سوريا الغارقة في العجز بلا خيارات لتمويل موازنة 2022

سوريا الغارقة في العجز بلا خيارات لتمويل موازنة 2022

تكشف مؤشرات الموازنة السورية للعام المقبل مدى تضاءل هامش المناورة للحكومة في ظل التحديات المالية الكبيرة، التي يرى محللون أنه لا حل لها في ظل شلل محركات النمو المُكبَلة بقيود الحظر الأميركي ومع تدهور قيمة العملة المحلية أمام الدولار في السوق السوداء.

دمشق – ألقت بيانات موازنة العام المقبل المزيد من الضوء حول حجم الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي تعاني منها الحكومة السورية بفعل العقوبات الأميركية، وسط تأكيد الخبراء أن أرقامها مليئة بالمبالغات غير الواقعية.

وأقرّ البرلمان في وقت سابق هذا الأسبوع مشروع الموازنة العامة التي كانت الحكومة قد صادقت عليها مطلع أكتوبر الماضي، مع تخصيص نحو نصف اعتماداتها للدعم الاجتماعي، على وقع أزمات اقتصادية ومعيشية متلاحقة بعد أكثر من عقد من الحرب.

وبعد إقرار البرلمان لمشروع الموازنة يتعين على الرئيس بشار الأسد إصدار قانون الموازنة، حتى يتم اعتمادها بمرسوم تشريعي نافذ.

وبعدما بات أغلب السوريين تحت خط الفقر، بعد عشر سنوات من الحرب التي أنهكت الاقتصاد ومقدّراته إضافة إلى تداعيات العقوبات الغربية المفروضة على دمشق، تتضاءل تدريجياً قدرة الحكومة على توفير الاحتياجات الرئيسية على وقع تدهور سعر صرف الليرة السورية.

وبلغت اعتمادات الموازنة، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية، 13.3 تريليون ليرة، أي ما يُعادل 5.3 مليار دولار وفق سعر الصرف الرسمي المحدّد عند 2512 ليرة مقابل الدولار.

كنان ياغي: الدعم الاجتماعي هو سياسة ثابتة ولن يتم المس به

وأقرت السلطات موازنة العام الحالي بنحو 6.8 مليار دولار وفق سعر صرف الدولار عند حوالي 1250 ليرة، فيما بلغ إجمالي موازنة العام الماضي نحو 9 مليارات دولار.

ويقول محللون إنه يمكن لقيمة الموازنة أن تنخفض بشكل كبير في ظل تراجع سعر صرف الليرة الذي يقدر حاليا بنحو 3500 ليرة للدولار في السوق السوداء، مقارنة بنحو 2900 ليرة للدولار في نهاية العام الماضي، وبالتالي لن تتمكن من تخفيف الأعباء التضخمية التي يعاني منها السكان.

وأشار الخبير الاقتصادي من دمشق رضوان حمادي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية، إلى أن إقرار البرلمان موازنة فوق عشرة تريليونات ليرة يعني أن سعر صرف الدولار سيصل لا محالة إلى 5 آلاف ليرة خلال العام المقبل، وهو ما يفاقم الصعوبات.

ويبدو خلو البنك المركزي السوري من النقد الأجنبي والذهب عاملا مهما لبلوغ الاقتصاد السوري هذه المرحلة الحرجة، حيث يعتبر وجودهما من الركائز الأساسية التي تستند عليها العملة المحلية المنهارة.

وجرت العادة أن تقوم الحكومة في الشهر الثامن أو التاسع على أقصى تقدير بإنجاز مشروع الموازنة العامة للدولة، الذي يناقشه البرلمان ثم تقره الرئاسة من أجل إصدار الموازنة بمرسوم قبل بداية العام التالي.

ولكن يبدو أن الظروف الاقتصادية الخانقة أدت إلى تأخيرها حيث تجد السلطات صعوبات في توفير السيولة في ظل العقوبات الأميركية وشلل القطاعات الإنتاجية بسبب الحرب على الرغم من وجود بوادر لانتعاش تجارة سوريا الخارجية مع بعض الدول العربية.

ويؤكد المتابعون للشأن الاقتصادي السوري أن معطيات موازنة العام المقبل ليست قادرة وغير كافية لتحريك عجلة الإنتاج أو التخفيف من تأثير انفجار التضخم وانعكاسات غليان الأسعار على معيشة الناس.

وأوضح وزير المالية كنان ياغي للصحافيين على هامش جلسة البرلمان أن الموازنة خصّصت أكثر من 5.5 تريليون ليرة (2.2 مليار دولار) لبرنامج الدعم الاجتماعي الذي يشمل المحروقات والقمح والسكر والأرز بشكل أساسي.

وكانت دمشق قد خصّصت مبلغا يصل إلى 3.5 تريليون ليرة (1.4 مليار دولار) للبرنامج ذاته في موازنة العام الماضي.

وتدرس الحكومة منذ أسابيع مسألة تعديل سياسة الدعم إلا أن ياغي شدّد، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية، على أن “الدعم الاجتماعي هو سياسة ثابتة ولن يتم المس به”، موضحاً أن “الحكومة بصدد تنفيذ مقاربة جديدة لموضوع الدعم بهدف إيصاله إلى مستحقيه”.

ويخصص مشروع الموازنة الجديد نحو تريليوني ليرة (800 مليون دولار) للعمليات الاستثمارية، بينما يقدّر إجمالي العجز بنحو 4.4 تريليون ليرة (1.75 مليار دولار).

مؤشرات الموازنة
ورغم تراجع وتيرة المعارك في البلاد، حيث أودى النزاع بنحو نصف مليون شخص وهجّر الملايين ودمّر البنى التحتية، إلا أن سوريا لا تزال تعاني من ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، مع تواصل انخفاض قيمة العملة المحلية وانقطاعات طويلة في التيار الكهربائي وشح في المحروقات والمواد الأساسية.

ويرى محللون أن الأرقام الضخمة التي تعلنها الحكومة للموازنة تهدف بالأساس إلى تحفيز الآمال لدى السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرة دمشق بأن تحسناً قد يطرأ على الأوضاع المعيشية، إلا أن الواقع مغاير تماما لما يضعه المكلفون باعتماد الموازنة على الورق.

ويشكك خبراء في قدرة السلطات على تأمين مبالغ الموازنة الضخمة في ظل ندرة العوائد الحكومية والإيرادات شبه المتوقفة من مختلف القطاعات الاقتصادية والتجارية والزراعية، والشلل في مفاصل الإنتاج والاستثمار.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن المحلل الاقتصادي تامر قرقوط قوله إنه “لا توجد موازنة عامة في سوريا بالمعنى الحقيقي”.

وأضاف “منذ موازنة 2012 التي ظهرت فيها أرقام التضخم بشكل لافت باتت الموازنات السنوية عبارة عن عملية تكرار للموازنات السابقة” دون أن تحقق تطلعات السوريين.

وبالرجوع إلى ما قبل اندلاع الأزمة السورية نجد أن متوسط الموازنة السنوية العامة كان يقدر بنحو 16.3 مليار دولار وبعجز يبلغ قرابة 23 في المئة. وكان الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى حوالي 60 مليار دولار كل عام.

ووفق بيانات برنامج الأغذية العالمي فإن قرابة 9.3 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، قياسا بما تم تسجيله قبل الأزمة الصحية حين أشارت التقديرات إلى أنهم في حدود 7.9 مليون شخص.

العرب