إشكاليات متعددة: مكافحة الإرهاب في المراحل الانتقالية في الدول العربية

إشكاليات متعددة: مكافحة الإرهاب في المراحل الانتقالية في الدول العربية

b87effc80d43fb2f2a061bfe9c51a5ba

شهد العديد من الدول العربية خلال الفترة الماضية، تحولا في طبيعة الإرهاب كتهديد لأمنها الوطني، سواء من حيث منفذي العمليات الإرهابية أو مناطق وقوعها أو من حيث الأهداف التي تستهدفها على نحو أصبحت معه مكافحة الإرهاب تمثل “إشكالية” لهذه الدول، وتحديًا لقدرتها على تحقيق نوع من الانتصار على تهديد لم يعد من السهل تحديد الفاعل actor المنفذ له، أو تحديد كيفية تحقيق الانتصار عليه.
فمن ناحية، تكشف العمليات الإرهابية التي وقعت في السعودية والكويت منذ الربع الثاني لهذا العام، عن أن منفذي هذه العمليات مواطنون شباب لم يكن معروفًا عنهم ميلهم للعنف أو التطرف أو انتماؤهم لجماعات عنيفة، ولكنهم قرروا لسبب ما تنفيذ عملية إرهابية تسفر عن مقتل أو إصابة مواطنين آخرين، فعلى سبيل المثال كشف بيان وزارة الداخلية السعودية عن أن ثلاثة من ضمن المعتقلين الـ 21 بتهمة تبني فكر تنظيم داعش والتستر على المطلوبين أمنيًا في الحادث الإرهابي الذي وقع في بلدة القديح بمحافظة القطيف في 22 مايو 2015 يبلغ عمرهم أقل من 18 سنة(1)، وأن المتورط في تفجير مسجد الحسين بحي العنود في مدينة الدمام(2) يبلغ عمره 20 عامًا(3). كما بلغ سن الانتحاري السعودي الذي فجر نفسه بجامع الإمام الصادق بمنطقة الصوابر في الكويت 23 عامًا(4) كما شهدت السعودية حادثًا إرهابيًا وقع في 16 يوليو 2015 نفذه شاب في سن 19، اغتال بموجبه خاله الذي يعمل عقيدًا في الشرطة أثناء تأديته عمله في إحدى نقاط تفتيش الشرطة قرب سجن الحائر(5).
بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الخلايا التي تنفذ هذه العمليات، تتكون من مواطنين وأجانب، فعلى سبيل المثال، أعلنت السلطات السعودية في 8 ديسمبر 2014 عن القبض على 135 متهمًا بتهمة انتمائهم للتنظيمات المتطرفة، كوّنوا خلايا متعددة لتنفيذ عمليات متفرقة في الدولة، منهم 109 سعوديًا و26 أجنبيًا غالبيتهم من سوريا((6)). وأعلنت في 29 أبريل 2015 عن اعتقال خليتين مكونتين من 80 شخصًا جميعهم يحملون الجنسية السعودية باستثناء أربعة أحدهم يمني والآخر فلسطيني و2 من حملة البطاقات (من البدون)، كانوا يخططون لاستهداف عدة مقار أمنية(7).
ومن ناحية ثانية، لم تعدالأهداف الخاصة بهذه العمليات تقتصر على استهداف رجال الأمن والمؤسسات الأمنية باعتبارها المعْنيّ بمكافحة وتتبع ومحاصرة الإرهابيين، على نحو يجعلها العدو الحقيقي لهم، وإنما تحولت هذه الأهداف لتكتسب طابعًا مدنيًا. فعلى سبيل المثال شهدت مصر حادث اغتيال النائب العام هشام بركات في 29 يونيه 2015(8)، في منطقة كثيفة السكان وفيها عدد كبير من الخدمات، وأعلنت “كتائب المقاومة الشعبية في الجيزة” مسئوليتها عن العملية من خلال بيان نشرته على موقعها على الفيسبوك، ثم قامت برفع هذا البيان، وألقت وزارة الداخلية المصرية القبض على أدمن هذه الصفحة وهو شاب عمره 23 سنة(9).
إلى جانب ذلك أصبحت المصالح الأجنبية في الدول العربية هدفًا غير مستبعد، فعلى سبيل المثال، شهدت مصر تفجير مقر القنصلية الإيطالية في 11يوليو 2015(10)، والهجوم على قوة التأمين الخاصة بسفارة النيجر في مصر في 29 يوليو 2015([11).
كما شهدت تونس في 26 يونيو 2015 مجزرة في شاطئ مدينة سوسة، أدت إلى مقتل 39 سائحًا وإصابة 40 آخرين، والقتلى يحملون جنسيات بريطانية وبلجيكية وألمانية(12)، ونفذ هذه العملية شاب في سن 23 سنة، وليست له سوابق(13).
بالإضافة إلى ذلك، شهد كل من السعودية والكويت تحول في نوعية أهداف العمليات الإرهابية، حيث أصبحت المساجد الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية هدفًا رئيسيًا، كما في حوادث الصوابر في الكويت والدمام والقطيف في السعودية والسابق ذكرها، على نحو يحيي صراعًا تقليديًا في هذه الدول، عبّر عن نفسه في فترات التطور السياسي المختلفة فيها في صورة صراع سياسي بين النخب السياسية الحاكمة والقوى المعارضة الشيعية، على نحو انعكس في مظاهرات المنطقة الشرقية وفي أزمة البحرين خلال العام 2011، ورغم اكتساب هذا الصراع السياسي بُعدًا طائفيًا، فإنه لم يتطور بعد إلى مستوى الإرهاب الطائفي(14).
ومن ناحية ثالثة، أصبحت مكافحة الفعل الإرهابي من خلال الاعتماد على المواجهة الأمنية أو العسكرية، تعني التعامل مع البعد الظاهر لهذا التهديدphysical aspect ، وتظل المشكلة أكبر ومتجذرة في المجتمع، ولها علاقة بالأفكار المتداولة بين فئات الشباب المختلفة، باعتبارها الفئات الأكثر قابلية للتعبئة مقارنة بفئات عمرية أخرى.
ورغم ذلك، فإنه يلاحظ أن تعامل دوائر صنع القرار في عدد من الدول العربية مع قضية التطرف خاصة التطرف العنيف باعتبارها الدينامو المحرك للإرهاب، هو تعامل “لحظي” وأحيانا “انتقائي” على نحو يفسر غياب إستراتيجيات وطنية لمكافحة التطرف. كما أن الاهتمام بقضية التطرف من قبل دوائر صنع القرار عادة ما يرتبط بمكافحة الإرهاب، رغم اختلاف التطرف عن الإرهاب(15).
في ضوء ذلك، يمكن تحديد ثلاث إشكاليات رئيسية تواجهها الدول العربية في مكافحتها للأنماط المختلفة من الإرهاب، وذلك على النحو التالي.

لم تعد الأهداف الخاصة بالعمليات الإرهابية تقتصر على استهداف رجال الأمن والمؤسسات الأمنية، وإنما تحولت هذه الأهداف لتكتسب طابعًا مدنيًا
1- من الذي يكافح الإرهاب وزارة الداخلية أم القوات المسلحة؟
يعد الدور الذي تقوم به القوات المسلحة في مكافحة العمليات الإرهابية في داخل عدد من الدول العربية في المرحلة الحالية، مثار جدل، لا سيما وأنه يثير تساؤلات من قبيل، هل من مهام القوات المسلحة مكافحة الإرهاب؟ أم هي إحدى مهام جهاز الشرطة باعتباره الجهاز المسئول عن الحفاظ على الأمن والنظام في داخل الدولة؟ لا سيما وأن ممارسة كلتا الجهتين دورًا مشتركًا في مكافحة الإرهاب عادة ما يثير مشاكل تتعلق بتشارك المعلومات وفاعلية التنسيق بين الجانبين، وقبول أي منهما كون الجهة الأخرى هي الجهة التي تقود جهود مكافحة الإرهاب. ويلاحظ أن هناك تيارًا يرى أن مكافحة العمليات الإرهابية في الداخل هي مسئولية وزارة الداخلية والأجهزة التي تتبع لها، خاصة جهاز مكافحة الإرهاب الذي تحويه، وهذا نجده في حالة السعودية على سبيل المثال، حيث تعد وزارة الداخلية السعودية هي المصدر الرئيسي للبيانات المتعلقة بالعمليات الإرهابية.
وفي حالة مصر، نجد أن القوات المسلحة المصرية منذ ثورة 25 يناير 2011 وحالة الانهيار التي عانت منها وزارة الداخلية، أصبحت تقود في حالات معينة جهود مكافحة الإرهاب، وفي حالات أخرى تشارك وزارة الداخلية في عملية مكافحة الإرهاب، خاصة في سيناء، لا سيما في ظل ارتفاع معدل تسليح الجماعات الإرهابية هناك وامتلاكها أسلحة ثقيلة( 16).
وتثير مسألة تزايد دور القوات المسلحة في مكافحة الإرهاب، قضية تتعلق بقدراتها على خوض الحروب التقليدية( 17)، وهي مسألة مهمة بالنسبة للعديد من دول المنطقة، ففي مقابل المسعى الذي تروّج له الولايات المتحدة لجعل جيوش الدول العربية الرئيسية جيوشًا صغيرة mobile قادرة على مواجهة الإرهابيين، وهو ما نفذته في حالة العراق بصرف النظر عن الفاعلية، جعل دول مثل مصر ترفض هذا التوجه، وتتعامل بحذر مع المعونات الفنية التي يمكن أن تحصل عليها من الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب.
إلى جانب ذلك، ترتبط بهذا النوع من المناقشات، قضية أخرى تتعلق بهل الوجود المادي للقوات العسكرية يقلل من قدرة الإرهابيين على تنفيذ عملياتهم؟ أم أنه يحولها إلى هدف سهل لهم؟ وهذه القضية بالغة الأهمية بالنسبة للدول ذات المساحات الشاسعة التي يعد التنقل فيها بالنسبةللقوات الشرطية أو الجيش عملية معقدة قد تستغرق وقتا يفوق الوقت الذي تستغرقه الجماعات الإرهابية لتنفيذ الهجوم التالي وهو ما يعرف باسم reload time.
بالإضافة إلى ذلك، يثير تزايد الاعتماد على القوات المسلحة في مكافحة الإرهاب في الداخل، قضية تتعلق بالتداعيات التي قد تتربت على ذلك في المناطق التي ينشط فيها الجيش في مواجهة الإرهابيين، حيث عادة ما تتجه الجيوش للتعامل مع مكافحة الإرهاب على أنها عملية يكون الانتصار فيها بفرض السيطرة التامة على الأرض، فيتم فرض حظر التجول، كما أن أي أخطاء قد يرتكبها الجنود في مواجهة المدنيين المقيمين في مناطق مواجهة الإرهابيين، يتم تبريرها لكونها مرتبطة بالمعركة ضد الإرهابيين، ويتحمل مسئوليتها الإرهابيون، ومثل هذا الوضع كما تكشف عن ذلك الكثير من الخبرات الدولية والإقليمية، يجعل السكان المحليين أقل تعاطفًا مع الجيش في محاربته للإرهاب.
وفي المقابل، فإن تفعيل دور وزارة الداخلية في مكافحة الإرهاب يسمح بالتعامل مع الإرهابيين على أنهم مجرمون وفق القوانين المعمول بها في الدولة، وليس كمجرمي حرب، وعناصر الشرطة قادرة على التعايش مع المجتمع المحلي، وبناء علاقات تسمح بتحويل بعض العناصر إلى مصادر معلومات على نحو يسمح بجمع معلومات بصورة أكثر فاعلية عن التجمعات الحاضنة للإرهابيين، خاصة في حالات انتشارهم بين المدنيين وعدم تركزهم في بؤر محددة. كما أن تفعيل هذا الدور لوزارة الداخلية يمسح بتراجع عدد القتلى من القوات المسلحة، والذي في حال تزايده يضع قيدًا معنويًا على الحكومات في تنفيذ القوانين المتعلقة بمكافحة الإرهاب.

شهدت كل من السعودية والكويت تحولا في نوعية أهداف العمليات الإرهابية، حيث أصبحت المساجد الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية هدفًا رئيسيًا
2- التوازن بين مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان
تثير استراتيجيات مكافحة الإرهاب العديد من الإشكاليات المتعلقة بالموازنة بين تحقيق الأمن، وبين حماية الحقوق والحريات السياسية، خاصة خلال المراحل الانتقالية التي تلت سقوط النظم القديمة في عدد من الدول العربية، والتي تتصاعد فيها المطالب الخاصة بمزيد من الحريات السياسية، حيث يكون الناس أقل تسامحًا مع أي محاولات للتقليص من الحريات التي يتمتعون بها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإشكالية تعاني منها الدول الغربية أيضًا بعد اتجاهها لتبني إجراءات استثنائية لمواجهة العمليات الإرهابية التي أصبحت تهددها، ومن ذلك الجدل الذي أثارته الإجراءات التي تبنتها فرنسا بعد حادث شارلي إبدو.
وفي هذا الإطار يمكن فهْم ما تواجهه بعض الدول العربية من مناقشات حادة حول قوانين مكافحة الإرهاب، فعلى سبيل المثال، قوبلت مسودة قانون مكافحة الإرهاب في مصر التي طرحتها اللجنة التشريعية بانتقادات من بعض القوى السياسية الرئيسية ومن نقابة الصحفيين، وبرروا ذلك بما نصت عليه المسودة من مواد تقيد نشر معلومات عن العمليات الإرهابية إلا إذا كانت صادرة عن الجهات الرسمية، حيث ينص مشروع القانون على “يعاقب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين، كل من تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية”، وذلك في الوقت الذي لا تسارع فيههذه الجهات بتوفير المعلومات الكاملة عن العمليات الإرهابية(18 ). وذلك إلى جانب اعتراض النقابة على أربع مواد أخرى هي “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنين كل من روج أو أعد للترويج، بطريق مباشر أو غير مباشر، لارتكاب أي جريمة إرهابية، سواء بالقول أو الكتابة أو بأي وسيلة أخرى. ويعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنين، كل من أنشأ أو استخدم موقعا على شبكات الاتصالات أو شبكة المعلومات الدولية أو غيرها من وسائل الاتصال الحديثة، بغرض الترويج للأفكار أو المعتقدات الداعية إلى ارتكاب أعمال إرهابية، أو لبث ما يهدف إلى تضليل السلطات الأمنية، أو التأثير على سير العدالة فى شأن أي جريمة إرهابية. ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز خمس سنين، كل من جمع دون مقتض، معلومات عن أحد القائمين على تنفيذ أو تطبيق أحكام هذا القانون، وذلك بغرض استخدامها فى تهديده، أو فى الإعداد لإلحاق الأذى به أو بمصالحه، أو مصالح جهة عمله. وفي قضايا الإرهاب المنصوص عليها في هذا القانون، يحظر، قيام أى فرد أو جهة بتسجيل أو تصوير وقائع جلسات المحاكمة بأي وسيلة كانت أو بثها عبر وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المقروءة أو على شبكات الاتصالات أو التواصل الاجتماعي أو على أي وسيلة أخرى، وذلك كله ما لم تأذن المحكمة”.
وفي تونس، أقر البرلمان في 25 يوليو 2015 قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال، وينص على عقوبة الإعدام في مواجهة الارهابي الذي يتسبب في قتل شخص أو أكثر ، وقد أثار هذا القانون حفيظة العديد من المنظمات الحقوقية غير الحكومية الدولية منها منظمة العفو الدولية والتي تسعىلممارسة الضغوط على الحكومة التونسية لتوقف الانتهاكات التي يحتويها هذا القانون ، والتي حددتها في “منح القانون قوات الأمن سلطات واسعة للقيام بالرقابة علي الأشخاص وبتمديد احتجاز المشتبه بارتكابهم جرائم إرهابية بمعزل عن العالم الخارجي من 6 أيام إلى 15 يوما. كما يسمح للمحاكم بعقد جلسات مغلقة لا يحضرها الجمهور، وللشهود بعدم الكشف عن هويتهم للمتهم في حالات غير معرفة بدقة”( 19).
ويرتبط بهذه الإشكالية أيضا، الاهتمام بمعالجة الأضرار التي يمكن أن يتعرض لها المدنيون بسبب وجودهم في أماكن العمليات الإرهابية، دون أن تكون لهم علاقة بها، أو بسبب إبلاغهم عن أماكن وجود الإرهابيين، وهي مسألة عادة ما يتم التعامل معها من قبل الدول بصورة وقتية، دون وجود قوانين تكفل حقوق هؤلاء المدنيين في التعويض والحماية.
يثير تزايد الاعتماد على القوات المسلحة في مكافحة الإرهاب في الداخل، قضية تتعلق بالتداعيات التي قد تترتب على ذلك في المناطق التي ينشط فيها الجيش في مواجهة الإرهابيين
3-“أمننة” التعامل مع الإرهاب في مواجهة الإقصاء الاجتماعي
يلاحظ أن الدول التي تعاني من حالة انعدام أمن تعتمد في المدى القصير على الإستراتيجيات الأمنية في مكافحة الإرهاب، ويكون الهدف هو خفض عدد الهجمات الإرهابية التي تتعرض لها أو إحباطها قبل خروجها للنور. وفي هذه الحالات يأتي تبني إستراتيجيات تتعامل مع الأسباب الاجتماعية للإرهاب في مرحلة لاحقة.
ويمكن القول، إن هناك اعتمادًا متزايدًا على الإستراتيجيات العسكرية في مكافحة الإرهاب، نتيجة حالة الفوضى التي نتجت عن سقوط النظم في عدد من الدول التي شهدت ثورات، حيث كشفت هذه الثورات عن ضعف مؤسسات الدولة في المنطقة على نحو ثبت معه أن أي تغير في النظام ناتج عن تحركات الشارع قد يؤدي إلى تفكك أو انهيار الدولة، ويلاحظ أن الناتج المترتب على ذلك هو زيادة دور الجماعات الإسلامية المسلحة، باعتبارهم الأكثر تنظيمًا والذين يسعون للسيطرة على مناطق جغرافية محددة على نحو يخلق في أسوأ الحالات دولة في داخل الدولة.
فعلى سبيل المثال، سيطرت القاعدة في اليمن على شبوة وأبين، وأعلنت كونهما إمارتين إسلاميتين، كما سيطر تنظيم داعش على الموصل، وأعلن عن قيام دولته في 10 يونيو 2014، واتجهت أنصار بيت المقدس في سيناء بعد إعلانها مبايعتها لتنظيم داعش للسيطرة على مدينة الشيخ زويد، في محاولة لإنشاء ما روجت له من أنه “ولاية سيناء”، كما اتجهت جماعة الإخوان بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013 للسيطرة على دلجا في المنيا وكرداسة في الجيزة(20 ).
وهذه التطورات تستدعي المناقشات والجدل بين مؤيدي أمننة التعامل مع الإرهاب ومؤيدي المواجهة الاجتماعية لهم. فمن ناحية، فإن حالة انعدام الأمن الناتجة عن ضعف مؤسسات الدولة في مواجهة هذه الجماعات تزيد من شعبية المؤسسات العسكرية كما هي الحال في مصر وليبيا. ففي حالة مصر، تشن مصر منذ سبتمبر 2011 عمليات عسكرية واسعة النطاق على الجماعات الإرهابية في سيناء، وحصل الرئيس عبد الفتاح السيسي حين كان وزيرًا للدفاع على تفويض في يوليو 2013 من أجل مكافحة الإرهاب(21 )، وفي مدن الدلتا، تنفذ الحكومة سياسات أمنية تتضمن اعتقال القيادات المسئولة عن التخطيط لعمليات إرهابية، وتتتبع تمويل الجماعات الإرهابية، وترفع الوعي الأمني بين المواطنين العاديين من خلال الحملات الإعلامية، وتوفير الخط الساخن الخاص بوزارة الداخلية والقوات المسلحة من أجل الإبلاغ عن أي أوضاع مشتبه فيها. كما تعمل الحكومة المصرية على تضييق الإجراءات الأمنية على كل الموانئ والمداخل البرية للمدن الرئيسية من أجل منع تهريب الإرهابيين وزيادة الوجود المادي للقوات الأمنية في الشارع. وفي ليبيا نحج اللواء خليفة حفتر في تجميع قوات شبه عسكرية من أجل استعادة النظام والسيطرة، حيث أصبح الجيش بديل لمواجهة نفوذ هذه الجماعات، ومن أجل الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة. فعلى سبيل المثال، أعلن حفتر الحرب على الإرهاب والجماعات الإسلامية المسلحة. وفي هذه الحالات، عاد لا يتم الاهتمام بالإجراءات غير الأمنية في مكافحة الإرهاب في المدى القصير.
وفي المقابل، تتبنى كل من الإمارات والسعودية إستراتيجيات مختلفة. ففي حالة السعودية، تهتم بصورة رئيسية ببرامج المواجهة الفكرية مع الارهابيين من خلال برنامج المناصحة، وذلك إلى جانب القوانين المتعلقة بمعاقبة السعوديين الراغبين في السفر للخارج من أجل الانضمام لأي من الجماعات الإرهابية بالسجن مدة تتراوح بين 3-25 سنة. وقد تلت صدور هذه القوانين فتوى من مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ تحظر الجهاد في سوريا. ورغم أهمية برنامج المناصحة من حيث كونه برنامجًا لإعادة تأهيل الارهابيين الذين تم اعتقالهم أثناء فترة وجودهم في السجون، فإنه يهتم فقط بالجانب العنيف من سلوكهم دون الأفكار الراديكالية التي لديهم بخصوص المجتمع والحياة في السعودية. بعبارة أخرى يستهدف هذا البرنامج العَرَض وليس المرض، وبالتالي يعد الأفراد الخاضعين لهذا البرنامج معرضين لأن تتم إعادة تجنيدهم مرة أخرى من قبل الجماعات الإرهابية.
هناك اعتماد متزايد على الإستراتيجيات العسكرية في مكافحة الإرهاب، نتيجة حالة الفوضى التي نتجت عن سقوط النظم في عدد من الدول التي شهدت ثورات
إلى جانب ذلك، فإن الإجراءات الوقائية الخاصة بمنع السعوديين من الانضمام لداعش في سوريا مثلا لا تصاحبها حملات شاملة تقدم مقولات متماسكة تدحض ما تستخدمه القيادات التي تعمل على تجنيد الشباب في السعودية سواء من خلال وسائل التواصل الاجتماعيأو عن طريق التفاعل المباشر في المساجد وأماكن التجمعات المختلفة( 22).
إلى جانب ذلك، اتجهت السعودية أخيرًا إلى إطلاق برنامج “فطن” من أجل تحصين الشباب والنشء وتوعيتهم بالأفكار المتطرفة والإرهابية، في محاولة للحيلولة دون انجذابهم للتنظيمات الإرهابية، وقد أطلقت وزارة التعليم السعودية هذا البرنامج بالتعاون مع وزارات الداخلية والشئون الاجتماعية والشئون الإسلامية والصحة والرئاسة العامة لشئون الشباب والجامعات السعودية، وعدد من النجوم النشطين على اليوتيوب من الشباب، ويستهدف المجتمعات التعليمية على تنوعها، من أجل وقايتها من الأفكار المتطرفة، سواء الطلاب أو الهيئة التعليمية أو الأسرة(23 ).
وفي حالة الإمارات، فإنها تبذل جهودًا على مستويين، يتمثل المستوى الأول في بناء قدرات الفاعلين المختلفين المعنيين بمكافحة التطرف والإرهاب في الخليج وفي المنطقة العربية، من خلال ورش العمل التدريبية التي ينفذها مركز هداية في أبوظبي، وذلك في إطار مقاربة شاملة تقوم على الشراكة بين المؤسسات الأمنية والمجتمع(24 )، ويتمثل المستوى الثاني في العمل على دحض المقولات التي تروج لها الجماعات الإرهابية والمتطرفة على وسائل التواصل الاجتماعي من أجل تجنيد الشباب، وذلك من خلال “مركز صواب” الذي أنشأته بالتعاون مع الولايات المتحدة من أجل مواجهة وتفنيد الادعاءات الكاذبة والتفسيرات الدينية الخاطئة التي ينشرها أفراد تنظيم داعش(25 ).
تظل مكافحة الإرهاب من القضايا الأمنية المثيرة للعديد من الإشكاليات بالنسبة للمؤسسات المعنية بها، سواء في الدول العربية أو الغربية، وتظل المناقشات الخاصة بهذه الإشكاليات بالغة الأهمية من حيث توفيرها بدائل للتعامل معها، على نحو يضمن نوعًا من الشراكة البناءة في مكافحة الإرهاب الذي أصبح تهديدًا معقدًا ومتحولا في طبيعته، وتستعصي مواجهته بالاعتماد على المؤسسات الأمنية فقط.
*خبير في وحدة الدراسات الأمنية، ورئيس تحرير دورية “بدائل”،*مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

المراجع
1- تصريح إلحاقي حول الحادث الإرهابي الذي وقع في بلدة القديح بمحافظة القطيف، موقع وزارة الداخلية السعودية، 24 مايو 2015.2- “قتلى في تفجير انتحاري بالقرب من مسجد للشيعة بالمنطقة الشرقية بالسعودية “، بي بي سي العربي، 29 مايو 2015:http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2015/05/150529_saudi_explosion 3- المتحدث الأمني لوزارة الداخلية: التعرف إلى هوية منفذ الجريمة الإرهابية بمسجد حي العنود بمدينة الدمام، موقع وزارة الداخلية السعودية، 3 يونيو 2015.4- “الرياض: لم يسجل علي القباع نشاطًا إرهابيًا سابقا”، موقع سكاى نيوز عربية، 28 يونيو 2015:http://www.skynewsarabia.com/web/article/756178/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6-%D8%AA%D8%B3%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D8%A7%D8%B9-%D9%86%D8%B4%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%95%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A-%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A7
5- تنظيم “الدولة الإسلامية” يتبنى الهجوم الانتحاري ضد الشرطة في الرياض”، فرانس 24،17 يوليو 2015:http://www.france24.com/ar/20150717-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6-%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D8%B3%D8%AC%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%A6%D8%B1
6- المتحدث الأمني: الأجهزة الأمنية تتابع مجموعات مشبوهة فرّقها الانتماء الفكري ووحدها الإرهاب”، وزارة الداخلية السعودية، 8 ديسمبر 2014.7- للمزيد حول أنماط الإرهاب في دول الخليج، انظر: إيمان رجب ويوسف ورداني، “رمال متحركة: تزايد تهديد التطرف العنيف للاستقرار في دول الخليج”، تقديرات موقف، موقع المركز العربي للبحوث والدراسات، 26 يونيو 2015:http://www.acrseg.org/39217
8- “مقتل النائب العام المصري إثر هجوم استهدف موكبه “، موقع البي بي سي عربي، 29 يونيو 2015:http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2015/06/150629_egypt_state_prosecutor_bomb

9- “القبض على أحد المتهمين في اغتيال النائب العام”، موقع بوابة فيتو، 30 يونيو 2015:http://www.vetogate.com/1703849
10- تنظيم “الدولة الإسلامية” يتبنى التفجير الذي استهدف القنصلية الإيطالية في القاهرة “، موقع فرانس 24،11 يوليو 2015:http://www.france24.com/ar/20150711-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%86%D8%B5%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B1
11- مصر.. مقتل شرطي وإصابة 3 في هجوم على قوة تأمين سفارة النيجر بالقاهرة “، موقع سي إن إن العربي، 29 يوليو 2015: http://arabic.cnn.com/middleeast/2015/07/29/egypt-niger-terror-attack
12- “داعش يتبنى هجوم سوسة والسلطات تستدعي قوات الاحتياط”، روسيا اليوم،27 يونيو 2015:http://arabic.rt.com/news/786922-%D8%A5%D8%B0%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%81%D9%86%D8%AF%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B3%D8%A9-%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3/13- داعش تنشر صورة منفّذ حادث “سوسة” الإرهابى”، النهار، 27 يونيو 2015.14- للمزيد انظر: إيمان رجب ويوسف ورداني، مرجع سبق ذكره.15- إيمان رجب، ” Re-Framing::إعادة التفكير في “قضية” التطرف في مصربعد الثورة”، دورية بدائل، عدد رقم 10، يناير 2015.16- انظر البيان المصور الصادر عن المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية بعد عمليات الشيخ زويد 1-5 يوليو 2015 على الصفحة الرسمية له على موقع الفيسبوك: https://www.facebook.com/Egy.Army.Spox
17- For more details see:TayfunErbay,”The Role of the Military In Counterterrorism: Unintended Consequences”, Master’s Thesis, Naval
Postgraduate School, Monterey, California, December 2012.18- نقابة الصحفيين المصرية: قانون مكافحة الإرهاب يضرب حرية الصحافة في مقتل “، موقع بي بي سي العربي، 6 يوليو 2015: http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2015/07/150706_egypt_law_ejs
19- http://arabic.rt.com/news/790073-%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8/20- EmanRagab, ” Complex Threat: Challenges of Countering Terrorism in the Middle East after the Arab Revolutions”, in: Marco Lombardi et la, Countering Radicalization and Violent Extremism Among Youth to Prevent Terrorism, NATO Science for Peace and Security Series E: Humanitarian and Societal Dynamics, Vol. 118, (Amesterdam: IOS Press, 2015),pp.101-112.
21- ملايين المصريين ينزلون إلى الشوارع لتفويض الجيش تلبية لدعوة السيسي”، روسيا اليوم، 26 يوليو 2013:http://arabic.rt.com/news/622230-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9_%D9%85%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%82%D8%A8_%D9%82%D8%A8%D9%84_%D8%A7%D9%86%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA.._%D9%88%D8%B4%D9%8A%D8%AE_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1_%D9%8A%D8%AF%D8%B9%D9%88_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86_%D8%A5%D9%84%D9%89_%D8%A5%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B0_%D9%85%D8%B5%D8%B1_%D9%85%D9%85%D9%86_%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D8%B5_%D8%A8%D9%87%D8%A7/22- EmanRagab, Op.Cit.,pp.108-110.23- الشرق الأوسط، 20 يوليو 2015.24- للمزيد انظر موقع مركز هداية: http://www.hedayah.ae/?lang=ar
25- البيان، 8 يوليو 2015

د.إيمان رجب

المركز العربي للبحوث و الدراسات