المقايضة المشروطة: الأحزاب أم المستقلون.. من يسيطر على برلمان مصر القادم؟

المقايضة المشروطة: الأحزاب أم المستقلون.. من يسيطر على برلمان مصر القادم؟

3789

يبدو أن أزمة التواصل الجماهيري التي تعاني منها كافة الأحزاب في الشارع المصري أصبحت لا تُمثل معضلةً لبعضها في حسم مقاعد بالانتخابات البرلمانية المقبلة. فقد استطاعت تلك الأحزاب مؤخرًا التغلب على هذه الأزمة من خلال التقاط رموز المستقلين وترشيحهم بصفاتها الحزبية. الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات، هي: ما هي المسارات التي اتخذتها هذه الأحزاب للتغلب على تلك الأزمة مؤخرا؟ وما هو تأثيرها على فرص المستقلين في الانتخابات المقبلة؟ وهل تفاقمها سيغلب نسبة الأحزاب على نسبة المستقلين في مجلس النواب؟.

تنشيط موسمي:

بعد ثورة الـ30 من يونيو قطعت أغلب الأحزاب المصرية جسور اتصالها بقواعدها في المحافظات التي بنتها في الفترة التي تلت مباشرة ثورة الـ25 من يناير حتى انتخابات مجلس النواب المنحل في 2011. ومثّلت الفترة التي تلت خروج الإخوان من السلطة أعلى معدل لفقدان الاتصال بين الأحزاب التي تأسست قبل وبعد 25 يناير 2011، وقواعدها في المحافظات وعلى المستوى القاعدي في المراكز والقرى. وقد أدت عملية التنشيط الموسمي للاتصال الحزبي بالجماهير إلى فقدان ثقة بين الطرفين تمثلت ملامحه فيما يلي:

1. الهجرة شبه الجماعية من الأحزاب التي تشكلت بعد ثورة الـ25 من يناير، نتيجة فشل الأحزاب في تحقيق الوعود التي تضمنتها معظم برامجها، أو التي قِيلت شفويًّا أثناء جمع توكيلات التأسيس، وأيضًا نتيجة إغلاق أغلب الأحزاب مقارها في المحافظات نتيجة عدم قدرتها على دفع الإيجارات، والهروب من مواجهة المواطنين.

2.المشروطية السياسية: فنتيجةً لإدراك المرشحين المنتقلين من الحزب الوطني المنحل، والمنتقلين من عائلات وقبائل تعتبر نفسها أقوى من أي تنظيم، ومن أصحاب الخدمات، إلى أحزاب ما بعد يناير 2011 وبعض ما قبلها، بسبب غياب حزب للسلطة في نظام ما بعد 30 يونيو، لا سيما بعد تكرار الرئيس السيسي رفضه تشكيل ظهير سياسي وحزبي له، إضافة إلى حالة الاسترخاء التي أصابت تلك الأحزاب في فترات ما بعد خروج الإخوان من المشهد – فقد أثقل هؤلاء المرشحون من فرض شروطهم على تلك الأحزاب، الأمر الذي انتهى إما إلى عودة صفة الاستقلالية، أو استهدافهم من قبل أحزاب أقنعتهم بتوفير الشرط المادي كمقابل لعدم القدرة على تلبية الخدمات في فترة ما قبل انعقاد البرلمان.

3. التبديل الحزبي: نتيجة فقدان التواصل بين الأحزاب وقواعدها الجماهيرية، وعدم وضوح بعض الأحزاب في تحديد من يتحمل تكلفة الانتخابات (المرشح أم الحزب؟) – فقد حدثت خلال الأيام الأخيرة ظاهرة جديدة لم تشهدها الحياة السياسية من قبل، وهي انتقال أعضاء ومرشحين محتملين أعلنوا ترشحهم على قوائم أحزاب إلى قوائم أحزاب أخرى، إلى درجة أن بقاء بعض الأعضاء وبعض المرشحين المحتملين في بعض الأحزاب لا تتجاوز أيامًا. ويرجع تزايد ظاهرة التبديل الحزبي مؤخرًا إلى السيولة في عدد المرشحين المحتملين، وكذلك الفهم الخاطئ لنداء الرئيس بتوحيد القوى السياسية في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

طرق بديلة:

لجأت بعض الأحزاب للتغلب على ظاهرة فقدان التواصل الجماهيري، ونتائجها، المتمثلة في الهروب شبه الجماعي لأعضاء بعض الأحزاب من أحزابهم، وعدم استقرار الراغبين في الترشح على اختيار حزب بعينه – إلى طرق بديلة تمثلت فيما يلي:

أ‌. التقاط رموز المستقلين، حيث لجأت مؤخرًا بعض الأحزاب بعد تأكدها من حدوث انفصال جماهيري عنها بعد فشلها في تحقيق أيٍّ من وعودها التي رفعتها عند التأسيس، أو في سد الفراغ الذي أحدثته بعض أحزاب الإسلام السياسي – إلى تصفية المرشحين المحتملين من المستقلين، سواء كانوا نوابًا سابقين في برلمانات 2000، 2005، 2010، 2011، أم كانوا منافسين لهؤلاء النواب في البرلمانات السابقة، أو يمثلون رموزًا عائلية وقبلية ذات كتلة تصويتية جاهزة تتحرك معهم أيًّا كانت صفة ترشحهم الانتخابية، مستقلين أم حزبيين.

شكل يُعبر عن حالة ترشح المستقلين على الأحزاب”

وقد اتضحت هذه الظاهرة في حزب (المصريين الأحرار) الذي استقطب العدد الأكبر من المستقلين (سواء كانوا نوابًا أم رموزًا انتخابية في دوائرهم) في قطاعات الجمهورية الأربعة، و(حزب الوفد) الذي احتل الترتيب الثاني في استقطاب نواب الوطني ورموز العائلات والمستقلين الخدميين، ثم أحزاب الحركة الوطنية، والمؤتمر، ومستقبل وطن، وحماة الوطن.

ب‌. تضييق خريطة الترشيح: لجأت بعض الأحزاب التي تمثل المستوى الثاني، أي ذات الحجم المالي الأقل، والتي عانت من نفس مشكلة التواصل الجماهيري – إلى تضييق خريطة مرشحيها. فقد لجأت إلى فكرة “انتقاء الدوائر”، وهذه الأحزاب لا تُفكر في تحقيق أكثرية داخل البرلمان، بل أقصى ما تُفكر فيه هو تمثيلها بمقعد أو اثنين على الأكثر. ويلاحظ أن هذا النمط من الترشيح يتركز في أغلب أحزاب ما بعد يناير، باستثناء التي تلعب دورًا كبيرًا في عملية فك وتركيب تحالفات دوائر القوائم.

ت‌. التنسيق في الدوائر التي تستهدفها أحزاب الإسلام السياسي: الظاهر أنه رغم تنافس ما لا يزيد عن ثلاثة أحزاب مدنية ذات ثقل مالي في التقاط المرشحين المستقلين للترشح بصفاتهم الحزبية، وبتلبية أي شروط مادية يفرضها المرشح؛ فإن ظاهرة التنافس بين الأحزاب المدنية تتحول إلى تنسيق كامل في الدوائر التي تستهدفها الأحزاب الإسلامية، حيث توجد دوائر تقتصر فيها المنافسة الحزبية المدنية على حزب واحد في مواجهة مرشح من حزب النور على سبيل المثال.

حجم التأثير:

قد تؤدي ظاهرة التقاط بعض الأحزاب لرموز المستقلين والقادرين منهم على المنافسة لمعالجة خلل التواصل الجماهيري إلى ترجيح تقارب نسبة نواب الأحزاب ونسبة المستقلين في البرلمان أو تفوق نسبة الأحزاب على المستقلين بفارق محدود، وهو ما نحدده في التالي:

1. من المحتمل أن يكون المتنافسون من المستقلين في أغلب الدوائر من مرشحي الدرجة الثانية، وقد لا يستطيعون منافسة المنتقلين منهم إلى الأحزاب ذات الثقل المادي؛ حيث إن عدد المترشحين من المستقلين بلغ في مرحلة الانتخابات المتوقفة 5053 مرشحًا فرديًّا، كان منهم 3514 مرشحًا مستقلا أغلبهم من مرشحي الدرجة الثانية والثالثة في دوائره، ويفتقدون للـ”عزوة” والقبيلة والثقل الجماهيري، بينما بلغ عدد المستقلين من الذين كانوا نوابًا في برلمانات سابقة ومن أعضاء الوطني المنحل ذي العصبية والقبلية ومن مقدمي الخدمات وترشحوا على أحزاب (1539 مرشحًا)، قد تنحصر أغلب مقاعد الإعادة فيما بينهم.

2. من المرجح أن يؤدي التشابك العائلي في بعض قطاعات الجمهورية، وخاصة قطاعي الصعيد والدلتا،  في ظل موافقة الأحزاب ذات الثقل المالي للمشروطية الانتخابية التي تحددها تلك التشابكات – إلى حسم معظم الدوائر للمستقلين المنتقلين لتلك الأحزاب. فمن الملاحظ من خلال قراءة ترشيحات المرحلة الانتخابية المتوقفة أن بعض الأحزاب ارتمت في حضن العائلات، وانتهى الكثير منهم إلى أن يحمل مرشحوها الصفة الحزبية. فعلى سبيل المثال، بلغ عدد العائلات المترشحة في محافظة الأقصر 9 عائلات، ترشح من رموزها 8 أفراد على أحزاب (المصريين الأحرار) و(الوفد) و(حراس الثورة) و(السلام الديمقراطي).

وفي النهاية، يُمكن القول إنه في ظل نص المادة “6” من قانون مجلس النواب، المتضمن “يشترط لاستمرار العضوية بمجلس النواب أن يظل العضو محتفظًا بالصفة التي تم انتخابه على أساسها، فإن فقد الصفة، أو غير انتماءه الحزبي المنتخب على أساسه أو أصبح مستقلا أو صار المستقل حزبيًّا؛ تسقط عنه العضوية بقرار من مجلس النواب بأغلبية الثلثين”. وفي ظل اقتصار تواجد ظاهرة التقاط المستقلين في حزب أو حزبين فقط من الأحزاب المتنافسة، قد يأتي شكل البرلمان المقبل على غير الترجيحات التي تُشير إلى سيطرة المستقلين على البرلمان. وقد يتعثر البرلمان المقبل في سرعة انجاز مهامه الأولى، خاصة إصدار اللائحة وتشكيل مكاتبه النوعية، خاصة في حالة تمدد ظاهرة التقاط وتصفية رموز المرشحين المستقلين التي تقوم بها الأحزاب ذات الثقل المالي.

المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية