حلفاء إيران في العراق يحبطون تعديلا على القانون الانتخابي يهدد سلطاتهم

حلفاء إيران في العراق يحبطون تعديلا على القانون الانتخابي يهدد سلطاتهم

على الرّغم من أن الشارع العراقي تجاوز في انتفاضته العارمة المطالب الجزئية بدافع اليأس من إمكانية إصلاح النظام القائم ومرّ إلى مطلب أشمل يتمثّل في إسقاطه برمّته واستبعاد جميع الوجوه السياسية المرتبطة به، إلّا أنّ الأطراف الرئيسية الممسكة بزمام السلطة لا تزال تواصل صراعها على ضمان مستقبل لها في حكم البلاد، وفتحت للغرض معركة جانبية مدارها تعديل القانون الانتخابي بعيدا عمّا يجري بالشارع

بغداد – لم تُثن الاحتجاجات الشعبية العارمة المتواصلة في العراق منذ بداية أكتوبر الماضي القوى السياسية الممسكة بزمام السلطة عن مواصلة “القتال” دفاعا عن مكاسبها السياسية وسعيا لضمان أدوار قيادية في حكم العراق وصنع قراره مستقبلا، وذلك على الرغم من أن تلك القوى ذاتها هي سبب الغضب الشعبي بفعل النتائج الكارثية المترتّبة عن تجربتها الفاشلة في الحكم.

وفي انفصال تامّ عما يجري، بالشارع فتحت كبرى الأحزاب والميليشيات معركة جانبية مدارها إعادة صياغة قانون الانتخابات، رغم أنّ المحتجّين تجاوزوا هذا المطلب إلى إسقاط النظام برمّته وإعادة صياغة نظام وطني بعيدا عن التبعية لإيران.

وتسعى القوى السياسية العراقية الحليفة لإيران إلى تعطيل أي جهود لتشريع قانون انتخابات يضمن فرص الترشّح للجميع ويلغي هيمنة الأحزاب والكتل الكبرى.

ويقاتل ممثلو تحالف الفتح البرلماني الذي يتزعمه هادي العامري ويعد الممثل السياسي لميليشيات الحشد الشعبي من أجل إجهاض مقترح ينص على أن يكون نظام الترشيح في الانتخابات فرديا مئة بالمئة، وهو المطلب الذي تقدّمت به قوى سياسية منافسة للفتح وتقول إنّها استلهمته من مطالب المحتجين في بغداد ومحافظات وسط وجنوب البلاد.

وعرض تحالف الفتح أكثر من مقترح يسمح للأحزاب بالمشاركة في الانتخابات عبر قوائم، لكنه يلقى رفضا كبيرا من أطراف سياسية عديدة، أبرزها تحالف “سائرون” الذي يرعاه مقتدى الصدر وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وهي أطراف ترى أن تعديل النظام الانتخابي يمنحها فرصا للحصول على حصص أكبر في السلطة خلال المرحلة القادمة.

وأجهض تحالف الفتح، الخميس الماضي، جلسة برلمانية مقرّرة للتصويت على قانون الانتخابات بعدما وجد أن صوت الترشيح الفردي سيكون أرجح، وهو ما يضع الموقف السياسي الإيراني داخل العراق في مواجهة حركة الاحتجاج الشعبية الواسعة، التي يعد التخلص من هيمنة طهران على القرار السياسي في بغداد أحد أبرز مطالبها.

ويقول نواب من الكتلة التي يرعاها الصدر إن تحالف الفتح المدعوم من إيران يدرك أن التنافس عبر قوائم جماعية هو السبيل الوحيد للمحافظة على وجوده في المرحلة المقبلة.

وتلغي المنافسة عبر القوائم جميع الفروق الفردية بين المرشحين وتسمح قوانينها بإعادة منح أصوات الناخبين لمرشحين خاسرين خلافا لإرادة أصحابها.

النظام الانتخابي المعمول به في العراق كرّس تزوير إرادة الناخبين وضمن لإيران تمثيلا منتظما عبر وكلائها في البرلمان العراقي

ويمكن لرئيس القائمة أن يوزع الفائض من أصواته على مرشحين آخرين ما سمح مرارا خلال الانتخابات السابقة بصعود نواب لم ينالوا أصواتا كافية بشكل مباشر من الجمهور، لكنهم ربما قاموا بشرائها أو حصلوا عليها بطرق مختلفة.

واعتادت القوى السياسية العراقية المرتبطة بإيران على النظر إلى العملية الانتخابية بطريقة مجمّعة بحيث يمكن التحكم في تلك العملية بشكل كلي عبر قانون الانتخابات أولا، والمفوضية التي تشرف على إجراء الانتخابات ثانيا، والتأثير على المسار التصويتي من خلال التزوير أو شراء الأصوات ثالثا، وأخيرا ترتيب صفقات داخلية لتصعيد مرشح خاسر كما حصل من النائب الحالي محمد كربولي أو إقصاء مرشح فائز كما حصل مع النائب الفائز باسم خشان.

وبسبب هذه الخارطة المعقدة من المسارات القانونية وغير القانونية، جاء التمثيل السياسي في البرلمانات المتعاقبة منذ سنة 2005 على هوى إيران، لذلك تمكنت دوما من صياغة تركيبة ثلاثية تضم رئيس وزراء ورئيس جمهورية ورئيس برلمان، تخدم مصالحها. وحتى عندما طورت أطراف سياسية مشروعا لمواجهة خطة الهيمنة الإيرانية على الحياة السياسية في 2010 اصطدمت بقدرة طهران على إبرام صفقات جانبية تحافظ على نفوذها.

لذلك يعتقد كثيرون أن مجرد تشريع قانون انتخابي لا يتماشى مع التركيبة الملائمة للسياسة الإيرانية في العراق لن يؤدي بالضرورة إلى القضاء على نفوذ طهران في بغداد، لكنه لو ارتبط بالدعوة إلى انتخابات مبكرة، فقد تكون النتائج مؤثرة فعلا.

وانطلاقا من هذا التصور، حرص قيس الخزعلي زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق الموالية لإيران، وتملك 15 مقعدا في البرلمان العراقي على ربط الدعوة للانتخابات المبكرة بمؤامرة أميركية إسرائيلية تستهدف قلب نظام الحكم في العراق.

وبدا أن الخزعلي كلف بالتصدي لمشروع الانتخابات المبكرة، إذ شن عليه هجمات متعددة في مناسبات مختلفة. وبرغم الأسئلة التي يوجهها له صحافيون عن أسباب الربط بين هذه الخطوة والمؤامرة الخارجية، إلّا أنه يكتفي بالقول إنه سيكشف كل شيء في وقته.

لكن رفض الخزعلي لفكرة الانتخابات المبكرة، يخفي وراءه خشية إيرانية كبيرة من أن تتعرض الأحزاب العراقية الموالية لطهران إلى تصويت عقابي خلال أي اقتراع يحدث قريبا. ويقول مراقبون إن إيران تعي حجم الغضب الشعبي في أوساط العراقيين ضد نفوذها السلبي في بلادهم، وهو ما سيترجم بشكل واضح خلال أي انتخابات قريبة.

وفي حال تشريع قانون انتخابات يقرّ الترشيح الفردي المطلق وإجراء اقتراع مبكر استنادا إليه، فقد يتضرر التمثيل السياسي للأطراف الموالية لإيران بشدة في البرلمان العراقي المسؤول عن تسمية رئيس الجمهورية ومنح الثقة لرئيس الوزراء.

العرب

Print Friendly, PDF & Email