الزراعة في لبنان تدفع ضريبة دوامة توترات الجنوب

الزراعة في لبنان تدفع ضريبة دوامة توترات الجنوب

تعطي أحدث العلامات المفزعة حول تداعيات توترات جنوب لبنان صورة أكثر وضوحا عن الحالة الكارثية، التي أصبح يعاني منها قطاع الزراعة وتربية المواشي، الأمر الذي يهدد أحد أهم مصادر سلة غذاء السكان في بلد تجثم فوقه أزمة مالية حادة منذ سنوات.

مرجعيون (لبنان) – يتكبّد القطاع الزراعي في لبنان خسائر فادحة يوميا نتيجة القصف المتقطع على الحدود الجنوبية بين حزب الله وإسرائيل منذ قرابة أربعة أشهر، مما يضيف تعقيدا على الأزمة الاقتصادية.

وعلى مدى سنوات، شكّلت الزراعة العصب الاقتصادي للقرى الحدودية في البلاد، ويُعدّ سهلا مرجعيون والوزاني الأكثر شهرة، إذ يرفدان السوق المحلية بحوالي 30 في المئة من حاجته.

لكن منذ الثامن من أكتوبر الماضي، توقف المزارعون عن الذهاب إلى حقولهم، وأدى عدم طرح محاصيلهم في الأسواق الداخلية إلى رفع أسعار الخضار بشكل لافت.

وأكد مزارعون في منطقة مرجعيون لوكالة الأناضول أنهم لم يتمكّنوا من زراعة حقولهم للموسم الشتوي، ولم يتمكنوا من جني محاصيل موسم الخريف.

وتشير التقديرات إلى أن الزراعة تشكل مصدر دخل لحوالي 70 في المئة من سكان الجنوب.

ورصدت وزارة الزراعة، بحسب ما صرح به وزيرها عباس الحاج حسن الأسبوع الماضي، 613 حريقا على مساحة 210 كيلومترات في الأراضي الزراعية جنوب البلاد.

وقال حسن “دمرت الغارات الإسرائيلية نحو 800 هكتار من الأراضي الزراعية، بما في ذلك أكثر من 50 ألف شجرة زيتون عمر بعضها 300 عام، فيما نفقت الآلاف من الماشية، بينها أغنام وماعز وأبقار”.

وشدد على أن “في هذه المرحلة، من المستحيل تقديم أرقام دقيقة حول حجم الأضرار، حيث يتواصل القصف الإسرائيلي يوميا”.

وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد أشار في تقرير الشهر الماضي إلى أن “أكبر الخسائر لحقت بالقطاع الزراعي، الذي يشكل 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي”.

وذكر البرنامج أن القطاع اكتسب أهمية كبرى في أعقاب الأزمة المالية، مع رفع مساهمته في الاقتصاد من 3 في المئة عام 2019 إلى 9 في المئة عام 2020.

وأفاد التقرير الأممي بأن جنوبي لبنان “يساهم بنحو 21.5 في المئة من إجمالي المزروعات، ويشكل القطاع فيه مصدر دخل رئيسيا للعديد من الأسر”.

ولا تزال الصعوبات الغذائية في لبنان تتفاقم، حتى بات هذا البلد ضمن 20 دولة تعد بؤرا ساخنة للجوع، وذلك إثر الأزمة الاقتصادية الحادة، فضلا عن تداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي، والحرب الروسية – الأوكرانية.

ويؤكد المزارع الستيني شاهين حنا شاهين قائلا “لا أستطيع الذهاب إلى أرضي في سهل مرجعيون التي تعرضت للقصف، وهي تقع على بعد 3 كيلومترات عن الحدود مع إسرائيل”.

وقال “لدي 35 دونما (3.5 هكتار) مزروعة بفاكهة الأفوكاتو والجوز، التي لم أستطع جنيها بسبب القصف المتواصل على أرضي، حيث أصيبت مضخات وأنابيب الري بأضرار كبيرة”.

30
في المئة من احتياجات السوق المحلية توفرها المزارع الحدودية وخاصة مرجعيون والوزاني

وبنبرة حزينة، أضاف شاهين “لم أتمكن من جني سوى 15 صفيحة من حقول الزيتون من أصل مئة صفيحة مقدرة بسبب هروب العمال أثناء القصف الإسرائيلي على الحقول”.

وأردف “جراء الحرب، تكبدت خسائر بما لا يقل عن 20 إلى 30 ألف دولار، ولدي ديون للتجار حيث كنت استدين لزراعة أرضي”.

وأعرب شاهين عن أسفه لأن الدولة لا تعوضه عن الخسائر، متسائلا “مَن يدفع عني الديون؟ لن نزرع الأرض بعد الآن، وخاصة أن الحرب قد تطول إلى ما بعد الصيف”.

ولا تقتصر الأضرار على الزراعة، إذ قال فؤاد الحمرا، صاحب مزرعة دواجن في مرجعيون، إن “القطاع الحيواني يعاني مشاكل كثيرة بسبب القصف والمواجهات المستمرة.. الدواجن تموت عند سماع صوت القصف”.

وأضاف أن “تجار العلف لا يأتون إلى المنطقة بسبب الخطر الذي تسببه المواجهات، إضافة إلى أننا واجهنا صعوبة بتصريف الإنتاج، لأن المنطقة لا يوجد فيها ناس.. الجميع نزح إلى المناطق الأخرى”.

وتطرق الحمرا إلى مشكلة التخزين في الثلاجات لأنه لا توجد كهرباء. وقال “لذلك خفضنا الإنتاج في المزرعة إلى 80 في المئة، وإذا طالت الحرب سنتوقف عن العمل كليا”.

ويؤكد المركز الزراعي التابع لوزارة الزراعة في قضاء مرجعيون أن أضرار القطاع في الجنوب كبيرة نتيجة عدم وصول المزارعين إلى محاصيلهم لقطفها.

وأفاد مدير المركز فؤاد ونسة بأن موسمي الزيتون والجوز لم يُقطفا بسبب عدم تمكن المزارعين من الوصول إلى حقولهم، إضافة إلى موسم الحبوب الذي لم يُزرع هذا العام.

وقال إن “هذا سيدخلنا في مشكلة أخرى قد تؤدي إلى عدم وجود مواسم مثل القمح وغيره”.

وتابع “لا توجد أرقام رسمية للخسائر حتى الآن بسبب عدم تمكن الوزارة من الوصول إلى مسح الأضرار، ونقدر الأضرار في الثروتين الحيوانية والنباتية بحوالي 80 في المئة”.

وبالنسبة إلى مربي المواشي، أوضح أن جزءا كبيرا من المربين نقلوا كل المواشي إلى مناطق ساحلية وآمنة، وسيواجهون مشكلة تصريف إنتاجهم من الحليب ومشتقاته في مناطق نزوحهم.

ويبدو أن الضرر سيكون مرافقا للمزارعين لسنوات قادمة، فقد أكدت الحركة البيئية اللبنانية، وهي منظمة غير حكومية، أن 8 مواقع في الجنوب قصفها العدو الإسرائيلي تعرضت لنسبة عالية من مادة الفوسفور الأبيض.

واستندت الحركة في تقييمها إلى نتائج فحوصات أجراها فريق مشترك من وزارة البيئة ومختبر البيئة والزراعة والغذاء في الجامعة الأميركية ببيروت.

وقال المستشار الإعلامي في الحركة مصطفى رعد إن “نتائج الفحوصات أظهرت وجود 40 ألف جزئية بالمليون، وهو أعلى بنحو 400 معدل من المتوسط الطبيعي، وهو 100 جزئية في المليون”.

وأضاف أن “حوالي 460 هكتارا احترقت بسبب مادة الفوسفور الأبيض تتضمن أشجار زيتون وأشجارا معمرة وأعشابا برية، وأكثر من 40 ألف شجرة زيتون احترقت في المواقع التي شملها المسح”.

العرب