هجرة “نخب” جنوب العراق إلى بغداد وكردستان بحثاً عن الأمن

هجرة “نخب” جنوب العراق إلى بغداد وكردستان بحثاً عن الأمن

كشفت حادثة مقتل الروائي العراقي علاء مشذوب في كربلاء، في فبراير/شباط الماضي الماضي، النقاب عن هجرات متفرقة لعدد غير قليل من الناشطين المدنيين والمثقفين والإعلاميين من مناطق جنوب العراق، أبرزها البصرة والنجف وذي قار وبابل، إلى بغداد ومدن إقليم كردستان العراق، بسبب ما يصفونه بالمخاوف على حياتهم من جماعات مسلحة تنشط جنوب البلاد. وجميع هؤلاء يشتركون في طروحاتهم الداعية للدولة المدنية ورفض النفوذ الإيراني وهيمنة الأحزاب الدينية على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي وعسكرة المجتمع العراقي. وتوسم الجماعات المستهدِفة لهم بالعادة بأنها مرتبطة بإيران، وقد وجّهت تحذيرات لعدد منهم بالتصفية، بسبب طروحاتهم المتكررة حول رفض التدخل الإيراني وسلطة رجال الدين، فضلاً عن حثّهم الشارع على التظاهر وتنظيم الندوات، أو ما يعرف في جنوب العراق بالأمسيات الأدبية والثقافية، والتي عادة ما تتحول إلى ندوات ذات طابع سياسي توعوي داع للدولة المدنية والابتعاد عن التخندق الطائفي والعرقي، على اعتبار أنّ ذلك هو مفتاح الحلّ للمشكلة العراقية.


ناشطون ومثقفون وإعلاميون من جنوب العراق، انتقلوا خلال الأشهر الماضية للعيش في بغداد وكردستان


ورغم ارتفاع عدد الناشطين الذين قتلوا خلال الأشهر الأخيرة في جنوب العراق إلى 10 أشخاص، بينهم الناشطة النسوية البارزة في البصرة سعاد العلي، والروائي علاء مشذوب، إلا أنّه لم تتوصّل أي لجنة تحقيق لنتائج تدين الجناة، كما وعدت بعد حوادث الاغتيال تلك، الأمر الذي يرى فيه مراقبون “فشلاً في إدارة الملف الأمني، فضلاً عن عدم قدرة الدولة على مواجهة تلك الجماعات”.

ويوجّه مسؤولون أمنيون في جنوب العراق وآخرون في بغداد، أصابع الاتهام بتصفية الناشطين إلى جهات عدة، مؤكدين أنّ أكثر من طرف متورط في استهداف أصحاب الرأي في محاولة لفرض لون واحد، ومن بين هذه الجهات فصائل منضوية ضمن “الحشد الشعبي” مرتبطة بإيران، وكذلك أحزاب دينية.
وأكّد مسؤول في وزارة الداخلية العراقية ببغداد، في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ ناشطين ومثقفين وإعلاميين من جنوب العراق، انتقلوا خلال الأشهر الأخيرة للعيش في بغداد، وبعضهم إلى كردستان العراق، في حين اضطر آخرون إلى إغلاق حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي كـ”فيسبوك” و”تويتر”، حيث كانوا ينشرون أفكارهم وطروحاتهم، ليبتعدوا عن واجهة الأحداث بشكل كامل. وأوضح المسؤول أنّ سبب انتقالهم إلى بغداد يعود لكونها كبيرة ويمكنهم التواري عن الأنظار فيها، كما أنّ الأمن داخلها أفضل، والحال نفسه بالنسبة لإقليم كردستان.

وأشار المسؤول إلى أنّ تقارير استخبارية تؤكّد وجود جماعات متطرفة تعرف في بعض المناطق باسم “الولائية”، موضحاً أنّ “المنتمين إليها هم من القائلين أو المؤمنين بمشروع ولاية الفقيه وإمامة المرشد علي خامنئي، ويرون ضرورة تطبيقه في العراق. كما أنهم يحملون أفكاراً متشددة بعضها يصل حدّ التكفير لمن لا يؤمن بمسألة ولاية الفقيه”. وأضاف أنّ “هؤلاء هم بالتأكيد من يقفون وراء عمليات استهداف مفكرين وناشطين مدنيين، ودعاة الدولة المدنية أو العلمانية في العراق، وفصل الدين عن السياسة، لكن في العادة تلك الجماعة تتخفى وراء أغطية مختلفة، أبرزها الحشد الشعبي، فهم في الوقت نفسه عناصر ضمن هذه الفصائل”.

وأكّد مثقفون في مدينة العمارة جنوبي العراق، وجود مضايقات لهم، وتلقي ثلاثة منهم تهديدات من قبل جهات مقربة من زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، عقب انتقاد الأخير لتخليه عن شعارات الإصلاح وترك نظام المحاصصة الطائفية على حاله في الحكومة الجديدة، مؤكدين أنّ تهديد المثقفين أو الناشطين لم يعد يقتصر على جهة معينة، بل هناك حملات إسكات لأي صوت معارض لأي جهة نافذة.


مصدر أمني: تقارير استخبارية تؤكّد وجود جماعات متطرفة تعرف في بعض المناطق باسم “الولائية”


وفي السياق، قال س. ح وهو ناشط مدني اعتقل خلال تظاهرات سابقة في مدينة العمارة، إنه تعرّض لتهديد مباشر من قبل مجموعة تدعي ارتباطها بـ”سرايا السلام” التابعة لـ”الحشد الشعبي”، “فقط لأني علّقت على منشور في إحدى الصفحات بعبارة: تباً لي ولك”، وهي عبارة كان أطلقها مقتدى الصدر، وتحوّلت لاحقاً إلى عبارة تهكم في الشارع العراقي، خصوصاً في أوساط اللادينيين أو المدنيين. وأضاف الناشط “حذفت التعليق لكنهم لم يتركوني، كما أني قدّمت اعتذاراً حول الموضوع، لكني ما زلت غير مرتاح وأشكّ في أنهم سيتركونني”.

بدوره، قال علي الفتلاوي، وهو أحد الناشطين في البصرة، وكان قد انتقل منذ قرابة الشهرين إلى بغداد، حيث يسكن في شقة مفروشة بأحد الأحياء المتواضعة شرقي العاصمة، قال لـ”العربي الجديد”، إنه قرّر البقاء فترة في بغداد إلى أن تهدأ الأوضاع في الجنوب، فهو لا يطيق العيش في العاصمة. وأضاف “أمي توسّلت بي السفر لبغداد، وكذلك أخي الأكبر وأصدقائي، بسبب حملات الملاحقة التي طاولت عدداً من الناشطين، تلخّصت برسائل على هواتفهم أو أمام منازلهم، تحمل عبارات تهديد مختلفة وتهما بالعمالة للقنصلية”، في إشارة إلى القنصلية الأميركية بمحافظة البصرة. وتابع “رغم التزامنا منازلنا وتجميد مختلف أنشطتنا، لكننا صرنا في قلق دائم من أنّ الرصاص سينهي الموضوع في أي لحظة”.

إلى ذلك، قال أحد أبناء عم الروائي علاء مشذوب الذي اغتيل بثلاث عشرة رصاصة قرب منزله في كربلاء في فبراير الماضي، إنّ الأخير “قتل بسبب منشور له انتقد فيه روح الله الخميني، واعتبر أنه لم يحترم السنوات الثلاث عشرة التي عاشها في العراق قبل تسلمه للسلطة في إيران، فكان أن تم قتله بـ13 رصاصة وهي رسالة واضحة”. وأضاف قريب المشذوب الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ “الأدوات الإيرانية في العراق باتت تحارب التيارات العروبية والوطنية والمدنية وكل ما يمكن أن يشجع على روح الاستقلال والنهضة في العراق، وخصوصاً في محافظات الجنوب التي باتت جميعها تضيق ذرعاً بممارسات الجهات التابعة لإيران، سياسية كانت أم دينية أو حتى مسلحة”.

لكنّ رئيس لجنة الثقافة في مجلس محافظة ذي قار (الحكومة المحلية)، حسن الوائلي، برر موضوع الاغتيالات والتهديدات بالقول إنّ هذه الممارسات “قد تكون ناجمة عن مشاكل شخصية”، مضيفاً في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ “حرية الرأي والفكر مكفولة دستورياً، والاغتيالات التي استهدفت مثقفين وناشطين قد تكون على أساس خلافات شخصية أو ما يُعرف بالعداوات، وهناك أيضاً من يستمتع بنشر أخبار كاذبة عن وجود تخوّف لدى الناشطين والمثقفين أو هجرة عدد منهم بعد الأحداث الأخيرة”.


تهديد المثقفين أو الناشطين لم يعد يقتصر على جهة معينة، بل هناك حملات إسكات لأي صوت معارض لأي جهة نافذة


وأوضح الوائلي أنّ “محافظة ذي قار هي أصلاً محافظة الثقافة، حتى إن العراقيين يسمونها موسكو الصغرى، لكون عدد الشيوعيين فيها كبيراً جداً، وهناك تقبّل للأفكار المختلفة، ولكن ما حدثَ للروائي مشذوب في كربلاء، ليس غريباً، لأن كثيراً من المتطرفين لم يفهموا حتى الآن معنى القدسية التي تحظى بها المدينة”. وأكّد أنّ “حادثة اغتيال مشذوب جريمة نكراء، ومرتكبيها متطرفون فهموا الإسلام بطريقة خاطئة، وهم بقصد أو من دون قصد يشوهون الإسلام الحقيقي وعليهم أن يعلموا أنّ مواجهة الفكر لا تتم إلا بالفكر وليس بالسلاح، كما هو الحال مع الشيوعيين والإسلاميين، فهذان التياران يتصارعان فكرياً وليس عبر سفك الدماء”. ورأى الوائلي أنّ “العلمانيين ليسوا خطراً على محافظات الجنوب، ولكن فهم العلمانية الخاطئ هو الخطر”.

من جهته، اعتبر المدوّن علي الجنابي من محافظة بابل، أنّ “تصرفات تنظيم داعش الإرهابي، لا تقتصر على التنظيم الذي حاربته القوات العراقية في مناطق شمال البلاد وغربها، إنّما هي موجودة في كل المجتمعات، وهي اليوم تتمثّل بأفظع الجرائم في محافظات وسط وجنوب العراق، فضلاً عن تقييد حريات وإسكات أي صوت معارض”، مشيراً في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إلى أنّ “الحكومات المحلية مسؤولة عن هروب العقول من جنوب العراق، فما أهمية المحافظات بدون وجود كُتّاب أو شعراء؟ طبعاً لا تساوي أي شيء”.

بدوره، اعتبر عضو اتحاد أدباء مدينة النجف، علي العبودي، أنّ “المخاوف التي تنتاب المثقفين والناشطين حالياً طبيعية، بسبب بشاعة ما حدث مع الروائي علاء مشذوب، لكن التخوّف الأكبر هو من خارج الوسط الثقافي، لأن أدباء النجف والمثقفين فيها والناشطين شجعان، ولو كانوا غير ذلك لما تظاهروا، ولما طبعوا عشرات الكتب الرافضة للفساد بأشكاله المختلفة”. وأضاف في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ “نشطاء المدينة ومثقفيها، سطروا خلال السنوات الماضية أروع أشكال الشجاعة، وكشفوا عبر نشاطهم الثقافي وجهاً من أوجه الحقيقة في المجتمع العراقي، وليس من المعقول أن يتخوف الكتاب الشجعان من الملثمين الظلاميين”، مؤكداً أنه “حتى الآن لم تشهد المدينة هجرة أو انتقال مثقّف من النجف إلى محافظة أخرى، خصوصاً خلال الأشهر الماضية”.