كيف انقلب مشروع إنقاذ الرهائن عند الأكراد إلى نكبة دعائية على أردوغان

كيف انقلب مشروع إنقاذ الرهائن عند الأكراد إلى نكبة دعائية على أردوغان

يسلط مقتل عدد من أفراد الجيش التركي كانوا رهائن لدى حزب العمال الكردستاني في شمال العراق الضوء على الثمن الباهظ الذي دفعه الرئيس رجب طيب أردوغان في معركته الأزلية ضد الأكراد. فقد احتاج إلى قصة نجاح عسكرية لتبرير أفعاله، لكن مشروع إنقاذهم الذي تم في الخفاء تحول إلى نكبة دعائية وقد حملت أنقرة الأكراد والأحزاب السياسية الكردية وأحزاب المعارضة وحتى إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مسؤولية تلك الكارثة.

أنقرة – سيتذكر الأتراك والأكراد “قضية قارا” باعتبارها لحظة مظلمة في تاريخهم، مع عملية الإنقاذ الكارثية التي كانت تهدف إلى تحرير 13 رهينة كانوا محتجزين لدى حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. لكن العملية أسفرت عن مقتل جميع الرهائن وخسارة ثلاثة ضباط أتراك.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحتاج إلى قصة نجاح عسكري لإظهار قدرته على التفاوض، وكان إنقاذ هؤلاء الجنود مناسبا لذلك، لكن لسوء الحظ، انتهت العملية بفشل ذريع، وبات يبحث عن تبريرات لكي يقنع الأتراك وأسر الضحايا بما حصل.

ووجد أردوغان في الأكراد وأحزاب سياسية كردية وأحزاب المعارضة شماعة لتعليق فشله عليها كما لم تسلم إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن من ذلك متعللا بدعم واشنطن للأكراد. وهذا الأسلوب درج الرئيس التركي على استخدامه في كل مرة يجد نفسه في ورطة.

ويقول الباحث التركي بوراك بكديل في تقرير نشره مركز بيغن السادات للأبحاث الاستراتيجية إن التخطيط للعملية لم يكن كما يجب على ما يبدو. وأرجع ذلك إلى الضغوط التي سُلطت على أردوغان وحكومته من طرف السياسيين الراغبين في تحقيق انتصار لإقناع الجمهور.

خلال سنتي 2015 و2016، اختطف حزب العمال الكردستاني 13 جنديا تركيا وضابط شرطة وموظفين حكوميين آخرين. وفرضت الحكومة تعتيما إعلاميا على احتجاز الرهائن لتجنب الظهور طرفا ضعيفا خلال سنوات الانتخابات.

ولم يعلم الشعب التركي بعمليات الاختطاف إلى أن سأل أحد النواب المعارضين عن مصير الرهائن في حوار برلماني، وبحلول الشهر الماضي كان الرهائن منسيين إلى حد كبير، وبقوا في قلوب عائلاتهم وأحبائهم فقط. ثم في الثامن من فبراير، ألقى الرئيس أردوغان كلمة قال فيها إن “أخبارا رائعة كانت تنتظر الجميع”.

وحينها حامت تكهنات حول نهاية سعيدة لأزمة الرهائن بعد أن زار وزير الدفاع خلوصي أكار حكومة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، وتساءل بكديل الذي يكتب لمعهد غيتستون وديفينس نيوز هل كان يضغط من أجل إطلاق سراح الرهائن عن طريق أكراد العراق الموالين لتركيا والذين يتمتعون بنفوذ على حزب العمال الكردستاني؟

لكن الأخبار التي تلقاها المتابعون وحتى أردوغان نفسه لم تكن رائعة. ففي وقت مبكر من العاشر من فبراير الماضي، شن سلاح الجو التركي غارات جوية على أهداف محددة في قارا، شمال العراق، حيث أكدت المخابرات أن الرهائن محتجزون في الكهوف. وكانت تلك بداية عملية “مخلب النسر 2”.

وبعد ساعتين من الضربات الجوية الشديدة، أرسلت مروحيات تركية العشرات من القوات الخاصة على الأرض. ولم تكن قارا منطقة معروفة، وهو ما مثّل عقبة للجنود. إذ كان لا بد من تنفيذ العملية على أرض صخرية وفوق الجبال والمنحدرات وعبر الوديان العميقة التي لم تكن القوات التركية متمرّسة فيها.

وفي الاشتباكات الأولى بعد الهبوط، قتل ضابطان تركيان وضابط صف. وبحلول ذلك الوقت، وصل أكار مع أربعة من قادة القوات إلى مركز عمليات على الحدود التركية العراقية.

وفي اليوم التالي، قال أكار في تصريحات إعلامية إن “48 هدفا من إجمالي 50 ضُربت خلال الغارات الجوية مع تحييد 53 إرهابيا (أي قُتلوا أو أصيبوا أو أُسروا)”. ولم يرد ذكر للرهائن.

وفي تلك المرحلة، اعتقد الشعب التركي أن “مخلب النسر 2″ كانت مجرد عملية أخرى عبر الحدود ضد حزب العمال الكردستاني. ولم يعلموا أنها كانت عملية إنقاذ رهائن حتى الرابع عشر من فبراير، عندما وصف أكار أهداف العملية بأنها لتدمير الإرهابيين وضمان أمن الحدود و”التدخل لصالح الرهائن”.

وخلال إحاطة قدمها رئيس هيئة الأركان التركي، يشار غولر، اطّلع شعب تركيا أخيرا على تفاصيل العملية المشؤومة كاملة.

وذكرت معلومات استخبارية موثوقة أن الرهائن كانوا محتجزين في كهوف في قارا. ولذلك، تدرّبت القوات الخاصة من خلال نماذج تحاكي جغرافية المنطقة المستهدفة واستمرت الاشتباكات بين القوات التركية ومقاتلي حزب العمال الكردستاني يومي 10 و11 فبراير.

وعندما وصلت القوات التركية إلى الكهف الذي كان الجنود الأتراك الرهائن فيه في الثاني عشر من فبراير، استسلم في المساء أحد عناصر حزب العمال الكردستاني ويدعى عثمان أسر (الاسم الرمزي شرفان كوركماز) للجنود الأتراك وأبلغهم عن إعدام جميع الرهائن الـ13 وأن هناك سبعة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الكهف.

وأكد إرهابي ثان استسلم لاحقا إعدام الرهائن عندما وصلت مروحيات تركية إلى قارا، حيث صدر أمر إعدامهم من زعيم وحدة حزب العمال الكردستاني كاموران أتامان.

وبعد حوالي 36 ساعة من إعدام الرهائن الأتراك، أكد الحساب الرسمي أن القوات التركية علمت بمقتل جميع الرهائن، وفي تلك اللحظة، تحوّل هدف العملية من إنقاذ الرهائن إلى إخلاء الجثث والاعتداء على الوحدات الإرهابية.

ووصف غولر بقية العملية بأنها “صعبة للغاية” في الكهوف المظلمة حيث كانت هناك تحصينات حديدية ومصائد للعبوات الناسفة. وفي النهاية، تم انتشال الجثث بنجاح.

كانت هذه أول أزمة رهائن تنتهي بشكل مأساوي في تاريخ تركيا الحديث، فخلال ربع قرن استطاعت أنقرة أن تتفاوض مع حزب العمال الكردستاني المصنف منظمة إرهابية في تركيا من أجل إطلاق سراح العديد من الرهائن وثمة العديد من الشواهد على ذلك.

ففي 1996، تفاوض النائب فتح الله أرباش وأعاد ثمانية جنود أتراك اختطفهم حزب العمال الكردستاني. وفي 2013، ضمن حزب السلام والديمقراطية الموالي للأكراد الإفراج الآمن عن جنديين تركيين أسرهما حزب العمال الكردستاني.

وخلال 2014 تفاوضت الحكومة التركية على إطلاق سراح 49 مسؤولا اختطفهم داعش في القنصلية التركية في الموصل شمال العراق، وفي العام التالي نجحت منظمة إغاثة إنسانية في التفاوض على إطلاق سراح 20 من ضباط الجمارك الذين اختطفهم حزب العمال الكردستاني.

وفي ضوء ذلك، يرى بكديل أنه يجب طرح الأسئلة بعد فقدان الرهائن الثلاثة عشر والضباط الثلاثة، والتي تتمحور حول: هل كان الجيش التركي تحت ضغط أردوغان الذي أراد ترويج قصة انتصار معجزة؟ هل كانت الاستخبارات ووقت التحضير كافيين لعملية محفوفة بالمخاطر؟

ويؤكد أحمد يافوز، وهو لواء متقاعد، أن “الجيش التركي لم ينفذ مثل هذه العملية من قبل. فبعد الانتظار لمدة ست سنوات للإفراج عنهم، كان بإمكان الحكومة الانتظار لفترة أطول قليلا لضمان ظروف تشغيلية أقل خطورة أو منهجية مختلفة لتحرير الرهائن”.

وبحسب بكديل، الزميل في منتدى الشرق الأوسط، يبدو أن هناك عائقا أساسيا، وربما وجوديا، أمام التخطيط التشغيلي. فعلى ما يبدو، وصلت وحدات القوات الخاصة إلى الكهف بعد 38 ساعة من بدء العملية بغارات جوية.

ولذلك كانت تلك الوحدات تفتقر إلى عنصر أساسي في أي عملية لإنقاذ الرهائن: عامل المفاجأة. وكان لحزب العمال الكردستاني ما يقرب من يومين لاتخاذ قرار بشأن ما يجب القيام به مع الرهائن.

وفي ختام القصّة، قرر أردوغان اتهام مجموعة من الكيانات بالفشل: أحزاب المعارضة التركية والحزب الموالي للأكراد والساسة الأكراد، وحتى إدارة بايدن التي ينتقدها الرئيس التركي لتعاونها العسكري مع الأكراد السوريين. ولو كانت للقصة نهاية سعيدة، لكان كل الفضل منسوبا له بالتأكيد.

العرب