في الذكرى 17 للغزو الأميركي.. 9 دروس من حرب العراق

في الذكرى 17 للغزو الأميركي.. 9 دروس من حرب العراق

تناولت مجلة ناشيونال إنترست الأميركية الذكرى الـ17 للغزو الأميركي للعراق، وقالت إن تلك الحرب يجب أن تكون بمثابة جوهرة تاج المعرفة والتبصر لدى دوائر صنع القرار الأميركية، وأشارت إلى مقولة للفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت في أوائل القرن العشرين بأن “كنز الإنسان الحقيقي هو أخطاؤه التي تتراكم على مدى آلاف السنين”.

وأكد الكاتب روبرت د. كابلان في مقال نشرته المجلة اليوم، أنه يتعين علينا أن ندرك أن الأمور يمكن أن تكون دائما أسوأ (1)، موضحا أنه كتب تقارير حول ما يحدث في جميع أنحاء العراق مرات عدة في الثمانينيات، وأشار إلى أن السلطات العراقية صادرت جواز سفره لمدة عشرة أيام.

وأضاف أنه لم يستطع أن يتخيل نظامًا أكثر رعبًا من نظام صدام حسين، وكان العراق في ذلك العهد لا يعدو أكثر من كونه معسكر اعتقال كبيرا، أكثر دمويةً وقمعًا من سوريا في عهد الرئيس حافظ الأسد.

لكنه اكتشف خلال وجوده في العراق إبان الاحتلال العسكري الأميركي، أن الفوضى أسوأ بكثير من الاستبداد، وأن العراق في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان مرعبًا أكثر مما كان عليه في ظل حكم صدام.

وأضاف الكاتب أنه انطلاقا من هذه الحقيقة ينبغي عدم اتخاذ أي أمر أو قرار على أنه من المسلّمات، ما لم تكن هناك خطة شاملة لإرساء نظام جديد وأفضل (2). لا تستخدم قوتك أو سلطتك لاتخاذ قرارات تجاه أي نظام قائم. وحسب الكاتب والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو “يكون الثائر ملتزمًا أخلاقيًا بإعداد نظام أفضل ليحل محل النظام الذي يريد قلبه، وبخلاف ذلك تكون الثورة مشوهة أخلاقيًا. ينبغي أن يتم إرساء النظام قبل الحرية لأن لا أحد يمكنه التمتع بالحرية في غياب وجود سلطة مركزية.

وأشار الكاتب إلى أن المعلومات الميدانية أكثر جدوى من التحليل الواسع الأكثر شمولية (3). لقد فشل الأميركيون في العراق لأن صانعي السياسة الكبار لم يكونوا مدركين للكثير من الحقائق التي يعرفها الصحفيون الميدانيون المغامرون. لقد كان متابعا للعراق عن كثب في الثمانينيات، لكنه لم يشهد تفاقم الانقسامات الطائفية، إلى جانب الضعف الدراماتيكي للمجتمع العراقي خلال فترة التسعينيات في ظل نظام العقوبات الذي جعل العراق في نهاية المطاف عرضة للنفوذ الإيراني.
اعلان

وأورد الكاتب أن المعرفة الشاملة ينبغي أن تؤدي إلى التواضع بشأن ما يمكن تحقيقه وما لا يمكن تحقيقه في مكان ما، والتواضع ينبغي أن يقودنا لافتراض الأسوأ (4). إن الرصد المباشر الميداني يسبق الوهم والحكم عن بعد. تبعًا لذلك، يصبح التدخل الناجح ممكنا فقط بافتراض الأسوأ. وعندما تغزو بلدًا معينًا ينبغي أن تكون قادرًا على الحكم، حيث تتطلب الحوكمة التخطيط المسبق الشامل.

لا تبالغ في التواضع (5). يمثل الإفراط في التعويض عن الأخطاء السابقة أمرًا شائعًا. وكان الشعور بالذنب بسبب كارثة الحرب العالمية الأولى العامل النفسي الرئيسي الذي دفع الطبقة الحاكمة البريطانية إلى استرضاء ألمانيا النازية، وذلك خوفًا من اندلاع حرب عالمية أخرى لا معنى لها. إنها دائمًا مسألة توازن، وتماما مثلما لا تنجح الدعوات المتكررة للتدخل الأخلاقي دوما في كسب الرأي العام، فإن الانعزالية الجديدة لن تستمر في عالم يزداد ترابطًا على نحو متزايد، حيث تنتقل الأزمات بانتظام وبسهولة من منطقة إلى أخرى. وفيروس كورونا هو مجرد مثال صارخ على ذلك.

وأورد الكاتب أنه باستثناء الحرب الشاملة، لا يجب أن نبالغ في التركيز على دور الجيش (6). فقد كانت الحرب في العراق حربًا متوسطة الحجم وليست حربًا شاملة. والحروب متوسطة الحجم التي تخاض بوسائل محدودة، حيث يوجد الجيش في الجبهة والسكان في المركز التجاري، من نوع الحروب الذي تتعامل معه الأنظمة الديمقراطية الشعبوية بشكل سيئ. فالحروب متوسطة الحجم تتطلب بشكلٍ خاص دورًا محوريا للدبلوماسية والعمليات الاستخباراتية والشؤون المدنية في المناطق المحررة. وبالنظر إلى حالة العراق، يجب أن نكون حذرين من الإفراط في إضفاء الطابع العسكري على صراع الولايات المتحدة مع الصين. يمكن لمثل هذا الإجراء أن ينفر المؤسسات الليبرالية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا مع مرور الوقت.

انظر إلى ما وراء دورة الأخبار القادمة (7). على الرغم من أن قرار غزو العراق كان قيد التنفيذ لعدة أشهر، فإن العامل المحفز لهذا القرار حدث في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 مباشرةً، وذلك عندما توحد الشعب والنخبة لأسابيع عدة من أجل الانتقام. في المقابل، لم يعتقد واضعو السياسات أنه لا يمكن لمثل هذه الوحدة والحماس أن يستمرا، وأن الأفكار التي تم التوصل إليها في خضم مزاج عام واحد سيُحكم عليها من خلال مزاج ومعايير حالة مختلفة تمامًا.

وأوضح الكاتب أن السياسة الخارجية هي بمثابة تسلسل هرمي للاحتياجات (8)، حيث تُعطى الأولوية لحسابات المصالح قبل القيم. حال حساب تلك المصالح بشكل صحيح، فإن القيم ستحذو حذوها. فالتدخلات الإنسانية في كل البوسنة وكوسوفو حدثت، مثلا، بعد انتهاء الحرب الباردة، ولكن قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وقبل بروز البحرية الصينية. بيد أن مثل هذه التدخلات نادرة. ويرى الكاتب أن مبرر المصلحة الوطنية للإطاحة بصدام حسين لم تكن مقنعة طالما لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل.

احذر من إخضاع قرارات السياسة الخارجية للتفكير التاريخي بعيد المدى (9)، ما دامت المخاطر والتكاليف تقاس وفقا لما هو عملي في حينها. وقد أراد الأشخاص الذين أعرفهم ممن دعموا حرب العراق أن يكون الشرق الأوسط أكثر إنسانية وليبرالية، لذلك بدت الإطاحة بنظام صدام حسين هدفا يستحق تلك الحرب. والحق أن الأمر كان مبالغا به، كما يرى الكاتب.

الجزيرة