الصين تحرك خيوط عسكرة سياساتها الخارجية في أفريقيا

الصين تحرك خيوط عسكرة سياساتها الخارجية في أفريقيا

يرى محللون سياسيون أنه رغم أن الشرق الأوسط يعتبر المنطقة الاستراتيجية الرئيسية في العالم والتأثير فيه يعني النفوذ والقوة لكن ذلك لا يكتمل دون التواجد القوي في مناطق أخرى، فالصين، التي نجحت في أن تستعيد حضورها على الساحة السياسية الدولية من بوابة الاقتصاد تحتاج إلى أن تدعم هذا الحضور في أفريقيا من خلال عسكرة سياستها الخارجية التي يبدو أنها باتت محل متابعة من الغرب بشكل كبير وخاصة الولايات المتحدة التي دخلت معها في حرب تجارية.

بكين – تتنامى بواعث القلق الغربي وخاصة من الولايات المتحدة من أن تغير الصين استراتيجيتها الاقتصادية تجاه أفريقيا لتركز على توسيع نفوذها العسكري في خضم التوترات التي باتت السمة الأبرز في مناطق كثيرة من العالم. ما يعني أن الجميع سيشهد على فترة من المتغيرات السياسية والجيواستراتيجية.

وتنظر الولايات المتحدة إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية بعين الشك منذ أزاح الرئيس شي جين بينغ الستار عنها في عام ،2013وهي عبارة عن برنامج استراتيجي ومترامي الأطراف من مشروعات البنية التحتية وقد تفاقمت الهواجس على مدار الأعوام الماضية مع موافقة عدة بلدان نامية على قروض بمليارات الدولارات يتعذر عليها سدادها.

وتقوم السياسة العسكرية الصينية على إطار تفاعلي في ظل ثوابت ومحددات السياسة الخارجية للبلاد، جعلها تدور في فلك ثوابتها الدبلوماسية المتمثلة في إقامة علاقات تفاعلية تحقق لها الدفاع عن السيادة وتعزيز فكرة الصين الواحدة، لذلك يتم النظر إلى الجيش على أنه جزء أساسي من أدوات السياسة الخارجية للبلاد.

ويؤكد منتدى الدفاع الأفريقي أن هناك أدلة تبرهن على النهج الذي تنتهجه الصين في أرجاء أفريقيا إذ تمخضت مشروعات مبادرة الحزام والطريق عن حصول احتجاجات محلية وتحقيقات حكومية على خلفية القروض المبهمة والديون التعجيزية وتزايد الاعتماد على المنتجات والقوى العاملة والمشروعات التجارية الصينية.

أما الآن، فتزايدت المخاوف من إمكانية شروع الصين في تسليح قطاع من أصول المبادرة ألا وهو الموانئ، حيث يعد من أهم العوامل التي تركز عليها بكين اليوم لتحقيق فكرة الانتشار دون ضجيج يذكر، ولكن التساؤلات بدأت تقفز أمام المتابعين من أن تكون هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة من الصراعات مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

تشتيت الأنظار

لقد أثارت هيئتان بحثيتان قضية الموانئ الأفريقية، التي تؤول ملكيتها للدولة الصينية ،بحيث تخدم أغراضا تجارية الآن وربما أغراضا عسكرية في المستقبل ما يقود دفّة الاهتمام وتسليط الضوء على سياسة الحفاظ على مصالح بكين، التي تقوم على السياسة الناعمة اقتصاديا دون التدخل في شؤون أي دولة.

وما يثير حفيظة المتابعين بشكل بالغ ما تضمنه تقرير معهد جمعية آسيا للدراسات السياسية، الذي نشر مؤخرا بعنوان ”تسليح مبادرة الحزام والطريق”، والذي تزامن مع إصدار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تقريرا بعنوان ”النفوذ والبنية التحتية: مخاطر المشروعات الأجنبية”، والذي كشف أنه إلى جانب موانئ القرن الأفريقي فهناك 64 ميناء في منطقة جنوب الصحراء الكبرى على علاقة بالصين.

ويقول جود ديفرمونت، مدير البرنامج الأفريقي بالمركز إن هذه الموانئ تتمركز على طول كل شاطئ، بحيث تمكِّن بكين من الوصول إلى الطرق البحرية والممرات الملاحية الرئيسية، وهناك شواهد على أنها تعتزم استخدام هذه الاستثمارات في الموانئ لزيادة نفوذها العسكري والسياسي.

وفضلا عن أن ستة موانئ على الأقل من إجمالي الموانئ التي تناولتها الدراسة قد زارتها القطع البحرية الصينية وتُستخدم للأغراض المدنية والعسكرية، وتعتبر 11 ميناء من الموانئ التي تشغِّلها الكيانات الصينية من الموانئ العميقة، مما يسمح بإمكانية دخول السفن التجارية، وكذلك العسكرية، الأكبر حجما لترسو في الميناء، إلا أن الصينيين يخططون للتوسع حتى غرب أفريقيا.

ومنذ أن بدأت الصين في دخول قارة أفريقيا والتركيز على الموانئ بدأت في نفوذها الاقتصادي وخاصة في القرن الأفريقي حينما دخلت في جيبوتي لتحقيق أهدافها الأمنية، واللافت أن معظم ديون جيبوتي الخارجية حصلت عليها من بنوك صينية على إثر تمويل مشروعات المبادرة، ومنها ميناء دوراليه الذي يعتبر أكبر وأعمق ميناء في أفريقيا، حيث تسيطر البنوك الصينية على تشغيل الميناء الذي يخدم الشركات الصينية بالدرجة الأولى.

وتنبع الرغبة الصينية في الحضور العسكري في أفريقيا، كجزء من سياستها التي ترفع شعار “تجديد شباب الصين كقوة عظمى”، حيث اتبعت بكين سياسة خارجية تنافسية وحازمة، فبعد أن كانت ترفع شعارا عسكريا يقول “إخفاء قدراتنا، وقضاء وقتنا” اتجهت في الآونة الأخيرة نحو الانفتاح العسكري.

وتترابط المشاريع العسكرية بين الصين والدول الأفريقية مع مشاريعها الاقتصادية، حيث تعمل كالمغناطيس لجذبها عن القوى الاستعمارية القديمة لها مما يعطيها القدرة على إحداث توازنات في سياستها الخارجية وبناء قدرات دفاعية متماسكة تمكنها من الدفاع والمحافظة على مشاريعها المنفذة ضد الاعتداءات الخارجية أو الهجمات الإرهابية المحتملة.

لعبة القواعد العسكرية

في عام 2017، أثارت جيبوتي، البلد الصغير الواقع على الطرف الشرقي للقارة الأفريقية، الكثير من الجدل، بعد أن فتحت أراضيها لاستقبال قاعدة عسكرية بحرية صينية، هي الأولى من نوعها لـ”المارد الآسيوي”، لتنضم إلى كل من الولايات المتحدة وفرنسا في حماية مصالحها البحرية في أهم بقاع التجارة البحرية في العالم.

ولم تكن الخطوة الصينية مفاجئة للمهتمين بالشأن الأفريقي في ذلك الوقت، حيث بدأت الصين منذ 2016 في تجسيد فكرة إقامة قاعدة لوجستية في القرن الأفريقي التي تحتل موقعا استراتيجيا للتجارة العالمية بسبب موقعها عند مضيق باب المندب المدخل الرئيسي لقناة السويس، أكثر طرق الملاحة ازدحاما في العالم.

وافتتحت الصين بعد مرور شهرين من إكمال الميناء قاعدتها العسكرية الخارجية الأولى والوحيدة على بعد 5 كيلومترات غربي الميناء علما بأن قاعدة الولايات المتحدة الوحيدة الدائمة في أفريقيا تقع على بعد بضعة كيلومترات فحسب ناحية الجنوب الشرقي.

ولكن بواعث القلق تتردد اليوم في الغرب بشكل أكبر في ظل المعلومات التي تفيد بأن بكين تريد عسكرة الموانئ وفق ما تمليه عليها سياستها الخارجية، فقد تحدث كيفين رود، رئيس معهد جمعية آسيا للدراسات السياسية، في تقرير المعهد عن منهج الصين الذي وصفه بأنه ”نهم شديد وواضح على الموانئ في العالم.”

وكتب يقول “لقد تراكمت شكوك على خلفية الموانئ التي يبدو أنَّها مبالغ في إنشائها في حين أنَّها غير مستغلَّة الاستغلال الأمثل على طول طرق التجارة المهمة في المحيط الهندي والتي يبدو أنَّ إمكانياتها تؤهلها لأن تكون قواعد بحرية بدلا من استقبال العمليات التجارية”.

وتعتبر العقيدة العسكرية الصينية أن أفريقيا مجال حيوي ومصدر لحماية الأمن القومي يجعلها على أتم الاستعداد للتدخل العسكري إذا تم المس بإمدادات الطاقة والمواد الأولية التي مصدرها القارة، فالتواجد العسكري للصين في القارة السمراء في تصاعد خاصة مع رغبة الحكومات الأفريقية في تنويع الشركاء الدوليين في المجال العسكري، والصين تعد أحد أفضل البدلاء عن الشركاء التقليديين.

وقد تزايد التواجد العسكري للصين بشكل رسمي في أفريقيا منذ العام 2008 وذلك كدولة مشاركة في حماية السواحل الصومالية من القراصنة بعد القرارات الأممية التي اتخذت في ذلك الوقت لحماية تلك المنطقة، حيث كانت بكين من بين الدول التي ترغب في الحفاظ على مصالحها في تلك المنطقة.

وهذا الأمر دفعها بعد ذلك إلى التوظيف المتنوع للقوات المسلحة الصينية في السياسة الخارجية حيث جاء في ما يعرف بـ”دليل الدفاع الصيني” القول بأن التوسع العسكري للصين يجب أن يقوم على مجموعة من السيناريوهات، كما أصدرت الصين قبل خمسة أعوام، قانون يسمح بنشر القوات المسلحة في الخارج بما في ذلك قوات الشرطة.

ولدى الحكومة الشيوعية قناعة بأن المنتديات ومعارض الأسلحة التي تقيمها في أفريقيا وفي بكين بحضور القادة الأفارقة وسيلة من وسائل تعزيز التعاون العسكري، حيث شكل منتدى أفريقيا والصين للأمن والدفاع الذي أقيم في بكين في يونيو 2018 منصة انطلاق قوية لتحرك الصين الساعي إلى تعميق شراكتها مع بلدان القارة.

العرب