الصراع على رئاسة حكومة العراق يعمق تشتت القوى الشيعية

الصراع على رئاسة حكومة العراق يعمق تشتت القوى الشيعية

عمقت الضغوط على الأطراف السياسية العراقية لاختيار شخصيات وازنة تدير دفة الحكومة الجديدة من صعوبة إتمام المهمة، لاسيما داخل القوى الشيعية المنقسمة على نفسها.

ودخلت المهلة الدستورية الممنوحة للرئيس برهم صالح كي يكلف مرشحا جديدا بتشكيل الحكومة المقبلة، وهي 15 يوما، الثلث الأخير من عمرها، من دون أن تتوصل القوى السياسية الشيعية إلى توافق في هذا الشأن.

وبحلول الثلاثاء المقبل، ستكون المهلة الدستورية قد انتهت، ما يعني أن أمام الرئيس خمسة أيام فقط لتكليف مرشح جديد لرئاسة الحكومة.

واتسعت قائمة المرشحين للمنصب بشكل غريب خلال الأيام القليلة الماضية، حتى شارفت على العشرين اسما، ما يزيد من تعقيد مهمة اختيار شخصية “توافقية” بعيدا عن فلك إيران.

وتضم القائمة رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي والمستشار في رئاسة الجمهورية علي الشكري والمسؤول في ديوان رئاسة الجمهورية نعيم السهيل ومحافظ البصرة أسعد العيداني ووزير التعليم العالي قصي السهيل.

واللافت أن هذه القائمة ضمت كذلك كلا من زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي وزعيم ائتلاف النصر حيدر العبادي وزعيم كتلة الوطنية إياد علاوي.

وحتى الآن لم تصل القوى السياسية الشيعية إلى توافق بشأن المكلف الجديد، لكنها قررت تشكيل لجنة خاصة من سبعة أعضاء تتولى اختصار قائمة المرشحين إلى خمسة أسماء، وإحالتها إلى قادة الأحزاب الشيعية لاختيار أحدها.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن اللجنة الشيعية السباعية، عقدت أول اجتماع لها، أقرت خلاله مقترحا يقضي باستبعاد 15 مرشحا، سبق أن وردت أسماؤهم في مراحل المفاوضات السابقة.

ووفقا لهذه المصادر، فإن تثبيت هذا المقترح يعني خروج جميع الأسماء التي ورد ذكرها من دائرة الترشيح، على الرغم من تباين حظوظ كل منها في نيل المنصب.

ويقول أعضاء في الفريق التفاوضي التابع للعبادي إن القوى السياسية الشيعية تدرك خطورة المرحلة، وأهمية اختيار رئيس حكومة ينسجم مع الولايات المتحدة والغرب عموما، لكنها لا تستطيع الخروج من العباءة الإيرانية.

ولذلك، تحاول القوى الشيعية الموالية لطهران، استبعاد أي مرشح تعرف أنه لن يتماشى مع المزاج الإيراني، حتى إذا كان مؤهلا لإدارة مرحلة صعبة، تشهد بوادر أزمة اقتصادية خانقة، وتفشي فايروس كورونا المستجد على المستوى الدولي.

ويشجع فريق العبادي القوى الشيعية للانفتاح على ترشيح مصطفى الكاظمي، برغم الخطوط الحمراء التي يضعها الحرس الثوري الإيراني عليه.

المرشحون لتشكيل الحكومة
مصطفى الكاظمي
علي الشكري
نعيم السهيل
أسعد العيداني
قصي السهيل
نوري المالكي
حيدر العبادي
عدنان الزرفي
ولكي يتفادى أي عراقيل أمام ذلك، فإن العبادي يقدم بديلا آخر، ربما تنطبق عليه المواصفات نفسها، وهو محافظ النجف الأسبق عدنان الزرفي.

ويوصف الزرفي بأنه أحد المعجبين بتجربة الولايات المتحدة، التي أمضى فيها سنوات قبل إسقاط نظام صدام حسين في 2003، وكان من أوائل العائدين للمشاركة في العملية السياسية بعد ذلك.

ورغم ميله شبه العلني إلى الفلسفة السياسية الأميركية خصوصا والغرب بشكل عام واهتمامه بالانفتاح على دول الخليج العربي، لم تعرف لهذه الشخصية خصومات مع إيران.

ويؤكد مسؤولون في النجف أن بوادر نهضة المدينة تشكلت عندما تسلم الزرفي إدارتها المحلية، لكن التقاطعات السياسية الداخلية لم تسمح له بالاستمرار. ومع ذلك، لا يزال يملك شعبية واسعة هناك.

ويقول مراقبون إن أهم الصفات التي يجب أن يتمتع بها رئيس الحكومة تتعلق بقدرته على إدارة علاقة متوازنة مع واشنطن وطهران في وقت واحد، تساعد البلاد على مواجهة الأزمة الاقتصادية.

وأشاروا إلى أن خيارات من قبيل الكاظمي والزرفي، فضلا عن كونها تحظى بقبول خارجي، ستكون مقبولة في الأوساط السياسية السنية والكردية أيضا، التي لا تفضل أن يكون رئيس الحكومة نسخة جديدة من المالكي، تهتم بمصالح إيران فقط.

ويرى آخرون أن القرار الإيراني في هذا الملف سيكون حاسما، ما يعني أن القوى الشيعية ربما عليها بذل جهود حقيقية لإقناع طهران بضرورة وجود شخصية مقبولة داخليا وخارجيا، في منصب رئيس الحكومة.

ولكن القوى الشيعية، وفقا لمصادر مطلعة على سير المفاوضات، لا تعمل في هذا الاتجاه، ولا تزال تتلقى الإرشادات من طهران، من دون مبادرة.

وسبق أن توقع محللون أن تحد سلسلة الضربات التي تلقتها إيران منذ مطلع العام الجاري، من قدراتها على المناورة السياسية خارج حدودها.

وتتمثل هذه الضربات في مقتل الجنرال البارز في الحرس الثوري قاسم سليماني على أيدي الأميركيين في العراق وإسقاط الطائرة الأوكرانية ومحاولة التنصل من الفضيحة، ثم تفشي كورونا بين الإيرانيين بعدما أخفت السلطات في طهران حقيقة وجود الفايروس على أراضيها خلال مراحله الأولى.

ويجسّد العجز العراقي عن استثمار هذا الضعف الإيراني في صناعة سياسية مستقلة، إشكالية الارتباط العقائدي بين تجربتي الحكم في العراق وإيران، تحقيقا لمصالح الثاني على حساب الأول.

ولا تخلو العملية السياسية في العراق من شبهات فساد طالت كافة الحكومات المتعاقبة منذ إسقاط نظام صدام حسين، وبالتالي فإن اتساع المخاوف من أن تكون الحكومة الجديدة بين فكي كماشة هذه المشكلة مرة أخرى بينما يترقب الشارع ولادة حكومة “مستقلة”.

وشرعت السلطة القضائية في فبراير الماضي بالتحقيق في مزاعم قيام أطراف سياسية بعرض مبالغ طائلة لقاء بيع وشراء وزارات ومناصب في حكومة رئيس الحكومة المكلّف محمد علاوي.

ويمثّل شراء المناصب أمرا مألوفا منذ 2003، لكن الاستثناء يتمثّل في تواصل الظاهرة في ظلّ أكبر موجة احتجاج شعبي يشهدها البلد منذ ذلك التاريخ للمطالبة بالتغيير الشامل والتخلّص من الطبقة السياسية الفاسدة التي أفقرت البلد، على الرغم من غناه بالنفط.

وعاد هذا البازار إلى الواجهة بوضوح، فللمرة الأولى، يعلن القضاء أنّه يجري تحقيقات مع سياسيين حول هذه المزاعم، التي رافقت ولادة الحكومات الأربع طيلة السنوات الـ17 الماضية.

العرب