بداية انهيار العملة الايرانية تنذر بنهاية النظام السياسي في طهران

بداية انهيار العملة الايرانية تنذر بنهاية النظام السياسي في طهران

سجلت العملة الإيرانية تراجعا أمام الدولار في اقل من عام، مستقرة عند حافة الخمسة آلاف تومان، اذ ارتفع الدولار 400 تومان ليصل إلى 4985 في يوم 13 فبراير/شباط 2018، والذي تزامن مع إعادة انتخاب الرئيس حسن روحاني لولاية ثانية.
وذكرت الوكالة الإيرانية الرسمية من جهتها ان سبب التراجع ، يعود الى نقص المعروض ورفع سعر العملة في مكاتب الصرافة، فيما يرى الخبراء والمختصون ان من الاسباب الاقتصادية والسياسة لهذا الانخفاض هي:
• الاحتجاجات التي شهدتها إيران في أواخر كانون الأول/ ديسمبر2017، بسبب ارتفاع الأسعار والبطالة، التي بدأت بعناوين اقتصادية اجتماعية ورفعت شعارات مناهضة للمؤسسة الحاكمة ، وللتظاهرات محفزاتها السياسية الداخلية المرتبطة بالصراع الإصلاحي-الأصولي، فإن خروجها عن السيطرة وتحولها لمساحة للاعتراض على النظام حولها إلى مواجهة بين المحتجين والسلطات، مما ادى الى انعدام الأمن وانخفاض الثقة بالسوق الإيرانية.
• تهديد الرئيس الامريكي دونالد ترمب بإلغاء الاتفاق النووي خلق مخاوف لدى الشارع الإيراني، مما اثر على صياغة المشهد الاقتصادي الايراني ، ودخول الإيرانيين مرحلة التشكيك، اذ تمثل أول مظاهر القلق العامة في الطلب المتزايد على الدولار وسحب الودائع خوفا من انهيار العملة، الأمر الذي أدى إلى إفلاس مؤسسات مالية لم تستطع الإيفاء بطلبات المودعين .
و يرى خبراء ومختصون ان هذه الازمة مرتبطة حصراً بتداعيات العقوبات الاقتصادية التي ما زالت قائمة على إيران وبعدم تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى إيران.
وادى حصر مسببات ما حدث بالعقوبات الاقتصادية وحدها إلى اظهار صورة غير كاملة عن أزمة إيران المركبة، وعن المشهدين الاقتصادي والسياسي الإيرانيين، بحيث تعجز الاستنتاجات التحليلية عن الوصول إلى نتائج واضحة للانهيار.
ولأن الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة، فلابد ان يكون للأزمة تداعيات تتجاوز مجرد أسعار الصرف وانهيارها، وتتخطى السياسات المالية الإيرانية التي اسهمت في ظهور الأزمة.
و الجزء الظاهر من الأزمة اقتصادي بامتياز، حيث تعكس أزمة انهيار سعر الصرف تردياً واضحاً في حالة الاقتصاد الإيراني؛ لأن الانهيار المتتالي لسعر الصرف ينعكس بشكل كبير على أسعار الأصول العقارية ومستويات معيشة الإيرانيين، خصوصا المتقاعدين وذوي الدخل الثابت.
ووصفت صحيفة “آرمان” ما يحدث في السوق الإيرانية بانه محاولة «انقلابية» ضد الحكومة عبر العملة، و «اذا لم يكن تأثير العملة في حياة الناس مباشرا ، فإن الأثر النفسي بالإمكان أن يكون صعبا على المجتمع، لان تذبذبات سوق العملة والذهب تتسبب بتدهور الهدوء النفسي للمواطنين».
ووجهت الصحيفة الاتهام إلى ” المهزومين في عالم السياسة و جماعات اقتصادية” تعمل بالخفاء بمواجهة الحكومة عن طريق ” الاقتصاد” ( سوق العملة والذهب ) حتى تتحول إلى سلاح سياسي ضد الحكومة.
واكد خبراء الاقتصاد والسياسة ، أن زيادة الطلب على شراء الدولار رغم ارتفاع قيمته يرجع الى عدم الثقة بالنظام الإيراني، بسبب سياسته التوسعية والعدائية بالمنطقة، والتي أدت إلى تعرض بلادهم لعقوبات دولية، إضافة إلى هروب رؤوس الأموال الأجنبية من إيران، وارتفاع مؤشر التضخم الذي أسهم في غلاء أسعار السلع الأساسية والبضائع بشكل كبير.
وانتقد المحلل الاقتصادي الإيراني فريدون خاوند ، قرار تحديد سعر الصرف الأجنبي ببلاده، معتبرا أن البنك المركزي لن يستطيع السيطرة كثيرا على سعر العملة الخضراء، لافتا الى ان هناك عدة عوامل تتحكم بسوق العملات الأجنبية في إيران ومن بينها التضخم، والتجارة الخارجية، خاصة في ظل تقلبات أسواق النفط العالمية.
وفي السياق ذاته شددت الحكومة الإيرانية من قبضتها لوقف نزيف عملتها المحلية مقابل الدولار، والتي هبطت إلى مستويات قياسية، اذ وضع البنك المركزي الإيراني ، حدا أقصى لحيازة الإيرانيين للنقد الأجنبي خارج البنوك عند 10 آلاف يورو .
واعلنت وكالة تسنيم للأنباء، ان البنك المركزي اعطى موعدا للمستهلكين حتى آخر شهر ابريل الحالي لبيع أي كمية فائضة أو إيداعها في البنوك.
ونشر الموقع الرسمي للبنك المركزي الإيراني أسعارا للصرف جديدة ورسمية للجنيه الإسترليني عند 59330 ريالا واليورو عند 51709 ريالات.
ووصف النائب الاول للرئيس الإيراني اسحاق جهانغیري الازمة بانها محاولات عدوانية ضد ايران من المناوئين خاصة اميركا بعد الاتفاق النووي مؤكدا ن ترمب يحاول ضعضعة الاوضاع الاقتصادية بغية الحيلولة دون الاستثمار في ايران.
واشار جهانغیري الى الاتفاقات الايرانية مع الدول الاخرى لاستقطاب الاستثمارات الأجنبة للبلاد والتي تبلغ اكثر من 30 مليار دولار بصبغة التمويل ‘فاینانس’ واضاف، ان حجما واسعا من الاستثمارات الأجنبية یتحرك الان نحو البلاد وفي مثل هذه الظروف فان مثل هذه التغييرات في سعر العملة الصعبة یبدو امرا غير طبيعي تماما وان هنالك عوامل غیر اقتصادية، وغیر مبررة وغیر متوقعة، مؤثرة في هذا المجال، وفي مثل هذه الظروف لا یمكننا ان نسمح بحدوث اضطراب في اجواء البلاد الاقتصادیة.
واكد جهانغيري ان السعر الذي تم تحديده في الاجتماع لسعر الدولار وهو 4200 تومان، سيكون هو المعتمد في المعاملات ولا تعترف الحكومة باي سعر اخر وستحاسب من يتعامل بسعر اعلى منه حيث ان الجهات الامنية والقضائية مكلفة بالتصدي لذلك.

وكانت إيران وحدت بين سعر الصرف الرسمي لعملتها وسعرها في السوق المفتوحة قبل ايام ، وأعلنت أن سعر الدولار سيكون 42 ألف ريال في جميع الأسواق ولكل أنشطة الأعمال.

اما توقعات المراقبين للسوق الإيرانية أن يشهد اقتصاد طهران انهيارا وتحديدا في القطاع المصرفي، خلال الفترة المقبلة، معتبرين أن أزمة العملات الأجنبية ترجح تعرض النظام الايراني لسيناريو أزمة فنزويلا الحادة، التي تعاني أزمة اقتصادية متفاقمة، أو إعلان إفلاس مؤسسات مالية رسمية بالبلاد…

تسببت سياسة الحكومة الإيرانية بفرض العقوبات الاقتصادية والوصول إلى هذا اخفاض سعر العملة الايرانية الحاد، وبالأخص عملية حجب إيران عن المشاركة في عملية التبادل المصرفي الدولية (سويفت)، الأمر الذي جعل مبادلاتها الدولية صعبة للغاية، وكانت بالتالي أهم عقوبة مالية يمكن توجيهها إلى إيران. ويعاني كل من زار طهران في السنوات الأخيرة صعوبة استخدام بطاقات الدفع الالكترونية في الفنادق والمحال الإيرانية لشراء السلع والبضائع، مما يضطر السائح إلى حمل أوراق نقدية بكميات كبيرة في سفره وترحاله بإيران. ومع وضوح تأثيرات العقوبات الاقتصادية، إلا أن انهيار أسعار الصرف لا يمكن تبريره حصراً بأن هذه العقوبات تؤتي فعلها فحسب، بل يجب وضع سياسات الرئيس الإيراني حسن روحاني أيضاً أمام مسؤولياتها.
واسهمت السياسات ذات المنحى النيوليبرالي لحكومة حسن روحاني في الوصول إلى هذه النتيجة أيضاً، والتصادم بين سياسات الانحياز للمستضعفين كشعار سياسي وسياسات الانحياز ضدهم كممارسة اقتصادية.
لذلك يستقطب الرئيس الإيراني الاهتمام الآن بتعرضه لضغوط شديدة جراء مسؤوليته عن الأزمة الاقتصادية الراهنة، ومن البديهي أن تحاول أجنحة الحكم في إيران جعله يدفع ثمن الأزمة الاقتصادية مما تبقى له من رصيد سياسي بغرض الحيلولة دون امتداد الأزمة إلى كامل النظام.
ونظراً إلى سوابق إيران التاريخية، فمن المرجح أن يعاد الاصطفاف مرة أخرى داخل النظام على قاعدة تثبيت تركيبة أخرى تستطيع حل الأزمة الاقتصادية عبر نفوذها مع أطراف فاعلة في المعادلة الاقتصادية الإيرانية، وهو ما يتطلب وقتاً وهدوء نسبياً غير متوافر بسبب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضغوطاته.
وستستمر الاخفاقات الاقتصادية تؤتي فعلها في الداخل الإيراني لفترة منظورة، مما يضغط حكماً على صانع القرار الإيراني في الملفات السياسية والإقليمية. ومع ذلك لا تبدو الضغوط الاقتصادية والإقليمية مؤدية تلقائياً إلى تسليم إيراني بالملفات الإقليمية، إذ إن بنك إيران المركزي ما انفك محتكماً على حوالي سبعين مليار دولار احتياطيات تعصمه من الانهيار في المدى القصير، ولا تزال في جعبة إيران ما لا يستهان به من الأوراق. الكرة ما زالت في الملعب والنتيجة النهائية لم تعلن بعد.

والازمة انعكاسات على الشارع الايراني ، اذ ان الانخفاض الحاد بقيمة التومان استدعى تدخل قوى الأمن وشن حملات مداهمة في سوق الصرافة وسط طهران، واعتقال عشرات المتهمين بالتلاعب بسوق النقد.
ولجأت الحكومة الايرانية الى زيادة سعر الضرائب على المسافرين خارج الجمهورية, فبعد ان كانت ضريبة السفر 70 تومانا تدفع عند الخروج من ايران لاول مرة اصبحت 220 تومان, والمسافر للمرة الثانية يدفع 320 تومان ,والثالثة وصعوداً 440 تومانا، ووصل التومان الايراني لـ490 في سوق العملات المتداول و420 في البنوك
ويرى مراقبون أن الأمل الوحيد للاقتصاد الإيراني في تجاوز هذه الأزمة هو في استمرار الاستقرار النسبي لأسعار النفط، إلا أن احتمال استمرار الاضطرابات الاجتماعية وتكثيف العقوبات يمكن أن يلغي بسهولة الفوائد الاقتصادية لأسعار النفط المستقرة.

 

وحدة الدراسات الاقتصادية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email