إدلب … “عاصمة” المهجرين السوريين في خطر

إدلب … “عاصمة” المهجرين السوريين في خطر

71
بسبب سياسة التهجير المنظم، التي يتبعها النظام السوري، للمقاتلين والسكان من محيط العاصمة دمشق، تحولت محافظة إدلب، التي تسيطر عليها فصائل المعارضة، إلى منفى إجباري للمهجرين من تلك المناطق، واستقبلت، حتى الآن، نحو عشرة آلاف شخص، بين عسكري ومدني.

وبينما ينتظر أن يصلها المزيد مع تواصل سياسة التهجير التي يتبعها النظام خصوصاً في ظل التطورات الميدانية في حلب، ترتفع الأصوات المحذرة من أن المدينة باتت عاجزة عن استقبال المزيد من المهجرين في ظل تآكل بنيتها التحتية بسبب القصف المستمر لقوات النظام والطائرات الروسية للمستشفيات والمدارس والمنشآت الحيوية. وهو ما أشار إليه بوضوح  البيان الذي أصدرته مجالس وقرى وفاعليات المجتمع المدني في إدلب.
وتعرضت محافظة إدلب خلال الأسبوع الحالي إلى واحدة من أعنف حملات القصف من قبل النظام السوري وروسيا ليتجاوز عدد الغارات التي استهدفت المحافظة يوم الثلاثاء الماضي الثلاثين غارة، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والمصابين. وفي السياق وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ارتكاب النظام السوري ست مجازر في محافظة إدلب في حين ارتكبت روسيا خمس مجازر، خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وتهدد هذه الحملة التي تستهدف المحافظة آخر الملاذات الآمنة للمهجرين الذين استقروا فيها تباعاً.
وكانت آخر دفعات من المهجرين وصلت أخيراً من التل وخان الشيح في ريف دمشق، إذ وصل نحو 2900 من بلدة خان الشيح و2750 من مدينة التل، وقبلهما استقبلت مهجرين من قدسيا والهامة والزبداني ومضايا وحمص والمعضمية وداريا. ويتوقع ناشطون أن تشمل هذه السياسة بقية مناطق سيطرة المعارضة في دمشق والغوطة الشرقية، وبلدات يلدا وببيلا ومخيمي اليرموك وفلسطين جنوباً، وذلك في إطار اتفاقات “مصالحة” تعقب سنوات من الحصار لتلك المناطق مع قصفها ومحاولات اقتحامها بشكل مستمر، ما يجبر المقاتلين في النهاية على القبول بهذه الاتفاقات، التي تقضي بترحيل من يرفض “تسوية” وضعه مع النظام، مع أفراد عائلته. وتسوية الوضع تعني التحاق المطلوبين للخدمة العسكرية بالجيش النظامي، وكذلك المنشقين عن هذا الجيش، وكل ذلك مقابل فك الحصار عن هذه المناطق، والسماح بإدخال المساعدات الغذائية، فضلاً عن عودة مؤسسات النظام للعمل فيها، مع “تعهدات” بعدم اقتحامها، واعتقال المطلوبين فيها، وهي تعهدات قلما يلتزم النظام بها.

وحظيت الدفعة الأولى من المهجرين إلى إدلب باستقبال حافل في المحافظة، تعبيراً عن التقدير الكبير لصمودهم في وجه قوات النظام لمدة أربع سنوات برغم الحصار والقصف ومحاولات الاقتحام بشكل شبه يومي. ووصل إلى إدلب نحو 4500 شخص من مدينة داريا، منهم 3000 مدني، فيما تولت جهات ومنظمات إنسانية عدة مسؤولية استقبالهم وتأمين احتياجاتهم من سكن وطعام وخدمات أخرى، وفي مقدمها هيئة الإغاثة التابعة للإدارة المدنية لـ”جيش الفتح”. وتم استقبال العوائل وتوزيعها على مجمل مناطق محافظة إدلب، بالتنسيق مع إدارات المناطق في المحافظة. كما تولى “جيش الإسلام”، الموجود في منطقة بابسقا، في الشمال السوري، استقبال عشرات العائلات، في حين انتشرت دعوات بين الأهالي لخفض إيجارات البيوت قدر المستطاع، والاستغناء عنها إن أمكن.

ويؤكد المجلس المحلي السابق لمدينة داريا، الذي حل نفسه أخيراً، أنه تم تأمين سكن لجميع الأسر التي خرجت من داريا بفضل جهود عدد من المنظمات الإنسانية والمبادرات الفردية، وبالتنسيق مع “غرفة طوارئ داريا” التي تم تأسيسها من قبل المجلس المحلي وأهالي المدينة قبل تطبيق الاتفاق، وإعلانها كجهة مفوضة ووحيدة لتنسيق الجهود الإغاثية والإنسانية لاستقبال وتأمين أهالي داريا. واليوم، تتولى لجنة منتخبة من الأهالي المهجرين، الإشراف على شؤونهم في إدلب خلفاً للجنة “الطوارئ”، التي شكلها المجلس المحلي قبل خروج الأهالي من داريا. وأحصت اللجنة ما يقارب 450 عائلة، موزعة على عدة قرى في ريف إدلب. غير أن الاستقبال المميز لأهالي داريا ومقاتليها لم تحظ به الدفعات التالية من المهجرين من ريف دمشق، برغم استقبالهم بشكل جيد من جانب الأهالي. وعبّر عن ذلك الناشط عبد المنعم زين الدين، في تغريدة له على “تويتر”، بقوله “داريا حالة استثنائية تمنينا ألا تتكرر، لا مرحباً بأي فصيل يلقي سلاحه حول دمشق”. ووفق مصادر محلية في مدينة إدلب، فإنه تم في البداية استقبال بعض الدفعات الأخيرة من الواصلين إلى المحافظة، في مسجد الرحمن، قبل أن يتم توزيعهم على منازل متفرقة في أحياء المدينة، ومنهم من خرج واستأجر منزلاً بمفرده، كما يوجد عشرات الشبان في مراكز الإيواء في المدينة التي تضم أيضاً عائلات من خان الشيح. وتوزعت أعداد أخرى من الواصلين على مراكز إيواء في بلدة زردنا، وفي بلدة ترمانين في ريف إدلب الشمالي، وتلقوا مساعدات أولية من أغطية ومواد غذائية، من جمعيات محلية، من دون وصول أي دعم من جهات دولية.

ويقول الناشط الإعلامي، محمد الضاهر، الذي رافق بعض العائلات الواصلة إلى إدلب، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن هناك ضغطاً كبيراً على المنظمات الخيرية، ما تسبب بحدوث بعض التقصير بالنسبة إلى توفير السكن والخدمات للواصلين الجدد. وأشار إلى ضعف التنسيق بين المنظمات حول كيفية التعامل مع المهجرين، وإن كانت مديرية الإغاثة العامة في إدلب بدأت تتولى هذا التنسيق، مشيراً إلى أن مجمل مراكز الإيواء باتت تستقبل النازحين الجدد حصراً، ولفترة مؤقتة ريثما يبحثون عن المكان المناسب لهم. وأوضح أن الهلال الأحمر ومنظمات إنسانية عدة، مثل “بنفسج” و”هيئة الفتح”، تنقل جزءاً من الواصلين إلى مخيمات مجهزة، ومن يرغب منهم في العيش في المدن يتم تأمين منزل له ودفع الإيجار، مشيراً إلى أن الدفعة التي وصلت من مدينة التل اختار أهلها الذهاب إلى مدينة أريحا، وتم تأمين استئجار منازل على نفقة بعض المنظمات الإنسانية.
وكبادرة تجاه المهجرين الجدد، قامت بعض الهيئات المحلية ببناء أكثر من 150 منزلاً طينياً في بلدة معرة مصرين لتوزيعها عليهم. ولجأ الأهالي إلى هذه البيوت بهدف خفض الكلفة، والاستفادة من ميزات الطين في توفير البرودة والحرارة حسب ما يتطلّب الظرف، صيفاً أو شتاء. كما قامت جمعية “الوفاء” ببناء مجمع سكني مؤلف من سبعة أبنية ذات ثلاثة طوابق، وكل طابق مؤلف من ثماني شقق، مع إنشاء عدة محال تجارية للراغبين في العمل. غير أن هذا المجمع، الذي قدر له أن يأوي 328 عائلة، تعرض لقصف جوي أسفر عن تدمير بعض مبانيه، ومقتل ثلاثة مدنيين، بينهم طفل، وسقوط عدد كبير من الجرحى.

ولم ينخرط معظم العسكريين المهجرين في أية أنشطة عسكرية، وما زالوا يتبعون للفصائل التي كانوا معها قبل تهجيرهم، باستثناء أحد الفصائل المهجرة من داريا، وهو لواء “المقداد بن عمرو”، الذي شارك في معركة حلب وفي معارك ريف حماة، وذلك بالتنسيق مع “جيش الفتح” في إدلب. وقبل حوالي شهر ونصف الشهر، توفي قائد عمليات “لواء شهداء الإسلام” العامل في مدينة داريا، أبو جعفر الحمصي، غرقاً في نبعة عين الزرقاء في ريف إدلب الغربي، من دون معرفة ملابسات الحادث حتى الآن. ويعتبر الحمصي أحد أبرز القادة العسكريين التابعين للمعارضة السورية في ريف دمشق، والذي تسلم قيادة “لواء شهداء الإسلام” بداية تشكيله في داريا مطلع 2013. وتعول مصادر النظام السوري، كما عبّر عن ذلك وزير “المصالحة” في النظام، علي حيدر، على أن يختار من هُجّر، خصوصاً العسكريين، الخروج إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا، وهو ما قام به بعضهم. وبشكل عام، تأوي محافظة إدلب أكثر من 375 ألف نازح من حلب، وأرياف دمشق، واللاذقية، وحماة، وحمص، ضمن ما يقارب 300 مخيم، موزَّعين على الشريط الحدودي مع تركيا، وداخل المحافظة، حيث يعيش سكان المخيمات أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل ضعف الخدمات والرعاية الصحية.

عدنان علي

صحيفة العربي الجديد

Print Friendly, PDF & Email