كواليس مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران

كواليس مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران

يأتي إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن انتهاء المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية بعد (100) يوم ليعطي دلالة واضحة على أن الوقت أصبح متاح لعقد جولات من المفاوضات الثنائية واتاحة الفرص لتحقيق تقدم في اعتماد أسس لاتفاق دائم يكون بداية لعلاقات سياسية متوازنة ترافقها عمليات لرفع الحصار البحري الأمريكي وفتح مضيق هرمز وانسياب مرور السفن والناقلات وعودة الحياة للملاحة البحرية والتجارة العالمية.
منحت الضربات العسكرية المتبادلة حقيقة ميدانية بأن الولايات المتحده الامريكيه لم تتمكن من إسقاط النظام الإيراني وإنما عملت على إضعاف مؤسساته السياسية والعسكرية والأمنية باغتيال قياداته الرئيسية وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي ، ولم تستطع إيران فرضت أرادتها وتنفيذ غاياتها، ولم تنهي إسرائيل وتوقف التهديد الإيراني، سعى الجميع إلى تبني رؤية استراتيجية اعتمدت مبدأ التسوية الشاملة والانفتاح التام لتعزيز مكانتهم وتحقيق أهدافهم كل حسب ما يراه ويرتأيه.
ان كواليس المواجهة العسكرية أعطت انطباع أن واشنطن وطهران توصلتا إلى مرحلة من الاعتماد المتبادل في إدارة المخاطر والابتعاد عن حلها بصورة تامة، وأن العمل على اتفاق مشترك لتوقيع مذكرة التفاهم هو رهين بما ستسفر عنه نوايا الأطراف جميعًا فهي قد لا تكون سلامًا دائمًا بل ترتيبات مؤقتة لحماية المصالح المشتركة وتأمين تدفق الطاقة وانعاش التجارة العالمية وانهاء النفوذ الذي اعتمد في استخدام الممرات والمضائق المائية وسيلة سياسية للوصول لمكاسب عديدة وتحقيق الأمن الإقليمي المائي وتأمين الحماية للمصالح الدولية والإقليمية.
أن إيران أيقنت بصورة ميدانية أنها لا تمتلك القدرة الكافية لتحقيق الحسم العسكري رغم أنها ترى أنها تمتلك أوراقاً في الضغط السياسي على توجيه الاقتصاد العالمي وإلحاق الخسائر المالية بالولايات المتحدة الأمريكية عبر همينتها على مضيق هرمز، ولذلك فهي تعتبر أن كلفة الدخول في أي مواجهة عسكرية ستكون أقل وقعًا عليها من التوصل إلى اتفاق يتم بالإكراه والضغط الأقصى، وهذا الموقف يعطي ملامح واضحة لقرارات ميدانية إيرانية تريد منها إيران إيصال عدة رسائل لجميع الأطراف أنها ما زالت تتمسك بمواقفها من الشروط الأمريكية وأن أي اتفاق يجب أن يضمن لها جميع توجهاتها وتحقيق أهدافها الإقليمية وخاصة على الساحة اللبنانية التي تعتبرها هدف رئيسي وعمق استراتيجي لوحدة الساحات وللأمن القومي الإيراني.
ويبقى العامل الاقتصادي والاجتماعي من أهم الأمور التي دفعت باتجاه الموافقة الإيرانية على مذكرة التفاهم والتي كشفت عنها تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي رأى أن ( جانبًا من المشكلات الاقتصادية يعود إلى الضغوط الخارجية وتداعيات الحرب) ودعى الإيرانيين إلى إدراك كلفة المقاومة، كما أن الإنتاج في القطاع الزراعي أسهم في زيادة موجة الغلاء وفقًا لما أوردته صحيفة ( دنياي اقتصاد) في ارتفاع كلفة تأمين بعض أنواع الأسمدة الكيماوية بنحو 600٪ والذي كان السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار القمح وفرض مزيدًا من الضغوط على الأسر الإيرانية، بارتفاع سعر رغيف الخبز العادي ليصبح (17) الف تومان أي مايعادل (0،11) دولار فيما يباع خبر السنكك بالسمسم بسعر يصل إلى (25) ألف تومان والذي يمثل (0،16) دولار، وأصبحت الأزمة المعيشية تشكل عامل ضغط كبير على حياة المواطن الإيراني بحيث أصبحت بعض المخابز في عدد من المدن الرئيسية (طهران وأصفهان وكرج وخراسان رضوي ومازندران) وباقي المحافظات، تعمل على تقنين بيع الخبر للمواطن الواحد ب(3) أرغفة فقط،مع ارتفاع في نسبة التضخم المالي بنسبة 68٪ وزيادة نسبة البطالة لتصل إلى 42٪ مع ازدياد ظاهرة الفقر لتشكل 45٪، مع ظهور مفاجئ لازمة السكن في أطراف المدن لتشكل قضية محلية ومشكلة لا تقتصر على عدد محدود من الأحياء والمناطق، بل تحولت إلى أزمة واسعة النطاق تمتد من أحزمة الفقر المحيطة بطهران ومشهد والأحواز وصولًا إلى كرج وزاهدان وبندر عباس والتي تفتقد للخدمات والمرافق الأساسية لحياة كريمة.
أما الولايات المتحده الامريكيه فإنها لا تسعى إلى رسم حدود الشرق الأوسط الجديد بنيران مستعرة أو الذهاب إلى مستنقع من الحروب لا تتمكن الخروج منه، وعدم التوجه لحرب إقليمية واسعة لها نتائجها السلبية على سوق الطاقة العالمية والتجارة الدولية ومصالح دول العالم، مع منع أي عمليات للاستنزاف الدائم بعد ضربات محددة وتهديدات متبادلة دون أن يتمكن أي طرف من تحقيق نصر حاسم، وجاءت الضربات الأمريكية التي سبقت عملية الاتفاق على مذكرة التفاهم، مستهدفة أنظمة الدفاع الجوي ومحطات ومواقع للرادارات قرب مضيق هرمز لتعيد للاذهان أن القوات الامريكية ما تزال في حالة استعداد وجهوزية كاملة لمواجهة أي تهديدات إيرانية محتملة خاصة بعد إسقاط المروحية الأميركية من طراز أباتشي فوق مضيق هرمز، ومثلت حالة من تعزيز سياسة الضغط الأقصى لتستجيب إيران للشروط الأمريكية المطروحة مع الاستمرار بالتهديد السيطرة على جزيرة خارك ومنشأت نفطية إيرانية، واستنزاف إيران من دون الانزلاق لحرب شاملة وتحويل عملية الاستهداف الميداني للأراضي الإيرانية إلى واقع يفرض ضغوط سياسية للمسؤولين في قيادات الحرس الثوري والمؤسسات الاستخبارية والأمنية.
شكلت عملية إسقاط المروحية الأميركية آباتشي في مضيق هرمز نقطة تحول لمسار التوتر القائم والردع المقابل بين واشنطن وطهران، والذي اتخذ مسارًا أمريكيًا في ضرب مواقع عدة جنوب إيران شملت (بندر عباس وقشم وسيريك) وتلاها هجمات مضادة إيرانية بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة على قواعد ومواقع عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين والأردن.
أن كواليس الاتفاق على مذكرة التفاهم أخذت ابعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية بعد الضربات المتبادلة، فجاءت حركة الوسطاء لتعمل بشكل دقيق وحيوي على مسار تفاوضي دبلوماسي إيجابي في رفع الحصار البحري الأمريكي وتعليق العقوبات النفطية على إيران وفتح مضيق هرمز وإيجاد آليات فاعلة لتقرير مصير اليورانيوم المخصب والنشاطات النووية الإيرانية ورفع العقوبات الاقتصادية وإعادة حركة الإعمار والبناء في المواقع والمنشآت والمباني الإيرانية.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية