بوتين يريد حصة الأسد

بوتين يريد حصة الأسد

ماطر-نيوز-بوتين-والأسد

بعد أربع سنوات، وصلت روسيا أخيراً إلى الربيع العربي الذي حرك المنطقة العربية من المحيط الهادر إلى الخليج الفاتر. طوال الأحداث والتموجات والمخاضات التي حصلت إبّان تلك المرحلة الحرجة، لم تكن روسيا شيئاً مذكوراً، أو هكذا يظهر؛ فقد دخلت الولايات المتحدة الأميركية على الخط مبكراً للدفاع في اتجاه هندسة معينة للأمور، بحيث تضمن عدم الانزلاق في الاتجاه غير المرغوب فيه، ولعب الاتحاد الأوروبي الأدوار التي يفرضها عليه موقعه وطموحاته، خصوصا في منطقة شمال أفريقيا، فيما ظل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يحتسي قهوته، ويتأمل من بعيد ما يجري ويدور، متحسباً ما ستسفر عنه عاقبة الأمور.
منذ نهاية الحرب الباردة والاعتقاد الشائع أن روسيا أدارت ظهرها تماما لمنطقة الشرق الأوسط، وأبقت على نفوذ محدود مع حلفائها التقليديين هناك، خصوصاً النظام السوري الذي لم يقطع حبل السرة مع موسكو، حتى بعدما أصبحت مجرد عاصمة لدولة كبرى، لا رمزاً لامبراطورية. وقد توهمت الولايات المتحدة أن هناك علاقة قوية بين الإيديولوجيا والقوة، وأن زوال الشيوعية يعني تراجع التطلع الروسي إلى التمدد، واطمأنت إلى هذه الفكرة، بشكل خاص عندما غرقت روسيا في مستنقع الأزمات الإقليمية، منذ حرب الشيشان الأولى، وصولا إلى أوكرانيا.
بيد أن استمرار الأزمة السورية ودخولها العام الرابع، خلط الحسابات لدى الإدارة الأميركية، لكي تجد روسيا كوة تنفذ منها إلى المنطقة، وتحرك قواتها العسكرية التي لم تغادر البلاد منذ نهاية الحرب الباردة في بداية التسعينيات. أدرك بوتين، الخبير في تفكيك المعلومات وإعادة تركيبها بالنظر إلى خلفيته المهنية، أن واشنطن تريد أن تعمل الشيء نفسه. لكن، ليس بالمعلومات هذه المرة، وإنما بالترتيبات العملية على الأرض، فتطلع إلى أن يكون له موقع يتفاوض عليه من بوابة الأزمة السورية، عبر الحضور المباشر لدعم حلفائه عسكريا، ومزاحمة النفوذ الأميركي.
تريد روسيا أن تلعب لعبة الحسم، فبعد سنة على تشكيل التحالف الدولي لضرب تنظيم داعش الذي دعت إليه إدارة باراك أوباما، بدا أن هذا التحالف بقي قيد المراوحة، على الرغم من أن هناك عشرات الدول التي تشارك فيه، وهذا بسبب الانقسامات بين مكوناته، بخصوص موقع

الرئيس السوري، بشار الأسد، من معادلة الحل واختلاف الرهانات على الفصائل الموجودة على الأرض في مواجهة دمشق؛ وهو ما عزّز أطروحة العجز عن الحسم. ويظهر أن موسكو التقطت الرسالة في لحظة مفصلية؛ وإذا كانت تركز على الضربات الانتقائية، بعيداً عن الأهداف المعلنة، إلا أنها توفقت إعلاميا في تركيز الضوء على أهدافها العسكرية، بحيث يبدو وكأن الذين وضعوا أمام الأمر الواقع والتعاطي مع التدخل الروسي بدأوا يجهرون بالشكوى حول السياسة الانتقائية لموسكو، وليس بشأن حضورها من أصله.
خصصت أسبوعية “الإيكونوميست” البريطانية غلاف عدد جديد لها للتدخل الروسي في الشرق الأوسط و”اللعبة الجديدة” التي أخذت تتشكل، بعد أن أصبح بوتين يجلس وجها لوجه مع الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ليسمع منه ويرد عليه. وتقول المجلة إن واشنطن ـ التي كان لديها سوء تقدير للأوضاع، في الفترة الماضية، باتت منزعجة من احتمال أن تقطف روسيا ثمار التدخل الأميركي، طوال السنوات السابقة في المنطقة، فقد أنفقت الخزينة الأميركية حتى اليوم (بحسب المجلة) مئات البلايين من الدولارات وآلاف الضحايا من الجيش الأميركي، لتنهض من النوم في أحد الصباحات، فترى شرقاً أوسط جديداً أمام عينيها، لكنها بدلا من ذلك، بدأت ترى الصواريخ الروسية التي تذكّرها بالحرب الكوبية.
كلنا يعرف أن بشار الأسد ليس ابن عمة بوتين، وهو لم يأت إلى المنطقة للدفاع عن نظامه، كما فعل نابليون عندما زحف على إسبانيا لحماية نظام صهره في القرن التاسع عشر، بيد أنه يعي جيداً أن النظام السوري بمثابة الورقة الوحيدة التي بقيت في جيبه، لكي يلعبها مع أوباما. وهذا من التفسيرات الممكنة للضربات الانتقائية لموسكو ضد داعش والتنظيمات الأخرى، والتصويب على “الجيش الحر”، لأنه يفهم جيداً أن عليه البدء بإبعاد خصوم الأسد المباشرين الذين يمكن أن يشكلوا بديلا له، أما الدولة الإسلامية، داعش، فلا أحد يريدها بديلا، ومن ثم لا بد أن ينتقل التحالف الدولي إلى السرعة القصوى غداً، لكي يتفرق دمها بين القبائل، ويبقى النظام السوري الذي، من خلاله وحده، يمكن ضمان حل سياسي، تكون لبوتين حصة الأسد فيه.

  إدريس الكنبوري

صحيفة العربي الجديد