مفاوضات طالبان وواشنطن بالدوحة.. هل خارت القوى؟

مفاوضات طالبان وواشنطن بالدوحة.. هل خارت القوى؟

قال وزير المالية السابق في حركة طالبان معتصم خان قبل أيام إن محادثات تجري في دولة قطر بين الحركة ومسؤولين أميركيين على أدنى مستوى، مؤكدا أن الحوار سيتواصل بشكل تدريجي حتى التوصل إلى اتفاق.

وأضاف خان أن مطالب الحركة من الولايات المتحدة لتحقيق السلام تتضمن إنهاء غزو أفغانستان، والاعتراف بالحركة، وحذف أسماء قادتها من قائمة عقوبات الأمم المتحدة.

وتحظى المفاوضات المباشرة التي انطلقت في الدوحة مؤخرا بشكل مباشر بين حركة طالبان الأفغانية والولايات المتحدة، باهتمام سياسي وإعلامي واضح، كونها الجولة الأولى المباشرة بين الطرفين، وتأتي في سياق محلي وإقليمي مختلف.

وفي غياب معلومات وافية عن بنود المبادرة القطرية لاستضافة المفاوضات، يبقى التساؤل مشروعا حول دوافع وتطلعات الطرفين من دخول هذه الجولة، في ظل غياب ولو مؤقت لحكومة كابل، الطرف الثالث المباشر في الأزمة الأفغانية.

وبحسب نيويورك تايمز، فإن مفاوضات الدوحة حضرها قياديان في حركة طالبان، ويترأس الوفد الأميركي أليس ويلز الدبلوماسية الرفيعة في قسم جنوب آسيا في الخارجية الأميركية، إلى جانب مسؤول آخر لم تُكشف هويته.

وأليس مولودة في بيروت عام 1963، وعملت سفيرة لبلادها لدى الأردن، وهو ما يعكس جدية أميركية في هذه المفاوضات.

وتبدو كابل مستعدة ومباركة لهذه المفاوضات، بعد أن أفشلت عام 2015 محاولة لعقد مفاوضات في الدوحة بين الحركة والولايات المتحدة. لكن هذه المرة عبّر “دوراني وزيري” الناطق باسم الرئيس الأفغاني أشرف غني عن “ترحيب كابل بأي جهد أو دعم يسهل عملية إحلال السلام في أفغانستان”. والموقف المرحب ذاته عبّر عنه عطاء الرحمن سليم نائب رئيس المجلس الأعلى للمصالحة في أفغانستان.

حرب منهكة
الحرب الأميركية في أفغانستان التي اندلعت عام 2001 وأسقطت بها القوات الأميركية نظام حكم طالبان، لم تهدأ أو تنقطع طوال 17 عاما أنهكت الطرفين وكلفتهما الكثير بشريا وماديا.

ويعتقد الأكاديمي الأفغاني المتخصص في الشئون الأفغانية مصباح الله عبد الباقي أن طالبان -التي تسيطر على الجنوب الأفغاني وتعد ولاية هلمند معقلها الرئيس أو تيار داخلها- يجد في المبادرة القطرية فرصة لإنهاء الحرب التي لا يبدو لها نهاية في الأفق.

ويعتقد عبد الباقي في حديثه للجزيرة نت أن التيار الطالباني الذي يشارك في مفاوضات الدوحة تحت قيادة ملا طيب آغا، يريد بالفعل التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة ينهي الحرب، وهو المسار الذي بدأه ملا منصور قبل أن تغتاله أميركا في باكستان عام 2016، ولا يزال يسير عليه ملا يعقوب نجل ملا عمر مؤسس حركة طالبان، وإن كان عبد الباقي يرى أن “ثقل ملا يعقوب وملا طيب آغا ليس كبيرا داخل صفوف الحركة”.

ويقول عبد الباقي إن المتحكم في مسار حركة طالبان هو ملا سراج الدين حقاني نجل القائد الشهير جلال الدين حقاني والمسؤول عما يعرف في الإعلام بـ”شبكة حقاني” التي تصنفها واشنطن منظمة إرهابية، وتعتقد أنها قريبة من تنظيم القاعدة. وهذا التيار يرفض التفاوض مع الولايات المتحدة باعتبارها احتلالا أجنبيا.

وفي المقابل، يرى الكاتب الأميركي فريد زكريا أن الولايات المتحدة تريد الخروج من المأزق الأفغاني الذي طال كثيرا، فهي “أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها خارج حدودها، لكن الحكومات المتعاقبة تجد صعوبة بالغة في الخروج من أفغانستان وإعلان الانتصار، فيما طالبان فاعلة ومسيطرة على الأرض”.

كما أن خروج أميركا من أفغانستان دون تسوية سياسية للصراع في البلاد، سيخلق فراغا تتأهب دول عدة لشغله، مثل باكستان والهند وإيران وروسيا والصين.

لذلك يعتقد زكريا في مقال له بصحيفة واشنطن بوست أن إدارة ترامب اقتنعت بما ورد في دراسة “لمعهد راند لأبحاث الدفاع” بشأن سبل تحقيق السلام في أفغانستان، من أن “التاريخ يعلمنا أن أفضل طريقة لإنهاء أي تمرد هو إدخال المتمردين في نظام سياسي جديد”.

وكانت الولايات المتحدة قد أسقطت قبيل المفاوضات شرطا يقضي بإشراك حكومة كابل فيها، وهو ما كانت ترفضه طالبان، باعتبار أن مشكلتها مع المحتل الأجنبي بالدرجة الأولى وليست مع الحكومة المحلية.

علما بأن من بين 407 مديريات في أفغانستان، تسيطر الحكومة على 229 مديرية بشكل مباشر أو لها نفوذ قوي فيها، في مقابل 59 مديرية تخضع لطالبان خصوصا في جنوب أفغانستان، بينما يتصارع الطرفان للسيطرة على 119 مديرية باقية، وذلك حسب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان.

ولا يبدو أن تجربة اختباء القوات الأميركية في قواعد عسكرية بالمناطق الريفية والنائية وفّر لها الحماية من هجمات طالبان، إذ تنقل صحيفة نيويورك تايمز عن الرقيب إيفان ماك أليستر -الذي خدم في إقليم هلمند بين عامي 2008 و2011- “أن انتشار القوات الأميركية والجيش الأفغاني في المناطق الريفية والنائية لم يحقق أي نتيجة سوى المزيد من القتلى والمعاقين بين الجنود”.

وتتحمل الولايات المتحدة خسائر كبيرة في قدراتها البشرية والمادية على مدى 17 عاما من الحرب في أفغانستان. ويذكر زكريا أن الولايات المتحدة تنفق في أفغانستان 45 مليار دولار سنويا على الأمن والتنمية، وهو ما يماثل ضعفي قيمة الناتج المحلي الأفغاني السنوي.

حماس أميركي
وجاءت الخطوة الأميركية بعد زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو القصيرة لكابل، وحديثه عن مفاوضات غير مشروطة مع طالبان، وقضاء الدبلوماسية الرفيعة في الخارجية الأميركية -المسؤولة عن ملف جنوب آسيا- أليس ويلز عدة أيام في لقاءات مع شخصيات مهمة في أفغانستان وباكستان.

وأكد المسؤولان الأميركيان -بحسب نيويورك تايمز- أن المباحثات الأميركية مع طالبان ليست بديلا عن مفاوضات طالبان مع الحكومة الأفغانية، وقالت ويلز إن الشيء الوحيد الذي لن تقبل به واشنطن هو إبعاد الحكومة نهائيا عن المفاوضات، وما عدا ذلك فكل شيء مطروح على طاولة التفاوض.

وترى ويلز أن مفاوضات بون في ألمانيا عام 2001 التي أسست التحالف الحاكم لما بعد سقوط نظام طالبان، تصلح أن تكون مثالا للمفاوضات التي انطلقت مع طالبان في الدوحة، فالأفغان سيتفاوضون مباشرة لاحقا بمشاركة أميركية وباكستانية جوهرية في المفاوضات.

ويبدي الرئيس الأفغاني أشرف غني حماسا واضحا للتفاوض مع طالبان وإنهاء الحرب، فقرابة نصف الشعب الأفغاني -34 مليون- من الشباب الذين لم يعيشوا يوما واحد في حياتهم دون حرب، فعلى مدى 39 عاما بات السلام والاستقرار حلما يراود الشعب الأفغاني، بحسب غني.

وقال غني في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز “أبدي استعدادي للجلوس مع مولوي هبة الله أخندزادة القيادي في حركة طالبان في أي مكان يحدده”.

نجاح ولو جزئي
ما يبديه طرفا المفاوضات المباشرين، والدعم الكامل من حكومة كابل، يوحيان بإمكانية النجاح في جر ولو جزء من حركة طالبان إلى نظام سياسي جديد في كابل، خصوصا بعدما قادت مساع طويلة إلى ضم الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار إلى هذا النظام؛ وإن كان عبد الباقي يرى أن عودة حكمتيار إلى كابل “لا تعد نجاحا لأشرف غني، وإنما لاعتبارات إقليمية ودولية سهلت هذه العودة”.
ويستبعد أن يكون لفوز عمران خان برئاسة الحكومة الباكستانية أية انعكاسات على وضع حركة طالبان والملف الأفغاني في الخارجية الباكستانية، لأن “القضية الأفغانية من اختصاص الاستخبارات العسكرية الباكستانية وليست شأنا سياسيا صرفا”.

وينقل الباحث الأفغاني عن مصدر مطلع أن مسؤولا كبيرا في الحكومة أكد في مجالس خاصة استعداد فريق طالبان المفاوض قبول بقاء القوات الأميركية بواحدة من طريقتين: إما الإبقاء على قوات داخل مبنى السفارة الأميركية في كابل بحدود عشرة آلاف جندي، أو أن تخرج القوات الآن ويمكن -بعد أن تنضم حركة طالبان للحكومة- أن تعود القوات الأميركية إلى أفغانستان وفق اتفاقية وليس كاحتلال أجنبي.

ولا يرى عبد الباقي صحة ما يتردد عن سعي الرئيس الأفغاني لتشكيل جبهة بشتونية قوية، تضم إلى جانب حكومته الحزب الإسلامي وحركة طالبان أو جزء منها -التي تغلب عليها العرقية البشتونية- في مواجهة تحالف المعارضة الذي يتشكل في الشمال ويضم الأوزبك بقيادة عبد الرشيد دوستم -نائب الرئيس الأفغاني- والقائد الطاجيكي عطا محمد نور، وقيادات من الهزارة (شيعة) خصوصا بعد عودة دوستم (63 عاما) إلى أفغانستان بعد عام ونصف في تركيا.

ورغم أن محادثات الدوحة لم توضع لها أية مواعيد أو جدول زمني، فإن انطلاقها بهذه السرعة يشير إلى استعجال واشنطن كسر حالة الجمود في التسوية السياسية بأفغانستان.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية

Print Friendly, PDF & Email