التـآمــر… عنوان بعض شركاء العملية السياسية في العراق

التـآمــر… عنوان بعض شركاء العملية السياسية في العراق

كان -ولايزال- عادل عبد المهدي رئيس وزراء العراق يشكل فرصة سانحة لترميم أوضاعه الداخلية والخارجية، لنظام سياسي مستند على المحاصصة الطائفية والقومية والتي تعد من إحدى المعضلات الأساسية، هذه المحاصصة بدورها أسست ما يسمى بشركاء العملية السياسية في العراق، ليكتشف عادل عبد المهدى بمرور الوقت، أن بعضهم يقدم المصالح الخاصة الحزبية والفئوية والطائفية والقومية على حساب الدولة العراقية، فبدلاً من أن يكونوا وسيلة وطنية لمد يد العون له في إنجاح مشروعه الوطني الإصلاحي، رضوا لأنفسهم أن يكونوا أداة للتآمر عليه، وعلى مشروعه الهادف في تخليص العراق من أزماته المتعددة الأبعاد.
ولا نكشف سراً عندما نقول أن من بين شركاء العملية السياسية في العراق من لديه طموح بأن يصبح رئيسًا لوزراء العراق، وبورصة المرشحين مكتظة بالأسماء، كما أن سفارات الدول الإقليمية والدولية العاملة في العراق تبعث برسائل طمأنةٍ لمن يحسب عليهم في العملية السياسة في العراق، بأنه هو المرشح لمنصب رئيس الوزراءّ!! لكن.. ربما غاب عن بال الطامحين لذلك المنصب، إن النتيجة المباشرة لإسقاط أو سقوط حكومة عادل عبد المهدي هي انهيار النظام السياسي العراقي برمته..
دستوريّا .. يعد منصب رئيس الوزراء استحقاقا دستوريا، فالشخص السياسي الذي يحصل على “نصف+1″ من أعضاء مجلس النواب العراقي بوسعه أن يشكل الحكومة العراقية، لكن سياسيّا وحسب العرف السياسي الذي اعتاد عليه العراق في مرحلة ما بعد عام 2003م، هناك عدة اعتبارات سياسية ودينية تؤخذ في عين الاعتبار عند اختيار رئيس وزراء العراق، ومنها: موافقة كل من المرجعية الدينية العليا في النجف على ذلك الاختيار، وعلي خامنئي مرشد الثورة الإيرانية، والولايات المتحدة الأمريكية.
فبعد الانسحاب الأمريكي من سوريا، ستركز إدارة ترمب على العراق، وهذا يعني أنه في حال اختيار شخصية سياسية عراقية لشغل منصب رئيس الوزراء العراقي دون موافقة الإدارة الأمريكية، فإن هذا سيترتب عليه نتائج اقتصادية وعسكرية – أمنية لا طاقة للعراق على تحملها، اقتصاديّا: قد يدفع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر وزارة الخزانة الأمريكية بفرض إجراءات قاسية متعددة الجوانب، فعلى سبيل المثال على تلك الإجراءات، ستكون كل الاموال العراقية عرضة للملاحقة القضائية، علما انها محمية الآن بمرسوم رئاسي استنادا للاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة، وفي حالة الإلغاء سيعاد فتح ملف التعويضات، وكذلك الاتهامات للعراق بدعم الارهاب، وخسائر الشركات الامريكية قبل 2003، وسوف تحجز الاموال العراقية لحين حسم الدعاوى.
ناهيك عن إيقاف ارسال عملة الدولار للعراق الذي سوف يوقف الكثير من الالتزامات، ووقف العمل بالنظام المالي”DFI” ووقف تدفق 16 مليار دولار الأمر الذي يؤدي إلى عجز مالي في العراق يمنعه عن دفع رواتب موظفيه وخاصة موظفي السفارات في الخارج والداخل يعني “إفلاس الدولة”، والتزامات العراق الدولية، والتزاماته تجاه الشركات وخاصة شركات النفط، وستكون البلاد في حالة شلل تام أشبه بأيام الحصار في تسعينيات القرن الماضي، مع اختلاف بسيط، فالإقدام على مثل هكذا خطوة هو لعب بالنار، ومخاطرة لا مبرر لها، وفي سياق التشديد على العراق فيما يتعلق بمواقفه من حزب العمال الكردستاني التركي و”قسد” قد توعز واشنطن لتركيا في وقف امدادات المياه له، كما ستطلب من حلفائها من الدول العربية بتشديد الخناق الاقتصادي والسياسي على العراق.
أما عسكريًا، فقد تقدم الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من التحالف الدولي وحلف الناتو على سحب قواتها من العراق إلى غير رجعة، تلك القوات وخاصة الجوية كان لها دور بارز في القضاء على تنظيم داعش الإرهابي، الذي ربما يعود إلى نشاطه الإرهابي ويعود ليهدد أمن واستقرار العراق.
على الطبقة السياسية بمختلف أطيافها في العراق أن تدرك بشكل عميق بأن آلية اختيار رئيس وزراء العراق أمر في غاية الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، والذي يأتي اختياره في سياق اللعبة الكبرى على المستوى الإقليمي، وليس على المستوى البسيط جدا جدا، كما هو الحال في اجتماعات “فندق بابل ” في بغداد، أو اجتماعات الشيوخ والسادة، فهي لعبة أكبر مما تظن وأظن!
على الطبقة السياسية في العراق أن تقف إلى جانب عادل عبد المهدي رئيس وزراء العراق، وأن لا ترتهن إلى مصالح ضيقة الأفق التي تمثلها بعض أطياف الأحزاب والمليشيات، فلم يكن مقبول من بعض أو غالبية تلك الطبقة ترك المحارب الإصلاحي عادل عبد المهدي أن يواجه الاحتجاجات بمفرده، وكأن لسان حالهم يقول “واجه مصيرك بنفسك”، ناهيك عن المواقف السلبية التي صدرت من بعض منهم.
لا يحق للعراق وشعبه الذي لديه رابع احتياط نفط بالعالم، وشعب أغلبيته من الشباب، أن يعاني من نيران البطالة، ويعيش جزء كبير منه تحت خط الفقر.
إن العراق في هذه اللحظة يبحث عن نفسه ومستقبله، وإن فشل الاصلاح والوعود سيمهد لانهيار النظام السياسي العراقي.
لقد أصبح العراق على مفترق طرق بين نظام سياسي أضاع مشروع الدولة، وبين مجتمع وجيل شاب لم يعد يحتمل الانتظار، وهو يسعى لإعادة صياغة مشروع الدولة العراقية على أسس جديدة، تأخذ في عين الاعتبار تحقيق الوصول إلى عراق مزدهر ديمقراطي.

وحدة الدراسات العراقية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email