تركيا والانتخابات المبكرة

تركيا والانتخابات المبكرة

630

مع بدء رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو مشاوراته لتشكيل حكومة ائتلافية، تبدو التكهنات سيدة الموقف في الساحة التركية، فرغم الحديث عن سيناريوهات كثيرة فلا شيء واضحا حتى الآن.

ورغم أن الجميع يبدي حرصه على تشكيلها، فإن سقف الشروط الصعبة التي تضعها الأحزاب الثلاثة (الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية، وحزب الشعوب الديمقراطي) سرعان ما يبعثر الأمل ويخلط الأوراق، فيما يبقى اللافت في هذه المعركة تلك الثقة الكبيرة التي يظهرها حزب العدالة والتنمية مقابل حالة التشتت والانقسام والتوتر في صفوف المعارضة، خاصة بعد نجاح حزب العدالة والتنمية في الفوز برئاسة البرلمان.

أكثر من ذلك، ثمة قناعة تترسخ يوما بعد آخر بأن الأمور تسير نحو انتخابات مبكرة.

تشكيل الحكومة
منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية حرص حزب العدالة والتنمية على القول إنه يقف على مسافة واحدة من الجميع، وإن كل الخيارات مفتوحة، وأمام الخيارات المفتوحة هذه يمكن الحديث عن جملة من السيناريوهات، لعل أهمها:

– حكومة أغلبية: وهو تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب العدالة والتنمية بوصفه يمثل الإسلام السياسي وحزب الشعب الجمهوري الموصوف بالعلماني، والذي يمثل إرث أتاتورك على غرار ما جرى في تونس بين حزب النهضة ونداء تونس.

ويستمد هذا السيناريو مقوماته من أن الحكومة الائتلافية التي ستنبثق عنه ستكون من 390 نائبا، أي أنها ستمتلك الأغلبية البرلمانية التي يمكن بها إدارة البلاد. ورغم التناقض الأيديولوجي الكبير بين الحزبين، فثمة قضايا حيوية يمكن أن يتم الاتفاق عليها، وفي مقدمتها ملف عملية السلام مع الكرد، ولعل مثل هذه الحكومة ستحظى بدعم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي ولو من خارج الحكومة.

– حكومة سلام: وهذا السيناريو أشبه ما يكون بتحالف المنتصرين، أي بين حزب العدالة والتنمية الذي حصل على أكثر المقاعد وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي الذي شكل دخوله البرلمان بعد أن تجاوز العتبة الانتخابية (10%) انتصارا سياسيا ودستوريا للأكراد.

ويستمد هذا السيناريو مقوماته من الحفاظ على عملية السلام التركية الكردية التي باتت مهددة بالانهيار في ظل التطورات التي تشهدها القضية الكردية، في وقت تحرص فيه تركيا على عدم تفجر هذه القضية بداخلها، إلا أن مثل هذا السيناريو يتجاوز قضية تشكيل حكومة ائتلافية إلى اتفاق سياسي على حل سلمي للقضية الكردية، وهو ما لا يبدو متوفرا حتى الآن رغم تغير لهجة قادة الحزب الكردي لجهة الاستعداد للمشاركة في مثل هذه الحكومة بعد أن كان زعيمه صلاح الدين ديمرطاش أعلن في السابق رفضه الدخول في أي حكومة ائتلافية مع حزب العدالة والتنمية.

– حكومة القرب الأيديولوجي: يقوم هذا السيناريو على تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الحركة القومية، انطلاقا من المشتركات الأيديولوجية، حيث تتقاطع القواعد الشعبية للحزبين على المستويات القومية والدينية. لكن مثل هذا السيناريو يصطدم بالرفض القاطع لحزب الحركة القومية لأي شكل من أشكال الاعتراف بالقضية الكردية.

التناقضات الأيديولوجية لا تقف وحدها عائقا أمام تشكيل الحكومة، فهناك شروط صعبة تضعها أحزاب المعارضة في وجه حزب العدالة والتنمية، لعل أهمها قضية الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية. وبمعنى أدق، فإن هذه الأحزاب ترفض مشروع الرئيس رجب طيب أردوغان للانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، الذي شكل جوهر الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية. ولعل الثابت هنا، هو أن الأخير لن يقبل مثل هذه الشروط.

جولات ماراثونية
من غير المتوقع أن تسفر الجولات الأولى التي يلتقي خلالها أوغلو قادة الأحزاب الثلاثة عن شيء، إذ إنها بمثابة جولات استكشاف للمواقف والاستماع للتطلعات والمطالب والمقترحات، وهي عمليا باتت معروفة بعد أن رفع كل حزب خطوطه الحمراء؛ فحزب الشعب الجمهوري أعلن حزمة شروط من 14 بندا، قال إنه لن يساوم عليها، لعل أبرزها التزام رئيس الجمهورية بحدوده الدستورية، وإعادة فتح ملف الوزراء الأربعة السابقين من حزب العدالة والتنمية المتهمين بالفساد.

“الحكومة الائتلافية ستكون مشلولة وعاجزة وغير قادرة على إدارة ملفات المرحلة بما يعني الدخول في أزمة سياسية من نوع أزمات النظام التي كان يتحدث عنها بولند أجاويد في معرض وصفه الحكومات الائتلافية السابقة والتي انتهت جميعها بالفشل”

ويضيف حزب الحركة القومية على الشروط السابقة شرطا تعجيزيا يتعلق بإنهاء ملف العملية السلمية مع حزب العمال الكردستاني وعدم الاعتراف بأي وجود للقضية الكردية، في وقت يعد حزب العدالة والتنمية هذا الملف إنجازا تاريخيا للبلاد ولا يمكن التراجع عنه، وهو يدرك أن مثل هذا التراجع سيعطي الذريعة لتفجر العنف الكردي من جديد، مما يفتح الباب أمام مزيد من القتل والدمار.

كذلك فإن حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الذي ينتهج لهجة ندية حادة تجاه حزب العدالة والتنمية يعطي الأولوية للبعد القومي الكردي على حساب الوطني العام، وفي العمق يحس حزب العدالة والتنمية أن قرار الحزب الكردي ليس بيده، وإنما هو متوزع بين قيادة الكردستاني في قنديل وعبد الله أوجلان في إيمرالي، وهو ما يجعل من الصعب -إن لم نقل من المستحيل- على حزب العدالة والتنمية القبول به، خاصة أن تداعيات مثل هذا الأمر ستكون كبيرة على قاعدته الشعبية المحافظة، ولا سيما القومية منها، وأن حزب الحركة القومية سيكون المستفيد الأكبر من هذا الأمر في حال التوجه إلى انتخابات مبكرة ولو بعد فترة.

أمام هذه الصعوبات الماثلة، شكل حزب العدالة والتنمية ثلاث لجان: الأولى سياسية برئاسة داود أوغلو، والثانية اقتصادية برئاسة علي باباجان، والثالثة قانونية برئاسة محمد علي شاهين، للتحاور مع هذه الأحزاب على أمل جعل مطالبها واقعية وممكنة للتوصل إلى حكومة ائتلافية.

الانتخابات المبكرة
لا ينفك الرئيس أردوغان يقول إنه يريد حكومة ائتلافية قوية بمستوى تحديات المرحلة، وفي الوقت نفسه يلوح بالعودة إلى الشعب ما لم تكن مثل هذه الحكومة ممكنة، هذا التلويح الدائم بالعودة إلى الشعب دفع الكثيرين إلى القول إن معركة حزب العدالة والتنمية الأساسية ليست معركة تشكيل حكومة ائتلافية بقدر ما هي معركة كيفية الذهاب إلى انتخابات مبكرة على أمل تحقيق الأغلبية التي تمكنه وحده من تشكيل الحكومة منفردا في المرحلة المقبلة عبر استعادة 18 مقعدا إضافيا.

ويرى هؤلاء أن تأخير الرئيس أردوغان في تكليف داود أوغلو بتشكيل الحكومة، وطريقة إدارة المباحثات مع أحزاب المعارضة ومحاولة إظهار المعارضة على أنها ضعيفة وغير جديرة وزيادة الانقسام في صفوفها؛ كلها مؤشرات على تصميم مسبق لدى أردوغان على الذهاب إلى انتخابات مبكرة.

لكن الثابت أنه في مقابل هذه الاتهامات فإن العدالة والتنمية يحرص على الخطوات والمدد الدستورية، إذ في حال فشل أوغلو في تشكيل حكومة ائتلافية بعد انتهاء المدة الدستورية المحددة بـ45 يوما، سيكون أمام الرئيس أردوغان ثلاثة خيارات: تكليف رئيس حزب جديد بتشكيل حكومة ائتلافية أو تشكيل حكومة أقلية برئاسة أوغلو نفسه أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، لكن من يتابع تصريحات أردوغان لا بد أن يلاحظ صعوبة اعتماد الخيارين الأولين، وأن يرجح الخيار الثالث، أي الذهاب إلى انتخابات مبكرة.

والسبب هو أن مثل هذه الحكومة ستكون مشلولة وعاجزة وغير قادرة على إدارة ملفات المرحلة بما يعني الانفتاح على أزمة سياسية من نوع أزمات النظام التي كان يتحدث عنها رئيس الوزراء التركي الراحل بولند أجاويد في معرض وصفه الحكومات الائتلافية السابقة، والتي انتهت جميعها بالفشل.

“لا تبدو قضية استعادة 18 مقعدا نيابيا ليتمكن حزب العدالة والتنمية وحده من تشكيل الحكومة قضية صعبة، ولعل أردوغان يحس في العمق بأن خيار الناخب التركي تعرض للتشويش وبسبب خلل في بعض مفاصل الحزب”

وعليه، يمكن القول إنه في حال لم ينجح حزب العدالة والتنمية في تشكيل حكومة ائتلافية بشروطه فإن خيار الانتخابات المبكرة سيكون أكيدا، نظرا لأنها ستحقق جملة من المعطيات التي تناسب تركيا التي يخطط لها حزب العدالة والتنمية، ولعل من أهم هذه المعطيات:

1- أن أردوغان الذي اعتاد قيادة البلاد في ظل حكم حزب العدالة والتنمية يجد صعوبة في قبول شروط الأحزاب الثلاثة، نظرا لأن مثل هذا القبول يعني التنازل عما حققه حزب العدالة والتنمية في المرحلة الماضية وطريقة إدارته البلاد وسياساتها الداخلية والخارجية.

2- أن قضية استعادة 18 مقعدا نيابيا ليتمكن حزب العدالة والتنمية وحده من تشكيل الحكومة لا تبدو قضية صعبة، ولعل أردوغان يحس في العمق بأن خيار الناخب التركي تعرض للتشويش وبسبب خلل في بعض مفاصل الحزب.

3- أن المدة الدستورية لإجراء الانتخابات، أي بعد ثلاثة أشهر من انتهاء المهلة الدستورية لتشكيل الحكومة تبدو مهلة كافية لتدارك الخلل الذي حصل، حيث شكلت لجان لتجاوزه وترتيب البيت الداخلي للحزب من جديد.

في الواقع، من الواضح أن أي حكومة ائتلافية -بغض النظر عن شكلها- ستؤثر سلبا على إستراتيجية وسياسة حزب العدالة والتنمية، وبشكل أكثر على الرئيس أردوغان الذي بيده كلمة الفصل، ومع ترجيح الذهاب إلى انتخابات مبكرة حتى لو تم تشكيل حكومة ائتلافية، فإن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف سيستعيد الحزب الأصوات التي يحتاجها للفوز بالأغلبية البرلمانية من جديد؟

خورشيد دلي

الجزيرة نت