ماسك يستعد لإجراء تجارب زرع شرائح ذكية على البشر

ماسك يستعد لإجراء تجارب زرع شرائح ذكية على البشر

هنأ الملياردير الأميركي إيلون ماسك فريق شركته نيورالينك المتخصصة في تقنيات زرع المخ البشري على حصولها على موافقة السلطات الصحية الأميركية لإجراء اختبارات سريرية على البشر، آملا أن تتمكن الغرسات الدماغية من مساعدة المصابين بالشلل في مرحلة أولى، على أن تتحول بعد ذلك إلى وسيلة يتزود من خلالها الناس بقدرات ذهنية مذهلة تتفوق على الذكاء الاصطناعي.

سان فرانسيسكو (الولايات المتحدة) – يبدو أن الملياردير الأميركي إيلون ماسك قاب قوسين أو أدنى من تنفيذ خططه الرامية إلى ربط عقول البشر بالإنترنت، بهدف إنقاذ الجنس البشري من بطش الذكاء الاصطناعي، إذ أعلنت شركته الناشئة نيورالينك عن حصولها على موافقة لإجراء تجارب سريرية على البشر.

وأعلنت الشركة عبر تويتر أنها تلقت موافقة من السلطات الصحية الأميركية على إجراء اختبارات على البشر لعمليات زرع شرائح ذكية في الدماغ.

وقالت الشركة، التي تتخذ من كاليفورنيا مقرا لها، عبر تويتر “يسعدنا أن نعلمكم بأننا تلقينا موافقة على إجراء أول تجربة إكلينيكية على البشر! هذا هو نتيجة العمل الرائع الذي قام به فريق نيورالينك بالتعاون الوثيق مع إدارة الغذاء والدواء الأميركية”.

واعتبرت أن الاختبارات ستكون “خطوة أولى مهمة ستتيح يوماً مساعدة الكثير من الأشخاص” بواسطة هذه التقنية، مشيرة إلى أن باب التطوع للتجارب السريرية “لم يُفتح بعد”.

إلا أن الخبراء يحذرون من أن الزراعة التقنية في الدماغ لدى نيورالينك ستتطلب اختبارات مكثفة للتغلب على التحديات الفنية والأخلاقية إذا كانت ستصبح متاحة على نطاق واسع.

شركة نيورالينك توصلت حتى الآن إلى زرع نماذج أولية بحجم عملات معدنية صغيرة في أدمغة بعض الحيوانات

وأمام عدم تعليق إدارة الغذاء والدواء الأميركية وشركة نيورالينك التي تطور جهازا صغيرا يربط الدماغ بجهاز كمبيوتر ويتألف من أسلاك فيها قطب كهربائي، على الخبر تزيد التساؤلات حول الأهداف الحقيقية من وراء الموافقة على إجراء تجارب على البشر؛ هل ربط أدمغة البشر بأجهزة ذكية خطوة لتحسين ذاكرتهم أم للسيطرة عليهم؟

وتسعى الشركة منذ أن شارك إيلون ماسك في تأسيسها عام 2016 إلى ربط الدماغ البشري بالذكاء الاصطناعي، وتتمحور جهود العاملين فيها حول صناعة أجهزة يمكن زرعها في الدماغ البشري، لتطوير الدماغ ومساعدة البشر على تحسين ذاكرتهم، مع السماح لعقولنا بالتواصل المباشر مع الكمبيوترات.

وتصمم نيورالينك أجهزة ذكية تُزرع في الدماغ للتواصل مع أجهزة كمبيوتر مباشرةً من خلال التفكير.

ويُفترض أن تُستخدَم هذه التقنية في مرحلة أولى لمساعدة الأشخاص المصابين بالشلل أو الذين يعانون أمراضا عصبية، لكنّ الهدف على المدى الطويل يتمثل في جعل هذه الغرسات آمنة وموثوقا بها وبسيطة إلى درجة أنها ستندرج في إطار الجراحات الاختيارية (بقصد الرفاه)، وسيتمكن الأشخاص عندها من دفع بضعة آلاف من الدولارات لتزويد دماغهم بقدرات معلوماتية.

وترى كريستين ويل المسؤولة السابقة في إدارة الغذاء والدواء الأميركية والأستاذة المشاركة في جراحة المخ والأعصاب وعلم وظائف الأعضاء في جامعة كولورادو أن الموافقة “اتفاق كبير حقا”.

وتابعت “يمكنهم الشروع في القيام بتجارب على البشر، مما يعني أنهم اجتازوا اختبار السلامة ما قبل التجارب السريرية”.

وكان ماسك كشف خلال المؤتمر السنوي للشركة عام 2020 أن هذه الشرائح ستمكّن البشرية من تحقيق “التعايش مع الذكاء الاصطناعي”، إلا أن الملياردير يبدي تخوفه من أن تتفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي على البشر وتتحكم فيهم يوما ما.

وفي 2019 توقع أن تتمكن نيورالينك من إجراء اختباراتها الأولى على البشر، حيث وعد ماسك بأنه سيعرض مثالا عمليا على شرائح قابلة للزرع في الدماغ، لكن الشريحة الدماغية التي عرضها في الثامن والعشرين من أغسطس 2020 لم تكن مزروعة في دماغ إنسان، بل في دماغ خنزير يدعى “جيرترود”.

وأوضح آنذاك أن شركة نيورالينك اختارت تجربة الزرعات الدماغية على الخنازير للتشابه بين جهازها العصبي والجهاز العصبي لدى البشر، وقال إن “بقيت الزرعة الدماغية في دماغ الخنزير دون مضاعفات فسيشكل ذلك علامة جديدة على إمكانية استخدامها في أدمغة البشر”.

وتوصلت الشركة حتى الآن إلى زرع نماذج أولية بحجم عملات معدنية صغيرة في أدمغة الحيوانات، وأظهرت هذه التجارب أن هذه التقنية مكّنت قردة من “اللعب” بألعاب فيديو أو من “طبع” كلمات على الشاشة بمجرّد تتبُّع حركة السهم على الشاشة بعيونها.

ففي عام 2021 تمكن قرد من أن يلعب بلعبة الفيديو “بونغ” من دون أي وحدة تحكم غير قوة دماغه، وذلك بفضل شريحة متصلة زرعتها في جمجمته شركة نيورالينك.

وآنذاك سمحت التقنية، التي لطالما كانت حكرا على أفلام الخيال العلمي وبعض التجارب المعزولة، لشركة نيورالينك باستعراض قرد ذكر (من فصيلة المكاك ويبلغ من العمر تسع سنوات ويُدعى “بيغر”) يلعب أمام شاشة بعد زرع وحدتين لاسلكيتين في دماغه.

وفي مقطع فيديو نشرته الشركة ومدته 3 دقائق أمكن رؤية القرد بيغر وهو يتحكم في حركات المضرب بعينيه لمنع الكرة من السقوط في الفراغ، تماما كما يمكن للاعب العادي أن يفعل بعصا التحكم أو الشاشة التي تعمل باللمس أو بواسطة لوحة مفاتيح.

وكتب ماسك على ضوء التجربة “قرد يلعب لعبة فيديو بالتخاطر مستخدما شريحة في دماغه”، مضيفا “أول منتج لنيورالينك سيمكن الشخص المصاب بالشلل من استخدام هاتف ذكي بعقله أسرع من شخص يستخدم أصابعه”.

لكن نيورالينك اعترفت في العام 2022 بموت ثمانية قردة خلال تجربة تقنية رقائق الدماغ الخاصة بها. ودافعت عن استخدامها للحيوانات في البحث ورفضت المزاعم القائلة بأنها عرّضت القردة “لمعاناة شديدة”، مشيرة إلى أنه يجب تجربة “جميع الأجهزة والعلاجات الطبيّة الجديدة” على الحيوانات قبل أن تصبح مقبولة أخلاقيا على البشر.

وفي عام 2022 حض إيلون ماسك موظفي نيورالينك على العمل بشكل أسرع. ونقلت عنه وكالة بلومبرغ قوله لهم “سنكون قد متنا جميعا قبل أن يحدث أي شيء مفيد”.

وفي أواخر نوفمبر الماضي أعرب ماسك عبر تويتر، بعد شهر من استحواذه على الشبكة، عن اطمئنانه إلى أن “جهاز نيورالينك بات جاهزا للبشر”، موضحا أن “جدوله الزمني مرهون تاليا بموافقة إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية”.

وأجرت الشركة الناشئة في نهاية نوفمبر تقويما لما توصلت إليه بشأن تصميم روبوت للجراحة وابتكار غرسات أخرى تُزرع في النخاع الشوكي أو العينين، بما يتيح استعادة الحركة أو البصر.

ويذكر أن رئيس “تسلا” للسيارات و”سبايس إكس” المتخصصة في استكشاف الفضاء أسس في مارس الماضي شركة “إكس. إيه آي” للذكاء الاصطناعي ويهدف منها على الأرجح إلى منافسة شركة “أوبن إيه آي” التي صممت برنامج الذكاء الاصطناعي التوليدي “تشات جي بي تي” القادر على التفاعل مع البشر وإنتاج كل أنواع النصوص عند الطلب.

وتعمل شركات أخرى على التحكم في أجهزة الكمبيوتر عن طريق التفكير ومنها “سينكرون” التي أعلنت في يوليو 2022 زرعها أول “أداة تواصل بين الدماغ والكمبيوتر” في الولايات المتحدة.

وقال مؤسس هذه الشركة الناشئة ورئيسها توماس أوكسلي في مقطع فيديو عبر موقعه الإلكتروني “نحن نبني تقنية يمكنها بث أفكار الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الحركة أو الكلام جرّاء مرض أو إصابة”.

ويخضع عدد من المرضى لاختبارات هذه الغرسة التي زرعت في أوعية دموية، كي يتمكنوا من كتابة رسائل إلكترونية أو استخدام الإنترنت بواسطة عيونهم وأدمغتهم.

وجاء إعلان شركة ماسك عن موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية على إجراء الاختبارات البشرية بعد الأخبار الأخيرة التي تفيد بانفراج مماثل يتعلق بزراعة تقنية في الدماغ من قبل باحثين سويسريين.

فقد نجح شخص مصاب بشلل نصفي في أن يستعيد تحكّمه الطبيعي في المشي بواسطة التفكير، وهو إنجاز يتحقق للمرة الأولى بفضل الجمع بين تقنيتين أتاحتا استعادة الاتصال بين الدماغ والنخاع الشوكي.

وشرح الباحث غِيّوم شارفيه من مفوضية الطاقة الذرية والطاقات البديلة، وهي أحد الأطراف المشاركة في المشروع، أنه أمكنَ التوصل إلى هذا الإنجاز من خلال الجمع بين تقنيتين زرعتا في دماغه وحبله الشوكي.

ويأمل ماسك أن تساعد الشرائح الإلكترونية الدماغية المصابين بالشلل الرباعي على التحكم في الهواتف الذكية، وربما تمنح المستخدمين نوعا من التخاطر في ما بينهم، وقد تجمع هذه الشرائح الإشارات الكهربائية التي يرسلها الدماغ وتحولها إلى أفعال.

كما يطمح بعد إعادة القدرات الدماغية إلى المرضى المصابين بأمراض عصبية خطيرة في مرحلة أولى، أن تعمل الإصدارات التالية على تحسين الإدراك البشري وتطويره لنصل إلى مرحلة التكافل مع الذكاء الاصطناعي.

العرب