«مصير الأسد» يتحكّم بمصير التفاوض والقرار الدولي

«مصير الأسد» يتحكّم بمصير التفاوض والقرار الدولي

بشار-الأسد2

في السنة الخامسة، بعد خراب سورية، وبعدما تخلّت روسيا عن خوض الحرب بالوكالة لتلتحق بإيران في القتل المباشر للسوريين وتدمير بيوتهم، وبعدما قضّ اللاجئون مضاجع أوروبا هرباً من الوحش «الداعشي» والدب الروسي، وبعدما تأكدت الولايات المتحدة من أنها نجحت في توظيف الأزمة السورية لحماية إسرائيل، سواء بتدمير الترسانة الكيماوية لـ «نظام البراميل» أو بتعطيل القنبلة النووية الإيرانية… نجح مجلس الأمن الدولي في إصدار قرار في شأن سورية، معتقداً أنه أنهى مسلسل الفشل و «الفيتو» الذي أظهر المجتمع الدولي عاجزاً عن «حماية المدنيين» عندما ألحّوا في طلبها، وعن تطبيق «القانون الإنساني الدولي» عندما مسّت الحاجة إليه، وعن اتخاذ أي خطوة نحو تفعيل العدالة الدولية – إنْ وجدت – ضد نظام ثبت إجرامه، بل عاجزاً حتى عن تنفيذ أي قرار يحضّ على فك الحصارات وإدخال المساعدات الإغاثية…

ومع ذلك، لا بد من القول إن صدور القرار 2254 قد يكون أفضل من إبقاء الأزمة السورية هائمة على وجهها من دون أي عنوان واعتراف دوليين بوجودها. هل يعني ذلك إنهاء الصراع، أو أن المأساة بدأت تقترب من نهايتها؟ وحده هذا الهدف يحرّض على الأمل، بعدما ناقضت هذه الأزمة كل قوانين المنطق والتاريخ والأعراف الأخلاقية، وبعدما تضامنت كل استبدادات العالم لإعطاء «نظام البراميل» فرصة كاملة لسحق الشعب وهزمه، ولمّا أخفق رُفعت الأيدي الخمس عشرة في مجلس الأمن لتدعوه الى ما لا يستحق: أن يتفاوض مع الشعب، أن يتساوى معه، أن يتحدّث عن مستقبل سورية وهو الذي أفسد ماضيها القريب وجهد لتدمير كل الشواهد على تاريخها وهويتها، بل كذلك لتكون له فرصة للتلاعب بأي «مرحلة انتقالية» وللمساومة على مصيره وإفلاته من أي عدالة أو محاسبة على ما ارتكبه في حق سورية والسوريين.

نعم، ليس في القرار الدولي أي إنصاف للشعب السوري، لكنه مع ذلك مُعطى إيجابي في الأزمة، لأنه حدّد «الممكن» الذي يطلق دينامية قابلة للتحسين والتطوير. وعلى رغم أن لقرارات مجلس الأمن تاريخاً من خيبات الأمل، إلا أن المحك في هذا القرار ليس التزام «الأطراف السورية» فحسب، بل إن الأهم في هذه المرحلة هو التزام الأطراف الدولية التي احتفلت به وكأنها حققت إنجازاً، إذ تقدّمه على أنه يعالج الأزمة، والأدق أنه محاولة، مجرد محاولة، لمعالجة خلافات الدولتين الكبريين والدول المصطفّة وراءهما. وهذه خلافات على الهيمنة والنفوذ، وليست على السبيل الأفضل لإنصاف الشعب السوري، فالدولتان لا تزالان في العقلية التي رجّحت عام 2013 تدمير السلاح الكيماوي لنظام بشار الأسد، بدلاً من ضربه عقاباً على استخدامه، وقد استمرّ في استخدامه، ما بات يمنح الآن سابقة «مشروعية» لأي نظام يلجأ الى ذلك السلاح «المحرّم بموجب القانون الدولي». ولا شيء يؤكّد أن الخلافات الأميركية – الروسية عولجت أو بدأت تُعالج بفضل «تفاهمات كيري – لافروف» الأخيرة في موسكو، بدليل أنهما أنهيا يومهما «التوافقي» الطويل في نيويورك بعبارتين سجاليتين لا تتعلقان بما صيغ في القرار 2254، بل مسّتا ما هو حقيقي وواقعي. فالأميركي أشار الى استمرار القصف الروسي مواقع المعارضة (التي يراد إشراكها في التفاوض)، والروسي اعترض لتبرير عدم ضربه مواقع «داعش» لأن الأميركي يتلكأ في التنسيق معه.

إذا كان لما يُكتب في القرارات الدولية أي معنى أو صلاحية، فإن نص القرار 2254 على التزام مجلس الأمن «القوي» سيادة سورية ووحدتها وسلامتها الإقليمية، يجب أن يشكّل وجهة الحل المنشود للصراع. فهل هذا التزام نهائي يعبّر عن كل الدول الـ17 «المجموعة الدولية لدعم سورية» (لقاء فيينا)، بما فيها روسيا وإيران؟ يحتاج الأمر الى التدقيق والتأكيد، خصوصاً أن الدور الروسي لم يُحدث أي فارق «توحيدي»، ولم يخرج عن إطار الخطة الأسدية – الإيرانية التي باتت الغارات الجوية الذراع الأقوى لاستكمالها، وهي خطة تهندس الرقعة الجغرافية التي يريد الأسد والإيرانيون الاحتفاظ بها. خسر النظام مقوّمات فرض سيطرته على مجمل البلاد، حتى بمساعدة الروس، وابتعد هؤلاء كثيراً من الوعود والمبادرات التي ثرثروها قبل التدخل وبُعَيده عن توحيد الجيش السوري، وانزلقوا في مستنقع القتل واقتلاع السكان.

لكن، لنفترض أن القرار الدولي يعني ما يقوله عن وحدة سورية، وأن كل الدول المعنية تلتزم هذا المنطلق المبدئي للحل، إلا أن قراءة كل بند في ضوء ما اختُبر خلال أربعة أعوام، تترك انطباعاً بأن القرار مفخخٌ ليس فقط بالخلافات المعروفة والمعلنة، بل خصوصاً بعدم وجود تفسير واضح ومشترك لفحوى بيان «جنيف 1» و «بياني فيينا»، ولا لمعنى «إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخوّل صلاحيات تنفيذية كاملة، وتعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة، مع كفالة استمرارية المؤسسات الحكومية». فإذا كانت أميركا وروسيا والدول الـ15 الأخرى مجمعة على تفسير واحد، فليتبرّع أحد بشرح لإلحاح لافروف على تجنّب عبارة «هيئة انتقالية» لمصلحة «حكومة»، فهذا «التغميض» المتعمّد يعني أن موسكو لم تتخلَّ عن «الفيتو» هذه المرّة، إلا لأنها تقود اللعبة بشروطها خارج نصوص القرار الدولي.

ثمة ثغرات كثيرة في القرار، وأهمها أنه دشّن لتوّه أخطر مرحلة عرفها الصراع السوري، لأن كل بند فيه يتطلب تفاوضاً طويلاً على آليات التنفيذ. لكن الثغرة الأهم والأخطر هي في «التفاهمات» الأميركية – الروسية، التي لا يبدو أنها تناولت الضوابط المطلوبة في الفترة السابقة للبدء بالتفاوض، كما تركت الموعد ولو الافتراضي لوقف إطلاق النار عائماً ومبهماً. وبذلك، لا يبقى الدور الروسي منفلتاً فحسب، كما هو الآن، بل يُعطى المهلة الزمنية التي يحتاجها لاستكمال ضرب المعارضة وإضعافها. في المقابل، تتركّز التساؤلات على الموقف الأميركي وهل لا يزال معنياً فعلاً بتمكين المعارضة من الصمود في مواقعها، أم أنه اقترب أكثر من الموقف الروسي الذي يعتبر كل مَن يقاتل النظام «إرهابياً». وإذا كان الوزير كيري يروّج للقرار 2254 بأن فيه مصلحة للمعارضة السورية، ينبغي أن تنخرط في انتزاعها والبناء عليها، فإن الضغوط الأميركية لقطع الدعم العسكري عن المعارضة في مرحلة حرجة كهذه لن تبدّد تلك «المصلحة» فحسب، بل ستعني انحيازاً أميركياً واضحاً الى جانب العدوانية الروسية ضد الشعب السوري.

في البند الثامن، يُغرق مجلس الأمن قراره في تلاعب النظام السوري بمسألة الإرهاب وتصنيف الجماعات المقاتلة. صحيح أن المجلس طلب في قرار سابق منع أعمال تنظيم «داعش» و «جبهة النصرة» وقمعها، إلا أنه يستعد لتسمية جماعات أخرى فور توافق الدول الـ17 على قائمة بها. وهذا التوافق صعب لأسباب كثيرة متداخلة، منها أن الأمر يتعلّق بجماعات تقاتل النظام الى جانب «النصرة» ولم تبايع زعيم «القاعدة» وليست معنية بها، وهي جماعات سورية تتلقى الدعم من بعض تلك الدول المطلوب الآن أن توافق على تصنيفها إرهابية، أي أن تعرّضها للتصفية. والأخطر، أن مجرد السير بهذا التصنيف يعني اعتماد مقاتلة نظام الأسد تعريفاً للإرهاب، ما يبرر كل جرائم هذا النظام ويمحضها مسوّغاً ومشروعية قانونيين. صحيح أن من واجب معالجي الأزمة السورية استباق «الإرهاب المقبل» والتحوّط له، لكن مكافأة الأسد بإبقائه في المرحلة الانتقالية كفيلة وحدها بدفع جميع مناوئيه الى أحضان «جبهة النصرة» إن لم يكن بـ «استدعاشهم»، وفي ذلك تكرار متعمَّد لأخطاء نوري المالكي في العراق وحتى لنتائجها. ولعل أهم دليل على أن الإرادة الدولية لإنهاء الصراع لم تتبلور بعد، أن الجدل والخلاف على «مصير الأسد» مستمران، بل أضحا جدلاً على تصنيف مقاتليه، ومع بدء التفاوض سيصبح جدلاً على تصنيف معارضيه السياسيين، وعلى هذا فليس مستبعداً أن يكون الجدل بعد بضعة شهور على مصير القرار 2254 والمفاوضات والمرحلة الانتقالية…

عبدالوهاب بدرخان

صحيفة الحياة اللندنية