قيادات تاريخية من العدالة والتنمية تعدّ لما بعد أردوغان

قيادات تاريخية من العدالة والتنمية تعدّ لما بعد أردوغان

أنقرة – امتدّ المزاج العام المعارض في تركيا ضد سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان من المعارضين السياسيين والإعلاميين داخل أوساط الفئات الشعبية المتضررة من تلك السياسات، إلى قيادات تاريخية وكفاءات نشطت بفعالية داخل حزب العدالة والتنمية، وصارت الآن تبحث عن إنقاذ تركيا من خارجه سواء عبر تشكيل حزب جديد أو عبر الضغط السياسي.

وتقول أوساط تركية قريبة من الأجواء الداخلية للحزب الحاكم إن الخلافات لم تعد مع الرئيس أردوغان ذي المزاج الحاد والذي لا يرضى بأي منافسة، بل مع سياسات اقتصادية واجتماعية فاشلة وخيارات تراكم العداوة لتركيا ويدفع ثمنها حزب العدالة والتنمية بشكل سريع، وهو ما كشفت عنه جولتا الانتخابات في مدينة إسطنبول، حيث تتسع دائرة الغضب الشعبي على خيارات أردوغان بمرور الوقت بما في ذلك داخل مواقع نفوذه التقليدية.

ووجه أحمد داود أوغلو، رئيس وزراء تركيا السابق والحليف الوثيق لأردوغان، انتقادات شديدة لحزب العدالة والتنمية الحاكم بعد هزيمة الحزب المؤلمة في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول.

وخسر الحزب منصب رئيس بلدية كبرى المدن التركية أمام حزب المعارضة الرئيسي لأول مرة منذ 25 عاما، وذلك بفارق كبير خلال إعادة الانتخابات. وكان الحزب خسر في الانتخابات الأصلية بفارق ضئيل.

وكان داود أوغلو رئيسا للوزراء في الفترة بين عامي 2014 و2016 قبل أن يختلف مع أردوغان. وسبق أن انتقد داود أوغلو الرئيس وسياساته.

لكن تصريحاته الأحدث، السبت، جاءت بينما يستعد علي باباجان نائب رئيس الوزراء السابق وعبدالله غول الرئيس السابق، اللذان كانا عضوين مؤسسين في حزب العدالة والتنمية، لإنشاء حزب جديد منافس هذا العام.

وقال داود أوغلو خلال فعالية أقيمت في إقليم إلازيج “كانت هناك حكومة تفي بكل وعودها متأخرا”، مضيفا أنه ينبغي على هؤلاء الذين تسببوا في “تراجع″ مبادئ الحزب أن “يدفعوا الثمن”.

وتابع قائلا “عندما نخسر انتخابات أول مرة بفارق 13 ألف صوت وفي المرة الثانية بفارق 800 ألف صوت، فإن المسؤول عن ذلك ليس رئيس الوزراء الذي فاز بفارق كبير في البرلمان (خلال الانتخابات العامة العام الماضي) ولكنهم الذين تسببوا في تراجع كبير للخطاب والإجراءات والقيم والسياسات”.

وبدا أن الناخبين يُحمّلون حزب العدالة والتنمية الحاكم مسؤولية الركود الاقتصادي الذي أسفر عن انخفاض قيمة الليرة بنسبة 30 بالمئة العام الماضي و10 بالمئة إضافية هذا العام.

وقال داود أوغلو “نواجه مشكلات اقتصادية مثلما واجهنا في عام 2008. حينئذ كان في القيادة أشخاص على دراية بالاقتصاد وكانت هناك رؤية”.

واعتبر المحلل السياسي التركي إلهان تانير، أن داود أوغلو ينتقم من أردوغان اليوم وبعد ثلاث سنوات من إقالته من قبل الرئيس التركي.

وقال تانير الكاتب في موقع “أحوال تركية” في تصريح لـ”العرب”، “إن هزيمة الحزب الحاكم في إسطنبول كشفت عن ضعف أردوغان أمام جميع حلفائه السابقين، بمن فيهم الرئيس السابق عبدالله غول، ونائب رئيس الوزراء السابق، علي باباجان”.

وأصدر داود أوغلو، مباشرة بعد هزيمة إسطنبول في أبريل، بيانا طويلا واتهم دوائر أردوغان بشكل غير مباشر بأنهم السبب في تدهور الوضع في تركيا.

واستغل داود أوغلو تلك الانتقادات وزاد عليها انتقاداته اللاذعة. والآن بعد أن قام باباجان تقريبا بإنشاء حزب معارض خاص به ضد أردوغان، يبدو أن داود أوغلو يشجع على مهاجمة أردوغان لاكتساب زخمه الخاص.

وأضاف تانير “الهزيمتان المتتاليتان في إسطنبول، أكبر مدن تركيا، هدمتا الجدار حول أردوغان. فهو جريح الآن، ويتعرض للهجوم ولم يعد يتمتع بتلك القوة التي كان يتمتع بها في انتخابات ما قبل مارس″.

ويصب داود أوغلو، الذي كان أحد مفكري الحزب وواضعي سياسات النجاح السابقة، نقده بشكل واضح على أردوغان والمسؤولين الذي أحاط نفسه بهم، بعد أن تخلى عن شخصيات ذات خبرة وكفاءة كانت عارضت تعديل الدستور لإرضاء رغبة أردوغان في أن يتولى الرئاسة بعد أن استوفى حقه القانوني في رئاسة الوزراء.

وعرف عن داود أوغلو معارضته لمراكمة السلطات بيد أردوغان سواء في حزب العدالة والتنمية أو في الدولة، وهو أحد الخلافات الرئيسية بينهما، فضلا عن اختلاف بشأن السياسات الخارجية. وفيما لا يتوقف أردوغان عن التورط في أزمات قريبة وبعيدة، وآخرها في ليبيا وقبرص، فإن داود أوغلو هو صاحب فكر تصفير الأزمات.

وانتشرت شائعات عن أن داود أوغلو سينضم إلى الحزب الجديد. لكن مصدرا مقربا منه قال الأسبوع الماضي إنه يعتزم اتخاذ “خطوة جديدة” لكنه لن ينضم حاليا إلى (حزب) غول وباباجان، الذي يحمل أملا في إمكانية إحداث تغييرات من داخل منظومة حزب العدالة والتنمية.

وقال أندي بيرش، كبير الخبراء الاقتصاديين في مؤشر آي.إتش.أس ماركت، وهو معروف بتعليقاته المتكررة على الأسواق والاقتصاد في تركيا “إن عودة باباجان إلى المشهد السياسي الوطني ستكون موضع ترحيب من قبل المستثمرين والأسواق الدولية بشكل عام”.

ويراهن محللون أتراك على أن المستقيلين من العدالة والتنمية، والذين غادروا بسبب تسلط أردوغان ورغبته في إحكام قبضته على كل شيء، يمكن أن يساعدوا في إعادة التوازن للمشهد السياسي من خلال تعديل القوانين للحفاظ على الديمقراطية.

وقد تنجح المعارضة بالتنسيق مع المنشقين عن العدالة والتنمية في إنشاء كتلة معارضة في البرلمان لتمرير قرار لإجراء استفتاء جديد على النظام الرئاسي.

العرب

Print Friendly, PDF & Email