مع انتظار “بريكست”… الجنيه الإسترليني تحت الضغوط

مع انتظار “بريكست”… الجنيه الإسترليني تحت الضغوط

تترقب الأوساط الاقتصادية ما يحمله قرار بريطانيا الخروج بدون اتفاق من الاتحاد الأوروبي، وهل سيحمل نتائج إيجابية على الصعيد المحلي أم ستتعرض الأسواق لضغوط مالية جديدة؟ خبراء ومحللون يرون أن هبوط الجنيه الإسترليني تضمن عودة النشاط لعدد من الصادرات وارتفاع محدود في الطلب على العقارات رغم تعثر هذا القطاع، إلا أن هذه المؤشرات لا تكفي مع خسارة الشركات، وتراجع أدائها بسبب الغموض الذي يلف بريكست.

وهبط الإسترليني إلى أدنى مستوى خلال 10 أعوام أمام اليورو قبل أن يسترد بعض خسائره وسط الاضطرابات في منطقة اليورو خلال اليومين الماضيين، وجاء ذلك بعد الإعلان عن انكماش الاقتصاد البريطاني في الربع الثاني من 2019، ووسط تزايد المخاوف بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق ليصل الجنيه الإسترليني إلى مستوى 1.0724 يورو، وهو أدنى مستوى له مقابل اليورو منذ الأزمة المالية العالمية. وخلال تعاملات الثلاثاء، استقر الجنيه الإسترليني عند 1.2056 دولار ولم يطرأ عليه تغير يذكر مقابل اليورو حيث جرى تداوله مقابل 92.73 بنس.

ويتعرض الجنيه الإسترليني للضغط هبوطا، وفقد ما يقرب من 20% من قيمته منذ استفتاء البريكست في 2016 حتى الآن، إذ كان سعره وقتها 1.50 دولار.

وبطبيعة الحال، لا يزال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة مؤثراً حتى الآن على الجنيه الإسترليني مقابل معظم العملات. وتشير إلى أن الجنيه البريطاني هو واحد من أضعف العملات الرئيسية والآن أصبح الدولار أقوى، بحسب المحللين.

وواجه الجنيه انخفاضاً بشكل كبير منذ أن صوّت البريطانيون لمغادرة الاتحاد الأوروبي في عام 2016، كما تسببت المخاوف من مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي دون اتفاق لحماية التجارة، في دفع الجنيه إلى أدنى مستويات أمام الدولار الأميركي، لم يشهد مثلها منذ مارس (آذار) من عام 2017.

وبعد تداول كان قد اقترب من 1.49 دولار قبل الاستفتاء، انخفض سعر الجنيه إلى 1.20 دولار بحلول يناير (كانون الثاني) من عام 2017، على خلفية مخاوف من قيام رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي بإخراج بريطانيا من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي.

ويعتقد المحللون، أن الجنيه الإسترليني قد يبلغ هذه المستويات مرة أخرى، بينما يواصل جونسون الضغط على مسؤولي الاتحاد الأوروبي لإعادة التفاوض بشأن صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي اتفقت عليها خليفته تيريزا ماي، إلّا أن البرلمان البريطاني رفضها.

وقد يتعادل الإسترليني مع الدولار بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفقاً للمحللين، الذين يتوقعون أن العملة البريطانية ستنخفض باستمرار من الآن وحتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

تأثير إيجابي على اقتصاد بريطانيا

وفي هذا الصدد، يقول نادر حدّاد، المستشار المصرفي الدولي في لوكسمبورغ، “يستطيع أن يكون هبوط الجنيه له تأثير إيجابي اقتصاديا على المدى الطويل من ناحية فتح آفاق استثمارية جديدة خارج غطاء الاتحاد الأوروبي، وهذا ما ستعمل عليه الحكومة البريطانية لجلب مستثمرين أجانب يثقون في الاقتصاد البريطاني ولهم حافز تراجع العملة وفقدانها لجزء كبير من قيمتها”.

وقال حدد “إن أسباب نزول الجنيه الإسترليني لأدنى مستوى له منذ عشرة أعوام يرجع إلى مخاطر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وهذا ما يجعل المخاوف في السوق تتفاقم لا سيما بعد تصريحات رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون الذي أعلن الخروج من المملكة المتحدة حتى وإن كلّف ذلك خسائر اقتصادية كبرى، فضلا عن إمكانية خسارة لندن مكانتها في العالم كقطب مالي ومجمع لأهم البنوك وصناديق الاستثمار العالمية”.

وتوقع حداد “أن يستمر هبوط الجنيه الاسترليني مقابل اليورو نظرا لتزايد عمليات بيع الجنيه بقاعات التداول من حيث العرض والطلب، وسيقل الطلب على الإسترليني وسط انخفاض المبادلات التجارية بين السوق الأوروبية الموحدة وبريطانيا مع الاتجاه لفرض رسوم على السلع المصدرة من وإلى بريطانيا”.

وحول القطاع العقاري في لندن يرى حداد “أنه يواجه العديد من التحديات أولها أن خروج بريطانيا من المملكة المتحدة سيجعل الكثير من المستثمرين في القطاع العقاري يترددون لكثرة العرض ونقص الطلب الذي سيترجم بارتفاع البطالة وانتقال العديد من الأنشطة البنكية إلى داخل الاتحاد الأوروبي”.

بريكست.jpg
الجنيه الإسترليني فقد 20% من قيمته منذ استفتاء بريكست في 2016 (رويترز)

خسائر الإسترليني

وخسر الجنيه الإسترليني نحو 7٪ خلال الثلاثة أشهر الماضية، وفقد 4٪ مقابل الدولار الأميركي في شهر يوليو (تموز) 2019. الهبوط الشهري الأكبر للعملة البريطانية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وتراجع إلى 1.2090 بعد تصريحات بوريس جونسون وتصريحات ميشيل غوف المكلَّف بملف البريكست، الذي قال إن “الإدارة البريطانيَّة تعمل على التحضير للخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق في أكتوبر (تشرين الأول) 2019”.

الجنيه الإسترليني كان يتداول فوق مستوى 1.31 قبل شهرين من تولي جونسون رئاسة الوزراء، وكان يتداول عند مستوى 1.25 قبل أسبوعين من فوز جونسون في سباقه نحو رئاسة الوزراء. خلال الأسبوع الأخير من شهر يوليو (تموز) 2019 الجنيه الإسترليني تراجع للأسبوع الـ13 على التوالي مقابل اليورو.

وفي أحدث استطلاع لتوقعات البنوك أجرته وكالة بلومبيرغ، “فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق ارتفعت نسبته إلى 30٪ في أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام، وارتفع هذا الاحتمال بثلاثة أضعاف مقارنة باستطلاع شهر فبراير (شباط) 2019، ويتوقع أن يخسر الجنيه الاسترليني 9٪، وتراجع إلى 1.10 مقابل الدولار الأميركي”.

ميزة تنافسية للصادرات

وبالنسبة للجوانب الإيجابية لانخفاض الجنيه الإسترليني بعيدا عن الانهيار، قال أحمد معطي، المحلل الاقتصادي والمدير التنفيذي لشركة “في آي ماركتس”، “إنه سيعطي ميزة تنافسية كبرى للصادرات البريطانية في ظل المنافسة الكبرى مع المنتجات الصينية التي تقوم بحرب عملات هذه الفترة من خلال خفض قيمة عملتها لتشجيع صادراتها”.

ويرى المحلل الاقتصادي “أن انخفاض الإسترليني سيشجع المستثمرين للشراء في العقارات مع انخفاض قيمتها مقارنة بالعملات الأخرى وفي ظل حالة كبيرة من التوترات من كل الجوانب بخروج إنجلترا من الاتحاد الأوروبي وأيضا بحرب تجارية عالمية وتوترات حربية مع إيران، وقد يجعل المستثمرين يبحثون عن أسواق أخرى أكثر أماناً لحين انتهاء هذه الأزمات”.

وذكر معطي “أن هبوط الإسترليني يرجع لعدة أسباب أهمها فوز بوريس جونسون برئاسة وزراء بريطانيا الذي يعرف عنه أنه حاد الأسلوب ورغبته القوية في الخروج من الاتحاد الأوروبي في موعده المحدد حتى بدون اتفاق، وأدى ذلك بالفعل إلى هبوط العملة مع تراجع كبير متوقع بالاقتصاد البريطاني”.

تباطؤ النمو الاقتصادي للمرة الأولى منذ 2012

وانكمش اقتصاد بريطانيا بشكل مفاجئ بنسبة 0.2% خلال الربع الثاني من العام، في أول تقلّص له منذ الربع الأخير من 2012 حين سجّل إجمالي الناتج المحلي تراجعاً مماثلاً. ولم يتراجع إجمالي الناتج المحلي أكثر من هذا المعدّل سوى في أوائل العام 2009 حين مرّ الاقتصاد بفترة من الركود بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، حسب البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الوطني في بريطانيا.

وأوضح “مكتب الإحصاء الوطني” البريطاني “أن تراجع الإنتاج الصناعي يقف وراء الانكماش الاقتصادي”. وأرجع المكتب التدهور جزئياً إلى “تراجع إنتاج السيارات مع تقديم موعد إقفال المصانع السنوي في الصيف لدواعي الصيانة إلى أبريل (نيسان) استباقاً للموعد النهائي لتنفيذ بريكست”.

وتباطأ اقتصاد بريطانيا منذ التصويت بالموافقة في يونيو (حزيران) 2016 على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، مع انخفاض معدلات النمو السنوية من مستوى يزيد على 2% قبل الاستفتاء على الانفصال لتسجل نمواً بنسبة 1.4% في العام 2018.

وأشار معطي إلى “تأثر الإسترليني بالتوترات البحرية مع إيران وإرسال بريطانيا لعدة سفن حربية إلى مضيق هرمز ما يزيد من قلق الحرب بين البلدين، إلى جانب تصاعد حدة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وبالتالي تأثر نمو الاقتصاد العالمي بشكل عام، والاقتصاد البريطاني الذي يؤيد توجهات السياسة الأميركية”.

توقعات سلبية لأداء الاسترليني

وحول توقعات أداء الجنيه الإسترليني توقع معطي “استمرار الأداء السلبي لاسيما مع استمرار الأخبار السلبية خاصة في حالة كسر مستوى المقاومة 0.9300 أمام اليورو ربما نرى انخفاضات مستمرة”.

وتراجعت أسعار البيوت في بريطانيا بنسبة 0.2% في يونيو (حزيران) الماضي، حسب مؤشر أسعار البيوت لوكالة رايتموف Rightmove العقارية. وحسب أحدث بياناتها المعلنة الشهر الماضي فإن العقارات الأعلى قيمة كانت الأكثر تأثرا بتراجع الأسعار إذ انخفضت أسعار البيوت الجديدة بنسبة 1.1%..

وتتفق أغلب وكالات العقارات ومؤسسات الإقراض العقاري على “أن نمو أسعار العقار في بريطانيا يتباطأ بوتيرة تدعو للقلق، وإن لم تصل بعد إلى مستوى الخطر الذي ينذر بانهيار عقاري كما حدث في الولايات المتحدة قبل أكثر من عشر سنوات وتسبب في أزمة مالية عالمية”.

وأشارت أرقام شركة الإقراض العقاري نيشنوايد Nationwide إلى “أن النمو الشهري في أسعار البيوت انخفض في يونيو (حزيران) إلى نسبة 0.5% مقابل 0.6% في شهر مايو (أيار)”. ولتوضيح أهمية الفارق الشهري يذكر “أن معدل نمو أسعار البيوت عند الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عام 2016 كان بنسبة 5% سنويا”.

اندبندت

Print Friendly, PDF & Email