إعادة إعمار سوريا: الحلقة القادمة من الحرب

إعادة إعمار سوريا: الحلقة القادمة من الحرب

سعت روسيا إلى إغراء الأوروبيين بحل ملف اللاجئين مقابل دخولهم في مشاريع إعادة الإعمار، وكذلك سعت إلى إعادة التطبيع العربي مع النظام، للحصول على تمويل خليجي. لكن كل ذلك قوبل بتشدد أميركي، وسعي الكونغرس إلى فرض قانوني “قيصر” و”محاسبة الأسد”، لمعاقبة النظام السوري ومن يموّله. وبالتالي هناك ضغوط على روسيا لقبول حل سياسي يُبعد الأسد والمُدانين من أركان حكمه، بدلا من إضاعة الوقت في تشكيل اللجنة الدستورية.

الدول المانحة لن تمضِي بعملية إعادة الإعمار منفردة، وتحتاج إلى اتفاق دولي برعاية أممية؛ ووثيقة الاتحاد الأوروبي في 2016 اشترطت الحل السياسي للبدء في إعادة الإعمار. وبالتالي لا اعتراف، دوليا أو إقليميا أو عربيا، بسلطة النظام المركزية، بل هو وميليشياته من بين قوى الأمر الواقع على جزء من سوريا المقسمة إلى ثلاث مناطق نفوذ، روسية وأميركية وتركية.

يسيطر النظام وحلفاؤه على 60 بالمئة من مساحة سوريا، بعد أن استعاد مناطق واسعة من معارضيه عبر خطط المصالحة الروسية. لكنّ هذه المناطق هي الأكثر دمارا والأقل غنى بالموارد، مقارنة بمناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شرقي الفرات. وتبلغ هذه المناطق 30 بالمئة، لكنّها تضمّ 90 بالمئة من النفط السوري، و45 بالمئة من الغاز، إضافة إلى 60 بالمئة من الأراضي الزراعية. بينما تسيطر المعارضة المرتبطة بتركيا على 10 بالمئة من مساحة البلاد.

عجز على التمويل
توزيع الأراضي السورية

حسب تقرير للبنك الدولي صادر في 2017، قُتل أكثر من 400 ألف سوري، وأكثر من نصف السكان فقدوا منازلهم، حيث ثلث المنازل مدمرة كليا أو جزئيا، ونصف المرافق الصحية والتعليمية مدمرة، وفقدان ما يقارب 538 ألف وظيفة خلال السنوات الأربع الأولى للصراع، ونسبة البطالة بين الشباب في حدود 78 بالمئة، وتدمير رأس المال المادي من أبنية وطرقات واقتصاد، وكذلك رأس المال البشري، وخسارة الناتج المحلي بلغت 223 مليار دولار؛ وإجمالي الخسائر يقدر بـ350 مليار دولار.

بالتأكيد ليس بمقدور حليفي النظام، روسيا وإيران، تمويل مشاريع إعادة الإعمار، بسبب وضع البلدين الاقتصادي المنهك، واستمرار العقوبات الأميركية على إيران، وعلى روسيا بعد إدانتها في ملف الانتخابات الأميركية. والمشاريع التي عقدها الطرفان مع النظام متوقفة، بانتظار التمويل، فضلا عن مشكلة التنافس بينهما على الاستثمارات؛ فقد جمّدت روسيا في 2017 اتفاقيات اقتصادية بين دمشق وطهران تتعلق بالفوسفات والمشغل الثالث للهاتف المحمول وميناء نفطي، فيما تقوم بالاستثمار المحدود في العقارات. وروسيا تسيطر على مصانع الدقيق وشبكة المياه ونبع الفيجة وغيرها من المشاريع المحدودة.

لم تجد روسيا جدوى من إنشاء مصرف روسي- سوري، لتسهيل المعاملات التجارية بين البلدين بالعملات الوطنية، لأن التنوع السلعي التجاري في الاقتصادين الروسي والسوري محدود قياسا بالاقتصادات النظيرة النشطة في المنطقة.

بالتالي مثل هذا المصرف سيكون متخصصا بالتحويلات الضخمة المتعلقة بالإنشاءات الكبرى لمشاريع البنى التحتية الأساسية والثروات الطبيعية، لذلك تتطلع روسيا إلى سيطرة النظام على كل سوريا من خلال حكم مركزي، أي إدارة مجمل عملية إعادة الإعمار، عبر السيطرة على قراراته، وقدرته على سن القوانين الاقتصادية التي تتناسب مع مصالحها؛ حيث يخدمها قانون الإدارة المحلية الذي يجعل الصرف بيد الحكومة المركزية للنظام.

الصين التي تدعم النظام في مجلس الأمن بالفيتو المزدوج إلى جانب الروس، لا تبدو مهتمّة بملف إعادة الإعمار؛ فتركيزها اليوم هو على إعادة إنشاء طريق الحرير وعلى الاستثمارات في أفريقيا؛ وسوريا لا تشكل سوقا كبيرا بالنسبة لها، وليس لها تجارب في إعادة الإعمار، وليس لها أطماع بالنفوذ السياسي في سوريا، وبالتالي هي تستثمر ولا تموّل، ولا يُتوقع منها تقديم الكثير. في حين أن مجموعة التجارة العربية الصينية المنعقدة في الصين في أبريل 2017، تحدثت عن 2 مليار دولار لإعادة الإعمار، مخصصة لإنشاء “الحدائق الصناعية”.

روسيا والنظام يراهنان على الأموال التي ستقدمها الدول المشاركة في عملية إعادة الإعمار، الخليجية والأوروبية؛ لكن العملية متوقفة بسبب العقوبات الأميركية؛ ومن الصعب الالتفاف على العقوبات عبر لبنان، فلن تغامر المصارف اللبنانية بتوفير أشكال بديلة لتسهيل الحوالات المالية للنظام، إن تمكن الروس من إقناع الدول المانحة بتقديمها، بسبب وجود رقابة أميركية داخل مصرف لبنان المركزي لمراقبة تطبيق العقوبات.

وفي كل الأحوال الأموال التي ستقدم لإعادة الإعمار كقروض أو منح ستكون “واجبة السداد”، أي هي ديون على الدولة، وليست هبات، وفق ما تقول تجارب مماثلة كالعراق وغيرها، وتحتاج إلى حكم مركزي يمثل الدولة، ليضمن للدول المانحة سدادها، ولا يمكن أن تقدَّم إلى قوى الأمر الواقع في مناطق النفوذ الدولية الثلاث، إلا بشكل محدود وإسعافي. وهنا فإن مناطق النظام، ذات الدمار الهائل، هي الخاسر الأكبر، بالنظر إلى تقديم السعودية هبة بمئة مليون دولار لمناطق شرقي الفرات، إضافة إلى قيام تركيا ببعض مشاريع البنى التحتية والتعليم والصحة في مناطق نفوذها في جرابلس والباب وعفرين.

المقاربة العراقية
النظام السوري غير قادر على الحكم دون رفع العقوبات ودون أموال إعادة الاعمار
النظام السوري غير قادر على الحكم دون رفع العقوبات ودون أموال إعادة الاعمار
لفهم ماهية إعادة الإعمار في سوريا، إذا ما تم البدء بها بعد إقرار الحل السياسي وإزالة العقوبات، لا بد من العودة إلى المقاربة العراقية. قبل كلّ شيء الحكومة الانتقالية التي عُيِّنت بعد الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، كانت مهمتها الوحيدة المصادقة وتشريع القوانين التي سنها بول بريمر، رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة في 19 أيلول 2003.

تتعلق هذه القوانين بخصخصة المشاريع العراقية الهامة، وإعطاء الشركات الأجنبية حقوق الملكية لمشاريعها، والمساواة الكاملة في التعامل بين الشركات الأجنبية والوطنية، وإزالة كل العوائق أمام حرية التجارة، فيما يُستثنى من ذلك قطاع النفط لأهميته كمنتج للدخل القومي القادر على دفع التكاليف الأخرى، وما لحق هذه القوانين من تحديد حقوق الانضمام إلى النقابات العمالية، وفرض نظام ضريبي تنازلي وإجراءات تقشف.

وبدأ النظام السوري بهذه الإجراءات بشكل تدريجي منذ سنة 2005، وتكثّفت مثل هذه القوانين بعد السيطرة الإيرانية ثم الروسية. وبالتالي سيكون هناك تشريع لآلية الاستثمارات والنهب المرافق لها.

وخلاصة القول إن سوريا بلدٌ محتل، وحتى لو تم الاتفاق على حل سياسي، فلن يكون هناك حكم ديمقراطي يمثل الشعب، ويقود عملية إعادة الإعمار باتجاه بناء اقتصاد وطني، وتوفير فرص عمل مستدامة؛ بل سيكون حكما يمثّل مصالح الاحتلالات، وستعطى أولوية المشاريع لما هو ريعي ويحقق الربح السريع للمستثمرين. وقد وضع النظام مخططات لمشاريع في قلب العاصمة دمشق “ماروتا سيتي”، و”زيتون سيتي” وغيرها، ما يعني أن بناء المنازل المدمرة في المدن والأرياف البعيدة سيكون في آخر أجندة إعادة الإعمار.

تفتقد سوريا إلى اليد العاملة اللازمة لإعادة الإعمار، وهنا تبدو عودة اللاجئين ضرورية لتأمين اليد العاملة المحلية والرخيصة. بالتالي فإن البدء ببعض المشاريع سيشغل اليد العاملة بشكل محدود، وقد يؤدي إلى انتعاش اقتصادي، لكنه محدود ولفترة قصيرة. حيث سيصطدم الشعب السوري بأنه ملزم بسداد الديون من قوته، عبر الضرائب، ما سيحرمه من العديد من الخدمات، وهو ما تقول به تجارب دول الجوار.

عادة ما يتفشى الفساد ضمن الحكومات الضعيفة (كما العراق ولبنان والنظام الحالي…)، خاصة في ظل الاحتلالات، هذا ما يقلل التوقعات بالحصول على تمويل معقول، حيث يعتقد محللون بأنه لن يتجاوز بضعة مليارات الدولارات في العام الواحد، خاصة أنه لا موارد كافية لسداد الفاتورة مع الوضع المعيشي المتردي للسكان في الداخل.

العرب

Print Friendly, PDF & Email