الفلاشا بإسرائيل.. ورقة انتخابية وتوازن ديموغرافي

الفلاشا بإسرائيل.. ورقة انتخابية وتوازن ديموغرافي

يعكس اعتراف مجلس الحاخامات الأعلى بالفلاشا (المهاجرين من إثيوبيا) بجذورهم اليهودية حسب التعاليم التوراتية، وذلك بعد تأخير استمر 47 عاما، الصراعات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي بالقضايا الدينية والمجتمعية، والتي يتم التستر عليها من خلال تأجيج الصراع مع الفلسطينيين والتلويح بفزاعة النووي الإيراني.
ويأتي هذا الاعتراف على وقع تداعيات الاحتجاجات التي تواصلت لأسابيع وفجرتها جالية الفلاشا عام 2019، وذلك بسبب مقتل شابين برصاص الشرطة الإسرائيلية مؤخرا.

وعمقت هذه الاحتجاجات من أزمة العلاقات بين المؤسسة الإسرائيلية واليهود مع المهاجرين من أصول إثيوبية، وزادت من حالة الاحتقان وسط جالية “الفلاشا” التي طالبت بوقف سياسة التمييز العنصري الديني والمجتمعي والمؤسساتي ضدها.

ودعت الجالية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للسعي من أجل الإفراج عن الإسرائيلي من أصول إثيوبية أفراهام منغيستو الذي تحتجزه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة.

وفي ظل الاحتجاجات، عاقب الناخبون من أصول إثيوبية حزب الليكود وامتنعوا عن التصويت له بانتخابات الكنيست في سبتمبر/أيلول الماضي. وعليه، عمد نتنياهو إلى التقرب من الفلاشا لامتصاص غضبهم الشعبي واستمالتهم بالانتخابات، حيث وضع المرشح غادي يفركان من أصول إثيوبية في مكان متقدم ضمن قائمة الليكود.

استقدام ومعاناة
ويبلغ عدد الفلاشا 170 ألفا ويحق لنحو مئة ألف منهم الاقتراع بالانتخابات، وقد بقوا على مدار 47 عاما رهينة لإجراءات مجلس الحاخامات لإثبات أصولهم اليهودية، حيث تلقوا خلالها معاملة تمييزية من المؤسسة الدينية والحاخامية التوراتية.

وتواصلت معاناة الفلاشا الذين تم استقدامهم ليكونوا مع الهجرة الروسية السلاح لمواجهة النمو الديموغرافي للفلسطينيين، لكن سياسات التمييز العنصري تكرست ضدهم.

ورغم من سياسات التهميش والعنصرية، فإنه تم خلال عامي 2018 و2019 استقدام المئات من الفلاشا عن طريق ملفات لمّ الشمل، في الوقت الذي صادقت فيه حكومة نتنياهو الانتقالية على استقدام ألف مهاجر من إثيوبيا من أصل ثمانية آلاف ينتظرون في مدينتي قوندر وأديس أبابا.

ويلغي اعتراف مجلس الحاخامات الأعلى بيهودية المهاجرين الإثيوبيين وثيقة قديمة شككت بالجذور اليهودية لهم، وفرضت عليهم إجراءات مشددة ومعقدة للمصادقة على ديانتهم اليهودية، كما تم توطينهم بالضواحي وأحياء سكنية منعزلة عن الأحياء السكنية اليهودية.

إجراءات التهويد للفلاشا بإثيوبيا قبيل استقدامهم إلى إسرائيل (الجزيرة)
إجراءات التهويد للفلاشا بإثيوبيا قبيل استقدامهم إلى إسرائيل (الجزيرة)
هجرة وتمييز
اعتمد الحاخامات سياسات دينية تميزية ضد الفلاشا، رغم فتوى صادرة عن الحاخام عوفاديا يوسف الزعيم الروحي لحزب شاس واليهود الشرقيين، حيث سعى حزبه منتصف تسعينيات القرن الماضي لاستمالة الفلاشا بالانتخابات والحصول على أصواتهم، وأكد على الجذور اليهودية لهؤلاء المهاجرين لكن لم يتم العمل بالفتوى التي أتت خلافا لفتوى الحاخام الأشكنازي شلومو غورين.

ووسط هذا السجال الديني، عملت الحكومة -بالتعاون مع الوكالة اليهودية والجمعية الأميركية لليهود الإثيوبيين- على نقل الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل عبر ست حملات هجرة كانت أولها عام 1977، حيث تم استقدام نحو 2500 شخص، وجرت عملية الهجرة الثانية عام 1982 فاستقدم نحو 25 ألفا.

وواصلت تل أبيب حملات استقدام الفلاشا في ثمانينيات القرن الماضي لتعزيز الطابع اليهودي للدولة وأيضا من أجل حسم التوازن الديموغرافي لصالح اليهود بفلسطين التاريخية، وتم استقدام قرابة ثلاثين ألفا من الفلاشا من منطقة جنوب السودان.

ولم تتوقف عمليات استقدام يهود الفلاشا والتي أتت لدوافع سياسية والنظر إليهم كاحتياط أصوات من قبل بعض الأحزاب الإسرائيلية، ومع بدء الهجرة الروسية لفلسطين التاريخية تم استقدام حوالي عشرين ألفا من الفلاشا، وعام 2012 استقدم ثمانية آلاف مقابل حوالي مليون روسي خلال عقد ونيف.

تكتم وتشكيك
وتكتم مجلس الحاخامات على الإعلان عن الاعتراف بالفلاشا شهرين خوفا من معارضة بعض أحزاب الحرديين والصهيونية اليهودية المتجددة التي تشكك بالجذور اليهودية لمن تم استقدامهم من إثيوبيا.

وتزامن الإعلان مع تصريحات الحاخام الشرقي الأكبر لإسرائيل يتسحاق يوسف الذي هاجم المهاجرين من دول الاتحاد السوفياتي السابق، كونهم يصوتون لحزب “يسرائيل بيتنا” بزعامة أفيغدور ليبرمان.

وعزا أوريه إلكايام مراسل التلفزيون الإسرائيلي (كان) التكتم على هذا الاعتراف إلى المشهد الانتخابي الذي تعيشه إسرائيل ومخاوف الحزب الحاكم (الليكود) من ردة فعل عكسية ومعارضة لهذا الاعتراف الذي سعى نتنياهو إلى توظيفه في حملته الانتخابية.

وأوضح المراسل أن هذا الاعتراف التاريخي يأتي في أعقاب الكشف عن النهج العنصري في أنظمة الخدمات الدينية حتى تجاه المهاجرين وخاصة الفلاشا المعروفة بجالية “بيتا يسرائيل”.

ولفت إلى أن الامتحان الحقيقي للحاخامية الدينية إلغاء النهج الذي كان سائدا على مدار عقود، والتأكد من أن التوجيه بإلغاء الاختبارات اليهودية القائمة على لون البشرة قد تم تنفيذه بالكامل، واتخاذ إجراءات صارمة ضد أي كشف عنصري بأنظمة الخدمات الدينية.

ويرى أن عشرات الآلاف من المهاجرين الإثيوبيين ليس لديهم ثقة بمجلس الحاخامات الأعلى، ويستبعدون أن يسهم هذا الاعتراف في إلغاء سياسة التمييز والإجحاف والإقصاء عن المجتمع اليهودي، وذلك رغم محاولة المؤسسة الإسرائيلية اعتماد سياسة التمييز المفضل لصالح الفلاشا.
اعلان

من جانبه، بدا الحاخام شارون شالوم، وهو رئيس معهد الأبحاث الدولي لليهود الإثيوبيين بالكلية الأكاديمية “أونا” في تل أبيب، أكثر وضوحا حين قال إنه “لا يوجد أي معنى جوهري لاعتراف مجلس الحاخامات الأعلى باليهود الإثيوبيين”.

وأكد حاخام الفلاشا أن هذا الاعتراف سيبقى فارغا من أي مضمون، في حال تواصلت سياسة التمييز العنصري ضد اليهود من أصول إثيوبية، وهي الثقافة العنصرية المتجذرة في المجتمع الإسرائيلي بسبب البشرة السوداء.

محمد محسن وتد

الجزيرة