الباحثة شذا خليل
عادت غرينلاند لتكون في قلب الاهتمام الجيوسياسي العالمي، ليس بسبب الأيديولوجيا، بل بسبب موقعها الجغرافي، وأهميتها الأمنية، ومواردها الطبيعية. وعلى الرغم من أن تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب المتجددة بشأن رغبته في “شراء” غرينلاند أثارت الجدل وجذبت اهتمام الإعلام، فإن القضية أوسع بكثير من شخص أو اقتراح واحد. في جوهرها، تمثل غرينلاند أصلاً استراتيجياً في منطقة القطب الشمالي التي تشهد تنافساً متزايداً بين القوى الكبرى.
لماذا تُعد غرينلاند ذات أهمية استراتيجية؟
تنبع أهمية غرينلاند أساساً من موقعها الجغرافي. فهي تقع بين أميركا الشمالية وأوروبا، وتشكل بوابة رئيسية إلى القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي. ومنذ الحرب العالمية الثانية، نظرت الولايات المتحدة إلى غرينلاند على أنها عنصر أساسي في أمنها القومي. ولا تزال قاعدة ثولي الجوية، المعروفة اليوم باسم قاعدة بيتوفيك الفضائية، تلعب دوراً محورياً في أنظمة الإنذار المبكر من الصواريخ، والمراقبة الفضائية، والدفاع في منطقة القطب الشمالي.
ومع تسارع ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي، أصبحت ممرات الشحن الجديدة مثل “الممر الشمالي الغربي” أكثر قابلية للاستخدام، ما زاد من الأهمية العسكرية والتجارية للمنطقة.
إلى جانب البعد الأمني، تمتلك غرينلاند موارد طبيعية هائلة وغير مستغلة، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة الضرورية للتكنولوجيا المتقدمة والتحول نحو الطاقة النظيفة. وقد جذب ذلك اهتمام قوى دولية عدة، وعلى رأسها الصين، التي سعت مراراً إلى إيجاد موطئ قدم اقتصادي لها في مشاريع البنية التحتية والتعدين في القطب الشمالي. وبالنسبة لواشنطن، فإن الحد من النفوذ الصيني في غرينلاند لا يقل أهمية عن مواجهة التوسع العسكري الروسي في المنطقة.
السيادة والسياسة وأخطاء الخطاب العلني
على الرغم من هذه المصالح الاستراتيجية، فإن فكرة “شراء” غرينلاند تصطدم بعقبات سياسية وقانونية جوهرية. فغرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، وسكانه يرفضون بشدة أي نقاش حول نقل السيادة دون موافقتهم. وكما أشار مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون، فإن الدبلوماسية العلنية والتصريحات الاستفزازية جعلت أي مفاوضات جدية أكثر تعقيداً وصعوبة.
في كثير من الحالات، يمكن معالجة المخاوف الأمنية عبر اتفاقيات دفاع وتعاون عسكري من دون المساس بالسيادة. إلا أن تصوير غرينلاند كصفقة عقارية، كما حدث في الخطاب العلني، قوض الثقة مع الحلفاء وأثار حساسيات سياسية كبيرة.
ويبرز هنا تمييز مهم: فبالنسبة لصناع القرار الأميركيين المعنيين بالاستراتيجية، الهدف الحقيقي هو الأمن والنفوذ، وليس الملكية. غير أن الخطاب السياسي العلني خلط بين الأمرين، وحوّل قضية أمنية دقيقة إلى أزمة دبلوماسية.
من سيحسم الصراع؟
من الناحية الواقعية، ستبقى السيادة بيد غرينلاند والدنمارك، إذ لا يوجد مسار سياسي أو قانوني يسمح للولايات المتحدة بالاستحواذ على الإقليم. ومع ذلك، من المرجح أن تنتصر الولايات المتحدة استراتيجياً. فمن خلال حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاتفاقيات الدفاعية الثنائية، واستمرار وجودها العسكري، تستطيع واشنطن حماية مصالحها الأمنية دون تغيير الوضع القانوني لغرينلاند.
أما غرينلاند نفسها، فقد تكون المستفيد الصامت من هذا التنافس. فمع تصاعد الاهتمام الدولي بالقطب الشمالي، تزداد قدرة غرينلاند على التفاوض من أجل جذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز مستوى الحكم الذاتي، مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الدنمارك والولايات المتحدة وغيرها من القوى العالمية. وبذلك، فإن الصراع الحقيقي لا يدور حول الملكية، بل حول النفوذ، والتعاون، والسيطرة الاستراتيجية.
الخلاصة
تكمن أهمية غرينلاند ليس في إمكانية “شرائها”، بل في موقعها عند تقاطع التغير المناخي، والأمن العالمي، والتنافس بين القوى الكبرى. وبينما تجذب التصريحات السياسية المثيرة العناوين، فإن النتائج الحقيقية ستُحدد عبر التحالفات، والدبلوماسية، وضبط النفس الاستراتيجي. ستبقى السيادة لغرينلاند والدنمارك، لكن الولايات المتحدة ستواصل لعب دور حاسم في رسم مستقبل القطب الشمالي. وفي هذا السياق، فإن التفاوض الهادئ، لا الاستعراض العلني، هو ما سيحسم المشهد في النهاية.
