قطاع الكهرباء في العراق وليبيا ولبنان فساد يتدثّر بالسياسة

قطاع الكهرباء في العراق وليبيا ولبنان فساد يتدثّر بالسياسة

شكلت أزمة الكهرباء في ليبيا والعراق ولبنان عقدة ليست لها أي حلول عملية على أرض الواقع، وسط استنزاف ميزانيات هذه الدول وتفاقم حالات الغضب الشعبي على سوء الخدمات المقدمة من الحكومات التي تعاني بدورها من الفساد والإهمال والمحسوبية في أهم قطاع حيوي.

يعد الفساد من وجوه الحكم في الديمقراطيات الفاشلة، لكن حين اقترانه في قطاع الكهرباء وهي سلعة خدمية ضرورية وحيوية، يظهر أهم علامات تفكك الدولة أو اتجاهها إلى مرحلة الهشاشة، حسب ما يتبين من ثلاثة نماذج عربية هي ليبيا والعراق ولبنان.

وشهدت البلدان الثلاثة حروبا أهلية وصراعات أدت إلى تراجع دور المؤسسات العامة وبروز تشكيلات سياسية وميليشياوية تتنافس على السيطرة على ثالوث الثروة والسلطة والسلاح. كما تستعمل أدوات البيروقراطية لبسط النفوذ على القطاعات الحيوية ومنها قطاع الكهرباء.

وتحول قطاع الكهرباء إلى مجال أساسي للفساد ومحل صراعات من قبل الأطياف والجماعات المهيمنة على المشهد السياسي والساعية إلى بسط نفوذها على المال والاقتصاد. واستفادت من تحقيق ذلك عبر الصفقات السرية والاحتكار والمعاملات الخارجة عن القانون في الإنتاج والتوزيع أو عبر دعم السوق الموازية في ظل تدهور البنية التحتية واتساع الإهمال البيروقراطي الروتيني.

وأعطى احتكار القطاع العام لإنتاج الكهرباء وتوزيعها، مناخا ملائما للوبيات الفساد المتغلغلة في مؤسساته لتشكيل عناصر الضغط المطلوبة لممارسة كل أشكال الفساد، لكن الأزمات المعلنة في هذا القطاع لا يمكن التغاضي عنها وتضعه باستمرار تحت ضوء الرقابة الشعبية.

وعلى الرغم من الحديث عن الإصلاحات المهمة في قطاع الكهرباء في لبنان والعراق وليبيا، إلا أن تلك الإصلاحات تبقى دون نتائج تذكر في ظل رصد ميزانيات ضخمة تذهب أدراج الرياح في جيوب الفاسدين من السماسرة والمتمتعين بغطاء سياسي أو اجتماعي وسط تراجع أداء الدولة المركزية، والعجز عن مواجهة التحديات السياسية.

ووفقا لتقرير البنك الدولي فإن العديد من البلدان أعلنت عن إصلاحات لم تنفذ في قطاع الكهرباء، كما سنت بعض البلدان إصلاحات اضطرت إلى تنفيذ عكسها لاحقا.

وأثبتت الممارسة العملية أن إصلاحات قطاع الكهرباء أكثر جدوى في البلدان التي تبنت بالفعل أيديولوجية السوق الأوسع نطاقا، وفي النظم السياسية القائمة على لامركزية السلطة. وغالبا ما لعب رواد الإصلاح دورا مهما في دفع عملية التغيير، ولكن اتساق أصحاب المصلحة أثبت أهمية مماثلة للإصلاح على المدى الطويل، وهو ما يعني عدم وجود جدوى لإصلاحات بعيدة المدى في بيئة سياسية غير داعمة وفي سياق للاقتصاد الكلي مضطرب.

ويبدو الوضع ضبابيا في الدول العربية التي فقدت قدرتها على السيطرة على شبكاتها الوطنية وتوفير الخدمات الضرورية لمواطنيها، في ظل عجز الدولة نتيجة للفشل وعدم الرغبة في استرجاع تلك السيطرة على الكهرباء كقطاع حيوي واستراتيجي بسبب خضوعها التام للفساد والتجاذبات السياسية والحزبية والميليشياوية والمناطقية وفقدانها للاستقرار الحكومي القادر على تهيئة الظروف لتحقيق الإصلاح ضمن مفهوم تأميم الخدمة الكهربائية باعتبارها من صلاحياتها الحصرية.

ولا تبدو تلك الدول قادرة على التحكم في تنفيذ مسارات خصخصة خدمة الكهرباء بسبب البرامج الهيكلية الأساسية لتحرير الاقتصاد وفق مخططات مدروسة علميا وغير خاضعة لمنطق توزيع الغنائم بين أباطرة رأس المال المتنفذين في السلطة وفق المحاصصات بين الفاعلين السياسيين.

وعاش العراق وليبيا ولبنان على وقع احتجاجات شعبية خلال الأيام الماضية نتيجة لانقطاع التيار الكهربائي في موسم صيفي حار بلغت درجات الحرارة فيه نحو 50 درجة في مناطق عراقية وليبية.

وما زاد من حالة الاحتقان الشعبي أن هذا الوضع ليس جديدا وإنما مستمر منذ سنوات، لاسيما منذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان في تسعينات القرن الماضي، وحربي الإطاحة بالنظامين العراقي في 2003 والليبي في العام 2011.

تواجه ليبيا أزمة كهرباء بلا أفق لحلها. ويقول النائب العام الليبي الصديق الصور إنه أصدر أوامر ضبط وإحضار كل من تدخل في عرقلة عمل شركة الكهرباء، مشيرا إلى أن الأوامر صدرت ضد رافضي برنامج طرح الأحمال، فضلا عن كل من تعدى على العاملين وساهم في الاستيلاء على منقولاتها أو عمل على إتلافها.

وفي 16 يوليو الجاري قال جهاز الأمن الداخلي إنه ألقى القبض على موظفين تابعين للشركة العامة للكهرباء يتقاضون رشاوى ومتورطين في فساد مع شركات خاصة.

وأوضح بيان الجهاز الأمني أن ذلك يأتي سعيا منه لرفع المعاناة عن كاهل المواطن وفي إطار المجهودات لإرساء دعائم الأمن القومي وفرضه بقوة القانون والضرب بيد من حديد لكل مزعزع لوحدة الوطن واستقراره، مشيرا إلى وجود مساع حثيثة من عناصر الجهاز للرفع من معاناة المواطن الليبي في ما يتعلق بملف الكهرباء وشبهات الفساد المستشرية داخل الشركة العامة للكهرباء بين بعض المسؤولين الفاسدين وأصحاب الشركات المتعاقدة مع شركة الكهرباء.

ومنذ يونيو الماضي احتدت الأزمة بتسجيل انهيار شامل للشبكة، رغم التحذيرات الدولية الصادرة قبل أشهر، وقال رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء وئام العبدلي، إن الشبكة تعرضت لهزة بشكل غريب ومفاجئ في القطاع الغربي أدت إلى خروج بعض وحدات التوليد وكذلك فصل كافة خطوط نقل الطاقة بالمنطقة الغربية عن العمل. وأضاف أن مشغلي الشركة العامة للكهرباء تمكنوا من السيطرة على الشبكة، وأن العاملين أنجزوا عملهم رغم أنهم يشتغلون في ظروف صعبة على شبكة كهربائية منهارة بالكامل ولم تتم صيانتها أو تطويرها منذ حوالي عشر سنوات مضت نتيجة الظروف التي تمر بها الشركة والبلاد بشكل عام.

ورغم عودة الاستقرار الأمني بشكل تدريجي للبلاد، إلا أن الشركة العامة للكهرباء أفادت باستمرار الاعتداءات وسرقة مئات الأمتار من الأسلاك الكهربائية في مناطق عدة الأيام الأخيرة. وقالت إن سرقة آلاف الأمتار من أسلاك خطوط التيار تتواصل، مما ينعكس بدوره على شبكة التوزيع، وإعادة الظلام إلى بعض المناطق، مشيرة إلى أن هناك خارجين عن القانون ينتزعون آلاف الأمتار من أسلاك الكهرباء وتخريدها، قبل تهريبها إلى خارج البلاد، الأمر الذي يوثر على أداء الشبكة الكهربائية بالمنطقة الغربية بالكامل.

وتواجه كل مناطق ليبيا أزمة كهرباء لا تزال تتفاقم منذ سنوات فيما أكدت الحكومة أن 23 مليار دولار تم صرفها خلال السنوات العشر الماضية على قطاع الكهرباء ولكن دون فائدة تذكر.

وأكد رئيس الحكومة الليبية عبدالحميد الدبيبة، خلال اجتماع طارئ عقده مع رئيس وأعضاء مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء وعدد من مهندسيها، على ضرورة حل الأزمة بأي طريقة كانت، داعيا الشركة إلى العمل السريع لإنهاء هذه المشكلة التي يعاني منها المواطن بشكل غير مقبول.

وقال الدبيبة موجها كلامه للمشاركين في الاجتماع وبلغة حادة وحازمة “أنا على يقين من أن كل ما يقوله المواطن عن شركة الكهرباء صحيح، وأنا لم أعد أحتمل الانتقادات اليومية، وما يقوله المواطن حول مشكلة الكهرباء”.

وأضاف “يجب أن نجلس ونوضح للناس ما سنقوم به، ويجب أن نعمل وأنا معكم في ما ستتفقون عليه لأجل حل مشكلة الكهرباء بأي طريقة كانت، وأعتقد أنكم فعلا ستغيرون من وضع وتحسين الشبكة في الأشهر الجارية”.

وفي فبراير الماضي، حذرت مجموعة العمل الاقتصادي المنبثقة عن مجموعة المتابعة الدولية المعنية بليبيا من تدهور وضع الكهرباء في البلاد بدءا من أوائل صيف 2021، مؤكدة أن الوضع الحالي في البلاد “يستدعي المسؤولية القيادية من جميع الأطراف”.

وأعربت المجموعة التي تضم كلا من الاتحاد الأوروبي ومصر والولايات المتحدة إلى جانب بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا عن قلقها بشأن الوضع في قطاع الكهرباء في ليبيا، وأكدت أنه “دون الإسراع في تخصيص التمويل اللازم لإجراء إصلاحات عاجلة، فإن وضع الكهرباء يمكن أن يتدهور بدءا من أوائل صيف 2021”.

وأبرز السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند أن هناك حاجة لاتخاذ إجراءات عاجلة من جانب القادة الليبيين لتمويل الإصلاحات اللازمة في قطاع الكهرباء وغيره من المجالات الرئيسية الأخرى، مؤكدا دعم بلاده لجهود الشركة العامة للكهرباء في ليبيا لإنهاء أزمة انقطاع التيار.

وتحذر تقارير أميركية من احتمال انهيار الشبكات المتهالكة في ليبيا تحت ضغط الطلب الإضافي على الطاقة، الذي يبلغ ذروته سنويا مع ارتفاع درجات الحرارة صيفا، في بلد تتميز غالبية أرجائه بمناخ صحراوي جاف.

وبيّن تقرير أعده مشروع “تقارب” التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية في ليبيا أن “المحطات الكهربائية البالغ عددها 14، تضم 63 وحدة توليد بقدرة مركبة تصل إلى 8200 ميغاوات، تنتج حاليا 4350 ميغاوات فقط، لأسباب مختلفة”، كما أن “40 وحدة كهربائية تعمل الآن، فيما تحتاج 23 وحدة للصيانة والتصليح، وأن ثلثي هذه الوحدات قديمة تجاوزت أعمارها 25 سنة”.

وأكد التقرير أن “الوحدات تعمل بسعة كاملة فقط حين تتراوح درجة الحرارة بين 20 و25 درجة مئوية، ونسبة الرطوبة أقل من 40 في المئة”، ما يهدد بتهاوي الشبكة في فترات الذروة في الصيف حين تكون معدلات درجة الحرارة بين 30 و40 درجة مئوية، في غالبية المناطق، مع معدلات مرتفعة للرطوبة تتراوح نسبتها في مدن الشمال المأهولة من 70 إلى 80 في المئة، معتبرا أن “من أسباب تأخر معالجة الأزمة وعدم إصلاح المولدات الكهربائية وتشغيلها، المخاطر الأمنية التي يواجهها المهندسون، واحتياج الشركات الأجنبية إلى ضمانات لسلامة موظفيها قبل السفر إلى ليبيا، وهي غير ممكنة حاليا”.

وبلغ العجز في توليد الكهرباء في ليبيا 1000 ميغاوات في فصل الشتاء و2500 ميغاوات في الصيف وتحتاج البلاد إلى 6500 ميغاوات لتلبية احتياجاتها الاستهلاكية في فصل الشتاء و8000 ميغاوات في فصل الشتاء، كما تعاني معظم المدن الليبية بشكل يومي من أزمة انقطاع التيار لساعات طويلة، بالإضافة إلى عمليات السرقة والنهب والاعتداء على مقتنيات الشركة ومقراتها من قبل مجموعات خارجة عن القانون تحظى بغطاء ميليشياوي.

العراق.. فساد وإهمال وخسائر
Thumbnail
صدر في العراق حكم قضائي بالحبس 4 سنوات بحق مدير عام في وزارة الكهرباء على خلفية تهم متعلقة بالفساد. وتقول السلطات العراقية إنه “بناء على تحقيقات لجنة مكافحة الفساد، صدر حكم بحق رعد قاسم محمد مدير عام الدائرة الاقتصادية والعقود والاستثمارات في وزارة الكهرباء بالحبس لمدة أربع سنوات وغرامة مالية مقدارها عشرة ملايين دينار” (6900 دولار تقريبا) وجاء ذلك “على خلفية تحرير صك لقاء إحالة مشاريع لصالح شركات”.

يبدو هذا الخبر هامشيا ولا معنى له في ظل الواقع المتأزم لقطاع الكهرباء في العراق منذ سنوات عدة، فيما تعهدت حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بالعمل على حل الأزمة، في تكرار للوعود التي تستنسخ بقوة مع كل صيف في البلد الغني بالنفط. ويقول الكاظمي إن التحقيقات مستمرة في “مواطن الفساد ضمن عمل وزارة الكهرباء”، مؤكدا إلقاء القبض على عدد ممن صدرت بحقهم مذكرات قضائية إثر تلك التحقيقات.

وبحسب بيان صادر عن رئاسة الوزراء، فقد اعتبر الكاظمي أن “الإرهابيين وداعميهم يواصلون محاولتهم إعاقة الحياة في العراق، وها هم يستهدفون محطات وأبراج الطاقة الكهربائية بشكل متواصل”، وتابع “عملنا على قطاع الطاقة وتطويره لن يتوقف، ونعمل على خطة استراتيجية نؤسس لها وفق دراسات واقعية لإدامة الكهرباء كخدمة مستمرة للمواطنين”، وأشار إلى أن حلول الحكومة في قطاع الطاقة الكهربائية “تستند إلى تنويع مصادر الطاقة وتحقيق الاكتفاء من الوقود الغازي أو غيره، لتشغيل محطات التوليد”، ومشددا على أن الاستهدافات المستمرة لقطاع الكهرباء “تحاول أن تمنع استقرار المنظومة الكهربائية، خاصة بعد أن افتتحنا محطتين حديثتين ومهمتين في ذي قار وصلاح الدين”.

وفي أواخر العام الماضي قالت لجنة برلمانية تم تشكيلها للتحقيق في أزمة انقطاع الكهرباء إنه أنفق 81 مليار دولار على قطاع الكهرباء في العراق بين عامي 2005 و2019. ويوضح عضو لجنة النزاهة في البرلمان خالد الجشعمي أن الفساد في وزارة الكهرباء متراكم على مرور جميع الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الكهرباء ولم يقتصر على وزير واحد.

ويقول الجشعمي إن الأمر لم ينته على العقود فقط بل وصل إلى التعيينات الأخيرة التي تمت في وزارة الكهرباء، مشيرا إلى أن 5 في المئة فقط ممن وقع تعيسنهم من المستحقين و95 في المئة على خلفية المجاملات والوساطات من قبل نواب وشخصيات سياسية.

وتشير إحصائيات الحكومة العراقية، التي تحدث عنها رئيس الوزراء، إلى أن العراق أنفق ما يقرب من 80 مليار دولار على قطاع الكهرباء منذ العام 2003، لكن الفساد كان عقبة قوية أمام توفير الطاقة للناس بشكل مستقر.

ويؤكد الكاظمي أنه توجد حلول سريعة لمشكلة الكهرباء، “لكننا نضع الحلول والإجراءات بأسرع أداء ممكن، ونستنهض كل طاقات قطاعي الإنتاج والتوزيع لأجل وضع الحلول، وأن يلمس المواطن نتائج إيجابية”.

خطاب السياسيين في ملف الكهرباء بأنه مجرد مواقف انطباعية تبدأ باتهامات لجهات مجهولة وتختتم بوعود ينتهي مفعولها مع بدايات الخريف

وينظر مراقبون إلى خطاب السياسيين في ملف الكهرباء بأنه مجرد مواقف انطباعية تبدأ باتهامات لجهات مجهولة وتختتم بوعود ينتهي مفعولها مع بدايات الخريف، فجميع الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ 2003 تحدثت عن أزمة الكهرباء ووعدت بالعمل على تجاوزها، ودفعت المليارات من الدولارات، وأبرمت عقودا ضخمة، ولكن دون فائدة.

وفي 29 يونيو الماضي استقال وزير الكهرباء ماجد حنتوش من منصبه ونقل جميع صلاحياته إلى عادل كريم كاك أحمد وكيل الوزارة لشؤون الإنتاج، وذلك بعد أن دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في تغريدة على تويتر إلى إقالة الوزير من منصبه.

ورد الوزير المستقيل حينها على دعوة الصدر في رسالة مفتوحة “مقتدى الصدر ليس ذنبنا الإخفاق ‏والفساد في وزارة الكهرباء، ولم نطمح يوما لمنصب الوزير وكنا على أبواب ‏التقاعد، مَن اختارني وزيرا هم حاشيتك والمقربون منك بعد الاتفاق مع اثنين من ‏كبار المقاولين في وزارة الكهرباء”.

وأضاف في رسالته “منذ اليوم الأول لاستلامنا المسؤولية كانت تدخلات مكتبكم المتمثلة بعباس ‏الكوفي وبعلمكم شخصيا، لم يترك لنا خيارا في إدارة الوزارة سواء في عقودها أو ‏في أمورها الإدارية حتى أصبح يمارس دور الوزير خلف الستار ويُبرم العقود ‏ويُنصّب المدراء، وحاولوا جاهدين تحجيم دوره وتقليل الخراب والدمار الذي تسبّب ‏به الذي وصل إلى مرحلة تنصيب مُشرفين على كل شركات الوزارة، وأصبح يُدير ‏اجتماعات دورية في مقره في الكاظمية”. ‏

وتابع “أقول قولي هذا وأنا أعلم جيدا بما سوف ينتج عنه من عواقب وخيمة، لكني ‏سوف أكون حريصا على عدم ذكر الأسماء، فقط ليعلم الرأي العام كيف تُدار الأمور ‏ومن هو السبب الحقيقي بدمار هذا الشعب الذي عانى الويلات”، لافتا إلى أنه “طوال السنوات السابقة صحيح أنني لا أنتمي إلى تياركم الشريف، ‏ولكني لم يُترك لي خيار قيادة هذه الوزارة، وهذا ما دفعني إلى تقديم استقالتي سابقا ‏ومحاولاتي للتقاعد وترك المنصب والجميع يشهد بها، لكنها فشلت بسبب تياركم ‏وحاشيتكم التي كان هدفها الأول والأخير إبرام أكبر عدد من العقود الفاسدة”، مردفا “هل تعلم سيدنا أننا لم نكن نملك صلاحية تحريك أي مدير ‏شركة من شركات الوزارة، ولا إبرام أي عقد فيها. وكان الوزير الفعلي هو منسوبكم ‏عباس الكوفي الذي جنّد العشرات من تياركم مثل رائد عبدالحسين وحسين عبوه، ‏وأسماء لم ينزل الله بها من سلطان”.‏

ورغم أن حنتوش نفى لاحقا أن يكون وراء تحبير ونشر الرسالة، إلا أن المراقبين أشاروا إلى أن كل ما ورد فيها صحيح، وهو وإن لم يصدر عن الوزير المستقيل، إلا أنه يعبّر عن حقيقة المجريات في قطاع الكهرباء وفي وزارة الإشراف الخاضعة، وكان بمثابة المؤشر الذي فكّك جزءا من اللغز ليعيد طرح السؤال الجوهري عن دور الميليشيات والتيارات والأحزاب الدينية في تكريس منظومة الفساد، لاسيما في المجالات ذات الصرف العالي من موازنة الدولة ومنها قطاع الكهرباء.

كما جرى في ليبيا والعراق تتواصل الأزمة في لبنان ربما بأكثر حدة. وكان انقطاع التيار الكهربائي أمرا شائعا في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية 1975 – 1990، مما أجبر اللبنانيين على دفع فاتورة كهرباء ثانية للمولدات الخاصة لمدة ثلاث إلى 12 ساعة يوميا أثناء الانقطاعات، وخلال العقود الماضية لم يتحقق أي حل جذري للأزمة التي تفاقمت واتسعت دائرتها مؤخرا مع تردي الأوضاع المالية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وفي أوائل يوليو الجاري قالت شركة الكهرباء إن محطتيها في دير عمار والزهراني، اللتين توفران معا حوالي 40 في المئة من الكهرباء في البلاد، توقفتا عن العمل بعد رفض البنوك الأجنبية المعاملات التي كانت ستسمح للمؤسسة بتفريغ شحنتي وقود راسيتين بالميناء.

وتطور الموضوع بسرعة ليصل إلى انقطاع الكهرباء على مؤسسات الدولة ومنها البرلمان في عين التينة، حيث بات تسييرها يتم من خلال “كهرباء المولّد الخاص لديهم، وبتقنين قاسِ، بسبب شحّ مادة المازوت”.

ووصلت أزمة الكهرباء إلى المستشفيات، وفي الثامن من يوليو تم إطفاء أجهزة التبريد في أقسام من مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت، مع تأجيل بعض العمليات الجراحية بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وفي اليوم الموالي أغلقت المحطتان الرئيسيتان لتوليد الطاقة، ما أدى إلى إغراق معظم أنحاء البلاد في الظلام، وإلى تفاقم الأزمة التي شهدت حصول الناس على ساعتين فقط من الكهرباء في اليوم. كما توقف توزيع المياه في مختلف المناطق وتعطلت مصافي تكرير مياه الصرف الصحي ومعها المرافق الحيوية وصولا إلى التهديد بوقف شبكة الإنترنت.

وتعاني شبكة الكهرباء اللبنانية من حالة اهتراء حتى أنها كبدت الدولة منذ نهاية الحرب الأهلية حوالي 44 مليار دولار، ويُشكل إصلاحها أحد مطالب المجتمع الدولي الرئيسية لدعم لبنان الذي يواجه نقصا مزمنا في التغذية الكهربائية ما يجعل القطاع يعتمد على الدعم الحكومي ويتكبّد خسائر فنية وغير فنية تتراوح نسبتها التقديرية بين 36 و40 في المئة، بحسب الدراسات الصادرة عن وزارة الطاقة اللبنانية ومؤسسة كهرباء لبنان.

لبنان يتكبد سنويا نحو ملياري دولار عجز للكهرباء، نتيجة إرهاق المؤسسة بكلفة البواخر، ومقدمي الخدمات، والاعتماد على شركات الصيانة وتشغيل المعامل

ويعتمد لبنان لتوليد الطاقة الكهربائية على محطات حرارية بكفاءة متدنية تستخدم النفط الثقيل والديزل المستوردَين والمكلفَين والملوِّثَين، كما أنّ التغذية الكهربائية ليست كافية، فذروة الطلب تصل تقديريا إلى 3500 ميغاوات، ما يؤدي إلى نقص في التغذية بمقدار 1600 ميغاوات، وزادت الصراعات السياسية والتنافس الطائفي من تعميق الأزمة ولاسيما في تقييم الخطة التي أقرها مجلس الوزراء عام 2019 والصراع على مواقع المعامل الكهربائية.

ويؤكد تقرير للبنك الدولي وكهرباء فرنسا أن محطتين كهربائيتين كافيتين لمد لبنان بالكهرباء (الزهراني في الجنوب (شيعة) ودير عمار في الشمال (سنة). إلاّ أن فريق رئيس الجمهورية أصر على محطة في منطقة سلعاتا الشمالية ذات الأغلبية المسيحية، ما أوقف عملية المناقصات وأخر البدء في المعامل وقبل أن يأتي انهيار الليرة ويقضي تقريبا على أمل بالإصلاح.

ووفق تقارير، يتكبد لبنان سنويا نحو ملياري دولار عجز للكهرباء، نتيجة إرهاق المؤسسة بكلفة البواخر، ومقدمي الخدمات، والاعتماد على شركات الصيانة وتشغيل المعامل، مما نتج عنه استنزاف ماليتها، فكلّفت على مدار 10 سنوات نحو 20 مليار دولار ضاعفت عجز خزينة الدولة، لكن متابعين يرون أن حجم الفساد المستشري في البلاد يتحمل المسؤولية الكبرى في الظاهرة، سواء من خلال الصفقات والعمولات من الشركات الخاصة والمولدات العائمة المستأجرة أو من خلال الوقود الرديء الذي يتم استيراده بما ساهم في تخريب الحكومية.

وفي مايو الماضي قرر القضاء اللبناني احتجاز بواخر تركية تزوده بالطاقة الكهربائية ومنعها من مغادرة السواحل اللبنانية، في إطار تحقيق باحتمال وجود شبهات فساد بالملايين من الدولارات في عملها، ودعا وزارة المالية إلى عدم دفع أي مستحقات لشركة “كارباور شيب” التركية المسؤولة عن بواخر الطاقة التي توفر نحو 40 في المئة من حاجة لبنان من الكهرباء، إلى جانب شركة “كاردينيز” التركية، وقال إن قراره يهدف إلى “ضمان حقوق الدولة في تحصيل البند الجزائي الموقع بـ25 مليون دولار أميركي في حال التثبت من دفع عمولات”، وهي شبهة قد تطال كبار المسؤولين اللبنانيين، في ما يسمى في لبنان “صفقة البواخر” التي بدأت بتوفير الكهرباء منذ العام 2013

العرب