هل مازال العراق دولة؟ وهو بين الاحتلال الأمريكي والهيمنة الإيرانية

هل مازال العراق دولة؟ وهو بين الاحتلال الأمريكي والهيمنة الإيرانية

الباحثة شذى خليل*

لماذا اسمها العملية السياسية في العراق: بعد 2003 ، ظهر مصطلح جديد سوق له الأمريكان في العراق يدحض نظرية الدولة، وهو “العملية السياسية”، فترى أن بعض السياسيين، كانوا على مجاراة الامريكان في تضيع ملامح الدولة، فإنه يقول “العملية السياسية بدل الدولة”، ويدّعي أن العملية السياسية تسير على خير ما يرام ولا يقول إن الدولة بخير.
كل هذه الأمثلة تدل على أن القرار في العراق لا يساوي الدولة، حسب المصطلح الأمريكي.. العراق ليس دولة .
استقلال دولة العراق:
في الخامس والعشرون من أبريل/ نيسان 1920، وضع العراق تحت الانتداب البريطاني، و23 أغسطس/ آب 1921، تم تتويج فيصل الأول ملكا على العراق، وفي الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول 1932، العراق يصبح دولة مستقلة، سجل العراق دولة، بالقرار الأممي رقم 67 في عصبة الأمم ومنذ ذلك التاريخ أصبح العراق دولة مستقلة.
ولم يكن العراق وقتذاك قد تمكن من قرار سيادته بعد، حيث استطاعت بريطانيا تمديد الاتفاقية العراقية البريطانية 25 عاما إضافيا إلى أن يتمكن العراق من إدارة نفسه بشكل ذاتي، الأمر الذي أزعج العراقيين حينها، وبالفعل بقي البريطانيون حتى حدث الانقلاب العسكري الذي قاده مجموعة من ضباط الجيش العراقي الذين تدربوا ودرسوا العلوم العسكرية على يد الإنكليز.
وفي 14/ يوليو/ تموز1958، تمت الإطاحة بالملكية في انقلاب عسكري، وإعلان الجمهورية في العراق، ومنذ ذلك الوقت مرت على العراق حكومات “انقلابية متعددة”، حتى تم احتلال البلاد عام 2003 من قبل قوات أميركية وبريطانية، وبمساعدة من القوات الإسبانية والإيطالية والبولندية.

وبهذا الاحتلال ضاعت ملامح الدولة العراقية على يد الاحتلال المتمثلة بالحاكم المدني الأمريكي “بول بريمر” الذي عين رئيسا لسلطة الائتلاف، صاحب الـ 100 أمر، والتي بمجملها تقيد العراق وتزج به بفوضى عارمة، بعيدا عن أي تطور اجتماعي اقتصادي وحتى سياسي، وضعيف في أداء دوره الدولي والاقليمي، وهنا يجب الإشارة الى نقطة مهمة، إذ ليس باستطاعة أية حكومة “منتخبة” تغيير تلك الأوامر، لأنها اساس الديمقراطية حسب ادعاءاتهم الزائفة (ديمقراطية تدمير العراق بشكل محكم )!
“وحينها كان لـ”بريمر” سلطة قرار تعادل سلطة العراقيين المكونين لمجلس الحكم وهم 25 عراقيا حينها”.
تفاصيل اكثر عن أوامر بريمر في هذا الرابط:
http://rawabetcenter.com/archives/41849

كيف ضاعت ملامح الدولة، وفق المعطيات، وبعد محاولة الحصر الدقيق للعناصر التي تشكل أسس هيكلية وقوة أية دولة، تتكون من أرض وشعب وحكومة، والاهم هو عنصر سيادة القرار الذي يفترض على أساسه قدرة وقوة الدولة في السيطرة على ثرواتها ومواردها، وتعبئتها في الاتجاهات التي تحقق مصالحها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، دون مؤثرات وتدخلات خارجية هيكلية، وتتشكل أسس القوة القومية للدولة، استناداً على تفاعل تلك العناصر الرئيسية الثلاثة لتحدد ـ مبدئيا ـ هيكل الدولة .
بعد العام 2003، ضعفت الدولة، وأفرز هذا الضعف العديد من الميليشيات المسلحة والمرتبطة بجهات وولاءات خارجية، وتعددت الأحزاب سواء كانت سياسية او دينية، فهي تسيطر على اكثر القرارات بقوة السلاح والتهديد.

أصبح البلد يعيش في فوضى عارمة، والاهم، فوضى السلاح التي تهدد كيانات أقوى الدول.
يدرك المتابع لما يجري في البلد، أن مصالح القوى المتصارعة هي التي تحدّد، بالدرجة الأساس، طبيعة الوضع الأمني، وحتى السياسي، إذ تتعامل معها تماماً كما تتعامل مع مؤشر صوت التلفاز، فيمكنها أن ترفع الصوت او تخفضه، بل وحتى تسكته مما يؤكد ضعف مركزية الدولة.
فلا معنى لدولة لا تمتلك قرارا، لأن صاحب القرار هو الممثل للدولة والقائد الفعلي لها، باعتبار أن الدولة تتشكل من شعب، وهيئة حكومية تدير أمور البلاد، وفق أنظمة متعددة للإدارة، وأحيانا يكون هناك مجلس لظرف استثنائي، وفي أحيان أخرى يكون هناك تشكيل حكومي من مجموعة سلطات تنبثق ديمقراطيا، بغض النظر عن شكل هذه الهيئات الحكومية، فإنها أحيانا لا تؤثر على شكل الدولة، شرط أن يكون القرار من داخل الحدود وليس من خارجها.
فهناك الكثير ممن يمتلكون القرار في العراق، وينازعون أصحاب القرار الرسمي وصلاحياته، ومن يمتلك سلطة القرار الشرعي في العراق، لا يستطيع أن يقول لمنازعيه إنهم يسلبون حق القرار وحقوق المنصب.

ومثال ذلك، الصمت الحكومي إزاء مجمل التصريحات التي تنطلق من مسؤول ميلشية او مجموعة مسلحة تتعلق بأحداث سيادية، في حين أن الحكومة غير قادرة على أن تعطي رأيا واضحا، لأنها تعلم تماما بأن رأيها لن يغير من قناعات وتوجهات ومشاريع من ينازعونها سلطة القرار، والطامة الكبرى تتمثل بوجود أكثر من سلطة تنفيذية في العراق، وأكثر من سلطة تشريعية.
إيران تستغل العراق وثرواته:
تتصدّر إيران المرتبة الأولى في العبث بمجالات عدة في العراق، وزادت المشهد سوءا في الوضع الامني، او استغلال الاقتصاد العراقي واللعب على وتر الطائفية الدينية، وتسيطر على أكبر الميليشيات المسلحة وأكثرها نفوذا، والتي كانت ذات يوم أحد أهم أسباب العنف والقتل في العراق، فكانت سببا في نهب ثروات العراق، وانتشر الفقر والجوع والبطالة.
وحققت منافع اقتصادية كبيرة لصالحها على حساب الاقتصاد العراقي، والتي وصلت خلال العام 2017 إلى نحو 6 مليارات دولار، ليكون العراق ثالث أفضل وجهة اقتصادية للبضائع الإيرانية.
وفي مقابل هذا الاستغلال الإيراني لمقدرات العراق، هناك تنام شعبي لرفض النفوذ الإيراني، فعلى الرغم من كل ما أنفقته إيران من مال ورجال خلال 15 عاماً في العراق، يشعر العراقيون بأن إيران لعبت دورا سلبياً في بلادهم، فقد دعمت أحزاباً فاسدة وطائفية، ودعمت ميليشيات قتل مجرمة، وأسهمت في بث روحٍ طائفية ما عرفها العراقيون من قبل، ناهيك عن ضعف الحكومات المتعاقبة، في تحقيق الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي يحتاج لها الشعب.

الاختلالات في النظام الدستوري:
لقد زعمت الولايات المتحدة الأمريكية، أن هدفها لتأسيس دولة مدنية ذات هويات ثقافية ومذهبية متنوعة، هويات تضم الشيعة والسنة والأكراد، لضمان ظهور دولة ديمقراطية، لكن واشنطن، تجاهلت تاريخ تشكُل هوية الدولة العراقية منذ العام 1921، مختزلة الدولة بمجموعة من الهويات المذهبية والقوميات والأقليات العرقية طبقاً للمادة الـ(3) من الدستور.
كما اعتمدت الأحزاب والمنظمات الدينية، والتي عملت على توزيع المناصب والمسؤوليات في الدولة طبقا لنظام المحاصصة الطائفية، وكان الأجدر التركيز في الدستور على مفهوم الوحدة الوطنية السياسية والاجتماعية بدلا من الانقسام لمكونات طائفية، شكّلت ذريعة قوية لصياغة مجموعة من القرارات والسياسات التي كرّست نظام المحاصصة السياسية والطائفية في السلطات الثلاث ومختلف المؤسسات والمنظمات.

ختاما.. المجتمع جغرافيا يتجسد بالوطن، وهو حاضن للفرد، من جهة، وله من جهة أخرى سيادة يعتبرها علماء الاجتماع السلطة الشاملة، كما وصفه دوركهايم بأنه إلهُ نفسه، وما قصد إلا أنه كائن تجسد بالحضارة، أيٌ الكيان المعنوي للدولة، وما يكون البحث عن سيادة للدولة خارجيا إلا بتأسيس عقلاني لدولة تقيم مبادئ ديموقراطية، وتؤسس للحرية والمساواة، وتكافؤ المواطنين في الفرص والحقوق.

وحدة الدراسات الاقتصادية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email