كيف نفسر الخطاب الإسلامي الإيراني؟

كيف نفسر الخطاب الإسلامي الإيراني؟

images (1)

الموعد النهائي الوشيك للمفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني ركّز الاهتمام على التفسيرات المتنافسة لدور الدين في السياسة الخارجية الإيرانية. في كثير من الأحيان تُصوّر جمهورية إيران الإسلامية باعتبارها كائنًا أيديولوجيًا فريدًا من نوعه. ويرى المؤرخ البريطاني برنارد لويس أنّ الأيديولوجية الإسلامية الإيرانية تستلزم قوة مروّعة تحوّل التدمير المتبادل الحتمي من ردع إلى “استمالة” “المتعصبين دينيًا” في إيران. ووفقًا لمثل هؤلاء الباحثين أمثال لويس، فإنّ إيران المسلحة نوويًا من المرجح أن تستخدم تلك الأسلحة بطرق مختلفة عن أي دولة أخرى في التاريخ بسبب نظرتها الأخروية المتطرفة؛ مما يجعل من المستحيل الثقة في أن تلتزم إيران بأي اتفاق تفاوضي، بغض النظر عن مدى عقلانيتها. هل هم محقون في ذلك؟ هل تطغى الأيديولوجية الإسلامية على الاعتبارات البراغماتية في السياسة الخارجية لإيران؟

  قراءة متأنية لدور الإسلام في السياسة الإيرانية تشير إلى أنّ الأمر ليس بهذه البساطة. لقد تأسست الأيديولوجية الإسلامية وحملت الطابع المؤسسي استراتيجيًا من قِبل النخب للتعامل مع الفرص المتغيّرة وتصورات التهديد المختلفة. هذا لا يعني أنّ الدين ليس له أهمية؛ فالأفكار الدينية والأيديولوجيات تلعب دورًا حاسمًا في توليد التعبئة الجماهيرية وتماسك النخب، وخاصة في ظل نظام سياسي محدد ومقنن من خلال أيديولوجية معينة. وهذا لا يعني بالطبع أنّ الدين مرن بشكل لا نهائي؛ بل يجب على الجهات الدينية تجاوز القيود العقائدية والمؤسسية بطرق مبتكرة قبل نشر سرديات دينية جديدة. ومع ذلك، الجهات السياسية الفاعلة داخل هذا النظام ليست مجرد بيادق سلبية على رقعة الشطرنج لهذه الأيديولوجيا لكنها تدرك جيدًا أهميتها الاستراتيجية وتعمل بشكل مكثف على تطوير ونشر الأيديولوجيات الدينية من أجل تحقيق مصالحها.

تحليل الإسلام والسياسة الخارجية غالبًا ما يبدأ من خلال تتبع الطرق التي يشكّل بها الدين الهوية ويحدد من خلالها المصالح. يجازف هذا النهج بفقدان المعرفة إلى أي مدى يمكن أن تكون التفسيرات الدينية هي نتيجة لهذه السياسات وليست السبب فيها – سواء كان ذلك من خلال الانتخابات أو العنف أو المعركة على مؤسسات الدولة. في بحثي، أتتبع نصف قرن من التغييرات المذهبية في إيران على خلفية السياسة الداخلية والدولية. هذا التحليل على المستوى الجزئي من الأدلة التجريبية يكشف عن أنّ السرديات الدينية يمكن أن تتغير بسرعة وبشكل متكرر وفقًا لمستويات المنافسة بين النخب للسيطرة على الدولة.

هذا الاستخدام الفعّال للأفكار الإسلامية يعود إلى ما قبل الثورة؛ ففي ستينيات القرن الماضي، حوّل المفكر الإيراني علي شريعتي اللاهوت الشيعي المنعزل إلى أيديولوجية ثورية من خلال إحداث تغيير جذري في التاريخ الإسلامي من حيث الأيديولوجية الشعبية السائدة اليوم، وهي الماركسية. مع هذه الخطوة الذكية، حوّل شريعتي انحراف المذهب الشيعي، وهي ثورة الإمام الواحد من أصل 12 إمامًا، إلى قاعدة، واقترح ما أسماه “التشيّع الأحمر”.

وبطريقة مماثلة، أثار آية الله روح الله الخميني الخوف في المؤسسة الدينية بأكملها في قُم والنجف باقتراح نظرية شيعية للدولة. بدلًا من انتظار عودة الإمام الغائب، كما فعلت الغالبية العظمى من علماء الشيعة، أوضح أهمية “الحكومة الإسلامية”، ثم قادها بعد عقد من الزمان. ولذلك؛ لم يكن الإسلام الثوري الذي نادى به شريعتي ولا ولاية الفقيه التي قال بها الخميني هي التي أطلقت شرارة الثورة الإسلامية عام 1979، بل كانت الرغبة في الثورة هي التي قادتهما لإعادة بناء التاريخ الإسلامي وفقًا لذلك. بعبارة أخرى، جاءت الثورة أولًا، ثم تبعها “الإسلام”. وببساطة أكثر، دراسة اللاهوت الشيعي لم تكن لتجعلنا نتوقع أو حتى نفسّر الاستخدامات الثورية اللاحقة التي تم وضعها.

هذه الرؤية تُجبرنا على إعادة النظر في كثير من اللحظات المهمة في تاريخ السياسة الخارجية لإيران. لم يكن الدافع وراء الاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران هو المعاداة المتأصلة من الإسلاميين للولايات المتحدة، كما جادلتُ في مقال آخر، ولكن من خلال المنافسة الداخلية من الإسلاميين للمزايدة على الماركسيين والقوميين. ولم تستمر الحكومة الإيرانية في الحرب المدمّرة بين إيران والعراق لمدة ثماني سنوات بسبب الثقافة الأساسية للاستشهاد في الإسلام الشيعي، ولكن لأنّ الحكومة الإسلامية وظّفت بشكل مبدع مجموعة متنوعة من القصص الدينية والمذاهب لإطالة الحرب من أجل بلوغ أهدافها الداخلية والأهداف السياسية الإقليمية الأخرى. كذلك لم تكن فتوى سلمان رشدي نتيجة التعصب الراسخ من الخميني، ولكنها مجرد مناورة خطابية لاستعادة مصداقيته في أعقاب الحرب المحبطة مع العراق، والحرج من قضية إيران كونترا وردود الفعل المتنامية في العالم الإسلامي تجاه رواية “آيات شيطانية”.

“التحوّل البراغماتي” الأخير لإيران والمفاوضات النووية الناتجة لم يحدث بسبب العودة إلى وجهات النظر المعتدلة السابقة أو الفتوى المزعومة من آية الله خامنئي بتحريم الأسلحة النووية، لكن كلا السببين يساعدان على تماسك النظام والمفاوضات النووية أو ما وصفه خامنئي “المرونة البطولية”. وكما اعترف خامنئي نفسه في خطابه الأخير بأنّ هذه المفاوضات بدأت قبل الانتخابات الرئاسية في يونيو عام 2013 فقط لاكتساب المزيد من الزخم بعد فوز حسن روحاني. حقيقة أن القيادة المحافظة لم تتدخل في الانتخابات كما فعلت خلال الحركة الخضراء في عام 2009 أشارت إلى انقيادها لتحول عمّلي طفيف في مواجهة الضغط الشعبي.

وبالمثل، فتوى خامنئي بتحريم الأسلحة النووية (بغض النظر عن صدقها) هي مقياس متعمد لبناء الثقة، صدرت للتعامل مع التهديدات المتوقعة. خيبة أمل المحافظين من مجموعةP5+1 لعدم الاهتمام الكافي بالفتوى يدل على أنها صدرت خصيصًا للفت الانتباه؛ فهذه الفتوى لا تُجرد العقيدة العسكرية الإيرانية من الخيار النووي، كما يقول المسؤولون الإيرانيون، كما أنها لا تُخفي الأهداف “الحقيقية” المرّوعة للحكومة الإيرانية، كما يدّعي بعض المحافظين في الولايات المتحدة، ولا تجعل طهران عقلانية بدرجة أكثر أو أقل من لاعبين آخرين. إنّ تطوير ونشر الأيديولوجية الدينية مصمم بدقة حول أمن النظام الإيراني والمصالح الفئوية. ولذلك؛ فإنّ “الشريعة” هي مجرد وسيلة للسيطرة على الدولة وليست هدف الدولة.

أولئك الذين يرون أنّ الأيديولوجية الدينية هي السبب في إحداث السلوك السياسي بشكل مباشر يفهمون العلاقة بشكل عكسي وخطير للغاية. كما توضح لنا الحالة الإيرانية، كلما بحثنا أكثر في تطور السردية الدينية؛ نكتشف المنطق الاستراتيجي وراء تلك السردية. الجدل حول الدين هو شكل من أشكال المنافسة السياسية يسمح بمراقبة كيف أنّ الجماعات المتنافسة تقوّض وتسخر من النزاهة الأيديولوجية لبعضها البعض. وفي كثير من الأحيان، يكشف هؤلاء المنافسون نفاق بعضهم البعض ويدّعون أنّ كل ما سواهم مجرد مستغلين لرسالة الله من أجل أهداف دنيوية. إذا ما فحصنا هذه الحجج بعناية، سنجد أنّها تُظهر تصورات القوى الفاعلة بشأن التهديد، وتفتح لنا نافذة على تفكيرهم الاستراتيجي، وتشير إلى ميزان القوى بين الطرفين المتنافسين. قراءة متأنية للخطاب الديني يمكن أن تقدم لنا رؤى استراتيجية في سلوك الإسلاميين، ولكن فقط عندما يدرك المحللون أنّ اللغة التنبؤية هي قوة محركة داخل اللعبة السياسة الدينية وليست استجداء حقيقيًا لنهاية العالم.

الاستخدام الفعّال للإسلام يسمح للجهات الفاعلة بالإشارة إلى الالتزام بأهدافهم المرجوة. إنّ تلك العزيمة الحقيقية لإبراز مستوى إضافي من المصداقية، هي التي ينبغي أن تكون محور تركيز المراقبين، وليس أي “جوهر” لاهوتي قد يكون واردًا في اللغة الدينية.

التقرير