليشكل تياره الجديد، بعدما فشلت جميع محاولاته في الحد من النفوذ الإيراني في التشكيل السياسي الذي أسسته عائلته في إيران بالذات.

وعن السنة، يبدو أن رئيس الوقف السني، عبداللطيف الهميم، ضمن مقعده في التشكيلة الجديدة للمحكمة الاتحادية متسلحا بعلاقات وثيقة مع إيران والأحزاب الشيعية القريبة منها في العراق.

وأثار هذا التطور حفيظة النخب العلمانية في العراق التي ترى في المحكمة الاتحادية آخر حصون القانون القادرة على مواجهة التغول السياسي للأحزاب الدينية.

وطالما اتخذ سياسيو العراق من الصراع بين السلطات ذريعة لفرض قوانين متشددة في جانبها الاجتماعي وذلك سعيا منهم للإضفاء الطابع الديني على الدولة، وهو ما يمكن اعتباره نوعا من الاسقاط الديني على السياسة. وفي المقابل هو نوع من تسييس الظاهرة الدينية التي تم فرضها على المجتمع العراقي باعتبارها مشروعا بديلا عن المشروع المدني.

ولا يرى الكاتب العراقي فاروق يوسف ان المحمود بريء من تسييس القضاء لصالح فريق سياسي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وليس الحلبوسي من جهته بريئا من محاولة المزايدة الدينية على القضاء وذلك سعيا منه لكي يكون الوجه السني المرضى عنه ايرانيا.

وقال يوسف في تصريح لـ”العرب” تعليقا على الجدل المتفاقم بشأن مشروع القانون الجديد “إذا ما عدنا إلى مسألة الفصل بين السلطات فإنها لم تكن إلا واجهة لعملية سياسية أجمعت الأحزاب المشتركة في الحكم على أن تكون وسيلة لتهميش الدور الخدمي لمؤسسات الدولة التابعة للسلطات الثلاث التي لم تكن في حقيقتها إلا تطبيقا لنظرية الاواني المستطرقة.

وكانت تلك السلطات يكمل بعضها البعض الآخر من جهة تضييق الخناق على الدولة ذات الطابع المدني والاعلاء من شأن دور المرجعية الدينية بما يثبت مصالح الأحزاب في تكريس منافعها على حساب المنفعة العامة”.

ويرى الصحفي العراقي علي حسين إن نجاح هذه المساعي يعد بمثابة “اغتيال وطن”، مشيرا إلى أن “البعض من دراوشة السياسة يعتقد أن مشكلة العراقيين انهم قوم كفرة يعيشون عصور الجاهلية ومن واجب دعاة الفضيلة والحشمة أن يهدوهم إلى طريق الهداية”.

واضاف “كانت الناس تتمنى أن يكون شعار مجلس النواب هو التعايش بين مكونات المجتمع العراقي كافة، وأن يترجم هذا الشعار عملياً عبر مؤسسات تحتضن الكفاءات، وقوانين تحارب الطائفية والانتهازية السياسية وسرقة المال العام، غير أن نواب البر لمان اثبتوا أنهم مصرون على اختطاف مفهوم دولة المواطنة بعيداً عن جوهره الحقيقي، محاولين تسويقه على أنه معركة للفضيلة”.

العرب

Print Friendly, PDF & Email